مقالات

لن نسامحنا.. عندما يرفع المسرح قبعته/ ياسر اسلم

في عالم تغشاه القسوة ويسوده الخداع، تنبثق مسرحية (لن نسامحنا) كصرخة مدوية ضد الظلم والخيانة المجتمعية. العرض المسرحي يقدم رحلة درامية مليئة بالرموز الفلسفية والرموز السياسية التي تضع الإنسان أمام مرآة ذاته، كاشفًا عن هشاشته الأخلاقية وتواطئه الصامت في الجرائم الكبرى. هذا العمل لا يقف عند حدود الحكاية التقليدية، بل يتعداها ليصبح مرآة لواقع مأزوم حيث تتشابك المصالح، وتُغيَّب الحقيقة تحت عباءة السلطة والنفاق الاجتماعي.

الخيانة، في هذا العرض، تتجاوز كونها فعلاً فردياً محدوداً، لتصبح فعلًا جماعياً مهيكلاً، تجسيدًا لانهيار المنظومة الأخلاقية للمجتمع بأكمله. هنا، لا يتورط الفرد وحده، بل يشترك المجتمع بأسره، بصمته أو تواطئه، في جرائم الظلم التي تُرتكب بحق الأبرياء. في قلب هذا المشهد المأساوي تقف المرأة، التي تتجاوز كونها شخصية محورية لتتحول إلى رمز شامل؛ رمز للأمومة، للوطن، وللأنوثة المسلوبة. التهم الظالمة التي تُلقى عليها، من زنا وزندقة، ليست سوى انعكاساً للفساد المتأصل في البنية القيمية والنظم السلطوية، حيث تصبح السلطة آلة تُستخدم لتشويه الحقائق وتحريفها. وفي حين تنهال الاتهامات، يظل المجتمع مشلولًا بين دور الشاهد الصامت والشريك المتواطئ، مما يجعل هذه الخيانة جريمة يشترك الجميع في صنعها، سواء باليد أو بالصمت.

في المقابل، يظهر عامل النظافة كشاهد محايد يحمل وعيًا عميقًا بعبثية الواقع. يتموضع عند أدنى مستويات العمارة المجتمعية، منهمكًا في تنظيف المجسم الذي يمثل البناية ذاتها. وعلى الرغم من جهوده المستمرة لتنظيف الداخل والخارج، تبقى القذارة العالقة في جوهرها عصية على الزوال. في إشارة رمزية بليغة، يكشف المجسم عن فساد عميق يستعصي على الإصلاح، وكأن تنظيف المظاهر لا يمكنه الوصول إلى فساد الروح. ورغم أن واجهته قد تبدو لامعة بفعل جهده، يظل الداخل غارقًا في الفوضى والانحلال، في انعكاس صارخ لنفاق مجتمع يزين ظاهره بينما يتآكل في داخله.

الديكور في العرض كان عبقريًا في تكوينه وعمقه الرمزي، حيث تحول المسرح إلى منظومة بصرية متكاملة تعكس المجتمع وطبقاته المتداخلة. العمارة متعددة المستويات لم تكن مجرد خلفية ثابتة، بل جسدت ديناميكية الصراعات الطبقية والاجتماعية.

في المستوى السفلي، يقف عامل النظافة، ممثلًا للطبقة المهمشة التي تحمل على عاتقها عبء تنظيف قذارة المجتمع، بينما يعاني أفرادها في صمت خانق. ورغم جهوده المضنية، تبقى البناية رمزيةً لفساد متأصل لا يمكن تطهيره.

المستوى الثاني يحتضن المرأة، التي تمثل الطبقة الوسطى المحاصرة بين المطرقة والسندان. هي ليست فقط شاهدة على التناقضات الاجتماعية، بل ضحية مباشرة للصراعات بين النخب المتسلطة والطبقة الدنيا، تتأرجح بين القهر والنجاة دون أي مخرج واضح.

أما المستوى الأعلى، حيث يتحرك التجار والمسؤولون بحرية تامة، فهو تصوير جريء للنخب الحاكمة التي تدير المجتمع وفقًا لمصالحها وأهوائها، تتلاعب بمصائر الآخرين دون أي وازع أخلاقي. هذا المستوى الأعلى لا يعبر فقط عن الهيمنة الاقتصادية والسياسية، بل يشير أيضًا إلى عزلة تلك النخب عن معاناة المستويات الأدنى، وكأنهم يعيشون في عوالم منفصلة تمامًا عن الواقع.

هذا التقسيم المكاني لم يكن فقط وسيلة جمالية، بل أداة درامية نجح العرض في استخدامها لفضح التفاوت الطبقي وتجسيد العبثية الاجتماعية في مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية.

