بالمغرب: أطروحة دكتوراه تناقش إمكانيات البلاغة في دراسة العرض المسرحي

نوقشت بكلية اللغات والآداب والفنون بالقنيطرة ضمن تكوين “المسرح وفنون العرض” أطروحة في تحليل الخطاب المسرحي تقدم بها الطالب الباحث رشيد بلفقيه وأشرف عليها الدكتور محمد هموش تحت عنوان “بلاغة العرض المسرحي المسرحي، مقاربة بلاغية لعروض مغربية معاصرة (2013-2023)”.
استهدفت الأطروحة تجاوز النقص في مجال الدراسات البلاغية التي درست العرض المسرحي دراسة بلاغية، كما استهدفت توظيف آليات البلاغة الجديدة (الحجاج) لتقصّي استراتيجيات الإبلاغ والإقناع في عروض مسرحية مغربية معاصرة تنتمي إلى الحقبة المشار إليها، بوصفها مقاربة حديثة تطمح إلى تناول خطابات متنوّعة، وبوصفها مقاربة منشغلة بسؤال التداخل بين الغاية الفنية التخييلية والغاية التواصلية التداولية التي لا تقف عند حد نقل الدلالة وإنما ترى في الارتقاء بعملية التعبير إلى مستوى الكمال الفني استراتيجية تسعى إلى زيادة درجات الإقناع والتأثير في المتلقي.
استفادت الأطروحة من المشاريع التجديدية لمجموعة من البلاغيين المغاربة والعرب لا سيما محمد أنقار، عبد السلام المسدي، محمد مشبال، محمد الولي، محمد العمري، عماد عبد اللطيف، الحسين بنوهاشم … إلخ. كما استفادت بشكل جلي من أعمال الباحث Martin Mercier الذي وظف البلاغة لتحليل مشاهد مسرحية، رغم أنه أعماله اقتصرت على تحليل مشاهد مسرحية، وهو ما حاولت الأطروحة في شقها التطبيقي تجاوزه بالاشتغال على عروض مسرحية كاملة، بالإضافة طبعا إلى أعمال آن أوبرسفيلد، باتريس بافيس، وتادوز كوزان، ولويس تينيونluis thenon (خصوصا في مجال تقطيع العرض المسرحي)، وآن روربول، وثادوز كوزان وغيرهم.
تحدد مجال الاشتغال بسؤال مؤطّر هو “هل يمكن للبلاغة ذات المنشإ اللغوي (الشعري والنثري) أن تدرس متونا بصرية؟ وما هي إمكانيات استغلالها في تلقي خطابات مسرحية وتأويلها؟”.
سؤال تأمل إمكانيات البلاغة الجديدة (الحجاج) في تلقي وتأويل خطابات ذات طبيعة بصرية، مركزا على مفهومها النسقي الذي سعى إلى جعل البلاغة علما أعلى يشمل التخييل والحجاج معا، ولمعالجة هذا الإشكال قُسّمت الأطروحة إلى شقين نظري وتطبيقي.
في الشق النظري تم تتبع مسارات البلاغة، وتحولاتها منذ ظهورها وصولا إلى عصرنا الحالي، ثم عُقدت مقارنة بينها وبين مسارات تحول كل من الدراماتورجيا، والسينوغرافيا ليخلص الباحث إلى وجود تشابه بين هذه المفاهيم (الدرامااتورجيا-البلاغة-السينوغرافيا)تأسّس على انتقالها جميعها من الدور التزييني الضيق إلى الدور الوظيفي في بناء المعاني في العرض المسرحي بناء بغايات إقناعية محضة.
تتبع الباحث في الشق نفسه تحولات الدرس النقدي المسرحي منذ النقد الانطباعي وصولا إلى النقد الجامعي، كما تتبع مسارات تطور المسرح المغربي أيضا.
وقد تركّز اهتمام الباحث في هذا الشق على مفهوم الكتابة الدرامية بوصفه مفهوما تُمَكّن تحولاته من تبيّن ملامح المسرح المغربي وتحولاته بالنّظر إلى تأثّر هذا المفهوم بالتّيارات النّقدية التي تأثر بها فعبرت تعبيرا دقيقا عن تحولات المسرح المغربي.
