اليوم العالمي للمسرح…. احتفاء بالحرية في وجه الرقابة/ د. عماد هادي الخفاجي

المسرح منذ نشأته كان فعلا يتجاوز حدود الترفيه ليصبح مساحة للجدل للحوار ولطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون. إنه ذلك الكائن الحي الذي يولد مع كل عرض ويموت بانطفاء الأضواء لكنه يظل خالدا في الذاكرة. وبينما يسير المسرح في طريقه الأزلي نحو التجديد يقف الرقيب على مشارفه يراقب الكلمات يزن المشاهد ويقرر متى يجب أن يُسمح للحقيقة بأن تُقال ومتى يجب أن تُطمس تحت ذرائع شتى فتارة يكون الحَكم هو السلطة السياسية وتارة يكون المجتمع نفسه وأحيانا أخرى يكون الرقيب غير مرئي متسللا عبر آليات السوق ومتطلبات الدعم وشروط العرض.
لكن المسرح لم يكن يوما مجرد انعكاس للواقع بل كان دائما يسبق زمانه يتنبأ بالتحولات ويعيد تشكيل الوعي مدفوعا بحدسه الإبداعي الذي لا يعترف بالحدود.
إنه الفن الذي يقف عند التخوم بين ما هو ممكن وما هو محظور بين ما يُقال مباشرة وما يُمرر عبر الرموز بين الحرية كمفهوم مطلق وبين الضرورات التي يفرضها الواقع، لكنه في كل ذلك يظل فنا مراوغا قادرا على التكيف ودائما ما يجد طرقا للالتفاف حول القيد ليظل جوهره نابضاً بالحياة.
ومع التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم أصبح المسرح يواجه تحديا جديدا لا يقل تعقيدا عن الرقابة التقليدية وهو صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية، وبينما توفر هذه الأدوات إمكانيات غير مسبوقة فإنها تفتح بابا آخر للرقابة، رقابة غير مرئية تمارسها الخوارزميات وقوانين المنصات الرقمية التي تحدد ما يمكن أن يصل إلى الجمهور وما يُدفن في زوايا النسيان. هل يصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في الإبداع أم آلية جديدة للسيطرة عليه؟ وهل تظل العلاقة بين الفنان والجمهور قائمة على التفاعل الحي أم أننا نتجه إلى مسرح من نوع آخر مسرح بلا خشبة بلا لقاء بلا تلك اللحظة السحرية التي تجعل المسرح مختلفا عن كل الفنون؟
ورغم كل ذلك يبقى المسرح فعل مقاومة ليس بالضرورة مقاومة سياسية أو اجتماعية فقط بل مقاومة للجمود، للامتثال، للصيغ الجاهزة التي تحاول اختزاله في مجرد أداء نمطي.
إنه فن يعيد تعريف نفسه مع كل عصر يتأقلم دون أن يتنازل يراوغ دون أن يفقد رسالته ويستمر في إشعال الأسئلة حتى في أحلك الظروف.
المسرحيون اليوم وهم يعيدون التفكير في دورهم وسط هذه التحولات يدركون أنهم لا يواجهون فقط سلطة الرقيب التقليدي بل رقابات متشابكة بعضها ظاهر وبعضها متخف لكنهم في المقابل يمتلكون حدسهم الإبداعي ذلك الصوت الداخلي الذي يوجههم نحو الحقيقة مهما بدت الطرق مغلقة.
وفي احتفالنا بالمسرح هذا العام لا نحتفي فقط بفن قديم متجدد بل بموقف، برؤية، بقدرة الإنسان على الحلم حتى في ظل القيود.
تحية لكل من يضيء المسارح ليس فقط بالأنوار بل بالأفكار بالأسئلة وبالإصرار على أن يظل المسرح فن الحرية الأول حتى عندما يحيط به الرقيب من كل جانب.