يبدأ العرض بمشهد افتتاحي مهيب، حيث تهيمن منصة الإعدام والسلاسل المتدلية من أعلى المسرح إلى خشبته على الفضاء البصري، مما يضع الجمهور فورًا في قلب المأساة. هذه السلاسل، التي ترتفع لاحقًا لتأجيل الإعدام وكأنها تمنح المجتمع فرصة أخيرة لمراجعة نفسه، ثم تعود لتسقط في النهاية، تحمل دلالات رمزية متعددة. إنها تمثل قيود الظلم والقهر التي تطوق حياة المهمشين والمظلومين، تلك القيود التي تبدو أبدية وغير قابلة للكسر. ومع ذلك، في لحظة السقوط الأخير، تتجلى دلالة أعمق: أن هذه القيود لا تتحطم إلا بسقوط الظالمين أنفسهم في جحيم أفعالهم

على امتداد العرض، يتصاعد العبث الأخلاقي وتجريد الإنسان من قيمته ليبلغ ذروته في مشهد القمار الذي يُمارس فوق رأس المرأة. هذا المشهد يتجاوز كونه صورة رمزية للعبثية الاجتماعية، ليصبح صرخة نقد حادة ضد هيمنة الطغيان الاقتصادي والسياسي. الكيس الشفاف المربع، الذي يرمون أوراق لعبهم عليه أثناء اللعبة، ثم يُلقى عليها في نهاية اللعبة ليسقط ويغلفها، لا يُبقيها فقط تحت المراقبة المستمرة، بل يحوّلها إلى كيان هش معلّق في الفراغ، مجردًا من القدرة على إسماع صوتها أو الدفاع عن كينونتها

إن تغليف المرأة بالكيس الشفاف يعمّق دلالات تهميشها وقهرها، وكأنها لم تعد سوى سلعة تُقامر عليها القوى المتسلطة دون اكتراث لإنسانيتها أو حقها في الحياة.

عندما تصل العبثية ذروتها ويراهن أحدهم بطائرته الخاصة ثم بزوجته، ينكشف النظام الأخلاقي للمجتمع بكل قسوته، لتتعّرى بشاعة القيم الإنسانية حين تتحوّل إلى أوراق مساومة في لعبة نظام طبقي مريض. هذا المشهد لا يُظهر فقط تفكك القيم الأخلاقية، بل يعري استغلال الإنسان للآخر وتحويله إلى وسيلة للترف والمرح. إنه انعكاس صارخ للهوة الأخلاقية السحيقة التي تسود الطبقات العليا، والتي لا تتردد في التضحية بكل ما هو ثمين من أجل متعة عابرة لا تدوم.

الإضاءة والموسيقى تكاملتا بذكاء لتشكيل الحالة النفسية والدرامية للعمل. الإضاءة بتباين ألوانها وظلالها عمّقت الفارق بين مشاهد القسوة، مثل التعذيب، والهزلية السوداء، كالرقص فوق رأس المرأة، مما أبرز الصراع الطبقي بين النخب والطبقات المهمشة. الموسيقى، بأصوات المطر والبرق والنغمات المعدنية الحادة، لم تكن مجرد خلفية، بل أضافت توترًا نفسيًا وحالة شعورية مكثفة، مما جعل العرض تجربة بصرية وسمعية متكاملة.

في قلب المسرحية، تجلت الشخصيات كرموز عميقة تعكس أبعاد المجتمع المتناقض. المرأة ليست مجرد ضحية تُلقى عليها الاتهامات جزافًا، بل رمزٌ للإنسانية المظلومة، الأم، والوطن، تحمل عبء الخيانة الجماعية التي أسقطتها في الهاوية. وعلى النقيض، يظهر عامل النظافة كشاهد واعٍ، يصرخ في صمت، مُجسدًا ضمير المجتمع الذي يدرك عبثية الواقع لكنه يقف عاجزًا أمام تغييره. بينما يتجلى الإمام كرجل دين متلون، يُطوع النصوص الدينية لخدمة أهوائه، في صورة صارخة للخيانة المقدسة التي تبرر الظلم. أما التجار والمسؤولون، فيُمثلون الطبقة المهيمنة التي تلهو بمصائر الآخرين، إذ تُحوِّلهم إلى أدوات ترفيه ومساومة، كما يظهر في مشهد المقامرة فوق رأس المرأة، في تجسيد لعبثية السلطة والنظام الطبقي. وفي المقابل، يقف الابن، الذي يجسد النبل في عالم متخاذل، مدافعًا عن أمه حتى الموت، ليصبح موته بأوامر عليا شاهدًا على قسوة السلطة وصمت مجتمع اختار التواطؤ.

النجاح الحقيقي لأي عرض مسرحي يكمن في قدرته على التأثير العاطفي والفكري في الجمهور، وهذا ما نجح فيه هذا العرض بامتياز. التنقل بين مشاهد الحزن والحدة التي سيطرت على العرض، وبين المشهد الكوميدي الوحيد الذي جاء ذكيًا ومبررًا، خلق حالة من التفاعل العميق. شعر الحضور بثقل المأساة وهمومها، بينما أتاح هذا المشهد المضحك لحظة راحة وسط التوتر العام. التأثر كان واضحًا في وجوه الحاضرين، مما يشير إلى أن العمل لم يكتفِ بتحريك المشاعر، بل أثار التفكير أيضًا، ليجعل الجمهور أكثر من مجرد متفرجين؛ بل جزءًا حيويًا من التجربة الشعورية والفكرية التي صاغتها المسرحية.

“لن نسامحنا” ليست مجرد عرض درامي، بل دعوة للتأمل في مصير مجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية. الخيانة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة لاختيارات خاطئة تكشف عن هشاشة القيم عندما تواجه بالسلطة والنفاق. من خلال هذه التحفة الفنية، يضعنا المخرج محمد العامري والكاتب إسماعيل عبدالله أمام مرآة الذات، ليكشف لنا مسؤوليتنا كأفراد وجماعات. فمتى سنتوقف عن التواطؤ مع الظلم؟ وهل يمكن للفن أن يكون شرارة لصحوة مجتمعية تعيد ترتيب القيم المفقودة؟

Related Articles

Back to top button