الرواد والأجيال الجديدة……جدلية الاحترام بين الأخلاق والفن/ د. عماد هادي الخفاجي

إن الحديث عن الرواد في مجالات المسرح والسينما والتلفزيون والتعليم الفني بشكل عام ليس مجرد استدعاء للماضي أو استذكار لأسماء صنعت تاريخاً بل هو استحضار لقيمة جوهرية في أي تطور إبداعي وهي الاعتراف بمن وضعوا الأسس وشقوا الطرق التي يسير عليها الفنانون اليوم وإن تجاهل هذه الأجيال أو التقليل من شأن دورها لا يعني فقط ظلمهم على المستوى الشخصي بل يؤدي إلى قطيعة معرفية وتجريبية تفقر التجربة الفنية وتفقدها عمقها وتراكمها الضروريين.
في المشهد الفني اليوم كثيرا ما يُطرح سؤال التجديد والابتكار وغالباً ما يتم تقديمه بوصفه قطيعة مع الأساليب القديمة أو تجاوزا لها باعتبارها لم تعد تناسب العصر غير أن هذا الطرح يحمل في طياته إشكالية حقيقية لان الإبداع لا يقوم على الهدم بقدر ما يتأسس على الامتداد والتفاعل وهذا يعني بانه لا يمكن تصور سينما ثرية دون الوعي بلغة الصورة التي صاغها كبار المخرجين ولا يمكن بناء تجربة مسرحية متجددة دون فهم عميق للبنية الدرامية التي شكلها رواد الكتابة والإخراج وحتى في التلفزيون الذي يُنظر إليه أحيانا بوصفه فنا استهلاكيا لا تزال بصمات الكبار حاضرة في أنماط السرد وبناء الشخصيات وطبيعة الأداء، فإذا كان الفن في جوهره فعل تواصل بين الأجيال فإن غياب الرواد عن المشهد أو تهميشهم بحجة التغيير السريع يفقد هذا التواصل قيمته،
لا يعني ذلك أن المطلوب استحضارهم في كل عمل كمجاملة بل يجب أن تُتاح لهم المساحات التي تليق بخبراتهم وأن يُستفاد من وجودهم بطرق حقيقية فمن الخطأ الظن بأن التجربة الإبداعية يمكن أن تكون فردية تماما أو أن الأجيال الجديدة قادرة على الانطلاق من فراغ دون الاستناد إلى من سبقها لانه حتى أكثر المدارس التجريبية في الفنون لم تنشأ بمعزل عن السياق السابق بل بنت عليه وأضافت إليه.
أما من الناحية الأخلاقية فلا يمكن إغفال أن احترام الكبار وتقدير دورهم هو جزء من منظومة القيم التي تعكسها الفنون نفسها لان هذه العلاقة ليست مجرد مظهر اجتماعي أو شكلي بل هي عنصر أصيل في تكوين بيئة إبداعية صحية وهذا لا يقتصر على منحهم الفرصة للبقاء في المشهد بل يشمل أيضا الاعتراف بأن وجودهم ضروري لاستمرارية الفن نفسه فكل فنان كبير كان يوما شابا تأثر بمن سبقوه وحين ينكر الجيل الجديد ذلك فإنه يعزل نفسه عن سلسلة الإبداع التي تمنح الفنون قوتها وحيويتها.
إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق طرف واحد وليس صناع المحتوى وحدهم من يجب أن يعوا هذه المسألة بل الجمهور والنقاد والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية التي تساهم في توجيه الذائقة العامة وصياغة التصورات عن الفن والفنانين لانه حين تُدفع الأجيال المؤسسة إلى الظل دون مبرر فني حقيقي وحين يُختزل مفهوم التطوير في مجرد الإقصاء فإن النتيجة تكون فنا يفتقد إلى الجذور والعمق في المقابل حين يتم الحفاظ على هذا التوازن بين الجيل القديم والجديد يصبح الإبداع أكثر ثراء وتستمر الحركة الفنية في التطور دون أن تفقد هويتها أو تراثها.