في الشّقّ التطبيقيّ، الذي قسّم إلى ثلاثة فصول، عمل الباحث رشيد بلفقيه على استغلال الخلاصات والمفاهيم الّتي بسطها في الشقّ النظري ووظفها في تحليل سبعة عروض مسرحية وفق سماتها البارزة، بوصف هذه السمة مدخلا رئيسيا لفهم العرض وتلقّيه، دون تجزيء متعسّف.
وهكذا درس في الفصل الأول “تجليات أساليب البيان في العروض المسرحية”، من خلال مبحثين درس في الأول بلاغة التشكيلات الاستعارية وأثرها في عرض “شجر مر”، ثم درس الكناية وتجلياتها في العرض المسرحي “صولو”.
وفي الفصل الثاني المعنون بـ “بلاغة السخرية وبلاغة الجسد في الخطاب المسرحي“، درس في مبحث أول بلاغة السخرية وآثارها على الخطاب الإقناعي في العرض المسرحي “النمس”، كما درس أثر السخرية في بناء العرض، وفي بناء شخصياته، وفي تأسيس الواقع الافتراضي والواقعي فيه.
أما في المبحث الثاني من الفصل نفسه فدرس بلاغة الجسد وتجلياتها في العرض المسرحي “بريندا Brenda“، وتناول خطاب الجسد بين الواقعي والفني، ثم درس الأساليب البلاغية وأثرها في تشكيل الجسد الفني، وأخيرا درس الجسد ودوره في بناء خطاب الاحتجاج في العرض المسرحي.
ثم درس في الفصل الثالث “الحجاج واستراتيجيات الإقناع في المسرح المغربي”، في مبحثين خصصت الأول أثر الحجاج في العرض المسرحي “التلفة”.
ثم درس، في المبحث الثاني، الحجاج وأساليبه في العرضين المسرحيين “خريف” و“دموع بالكحول”، حيث اشتغل على حجاجية عناصر الخطاب المسرحي، وعلى بلاغة الفضاء المسرحي بالإضافة إلى دور الأساليب البلاغية في تشكيل الفضاء الركحي في العرض المسرحي.
خلص الباحث من بين ما خلص إليه إلى أن توظيف الأساليب البلاغية يعدّ انعكاسا للرؤية الشعرية في توظيف السينوغرافيا، التي أضحت أسلوبا مميزا للإخراج المسرحي المغربي مع انتقال المخرجين من الاعتماد على أساليب تقريرية في بناء عروضهم المسرحية، إلى أساليب موسعة تستحضر المجاز تنتج عروضا تميل إلى المجاز، بحكم أن التعبير الاستعاري أشد تأثيرا في المتلقي، وأكثر قدرة على مخاطبة وعيه من التعبير المباشر، خصوصا في القضايا ذات الطابع الاجتماعي والإنساني (المعتقلين السياسيين- معتقلي الرأي-السجينات- قضايا الإرهاب- والمعتقدات البالية- … إلخ).
كما خلص إلى أن اللّغة البصرية للعروض المسرحية قد تأثّرت بالأساليب البلاغية بالنظر إلى اعتمادها على لغة مجازية تستعير لغة الشّعر من أجل الامتاع والإقناع، لاكتنازها (اللغة الشعرية) بالبنيات الاستعارية، والمجازات والكنايات، ولاعتمادها البليغ أيضا على أساليب علم المعاني أيضا.
نالت الأطروحة استحسان لجنة المناقشة التي تكونت من الأساتذة لطيفة الأزرق (رئيسة ومقررة)، والأستاذة نعيمة الواجيدي (مقررة)، والأستاذة ثريا وقاص (مقررة)، والأستاذ السعيد اللبيب (فاحصا)، ومنحت للطالب درجة مشرف جدا مع التوصية بالطبع تنويها بجديتها وجدتها في مجال البلاغة والخطاب.