نقد

كتاب الخميس (الحلقة الثامنة والستون) (ج:2) / محمد محسن السيد

اسم الكتاب : “ سردية النص المسرح العربي

الكاتب: بيداء محي الدين الدوسكي

الناشر: دار الشؤون الثقافيه العامة/ بغداد 2006.

 

***************

“ولا واحدة منكن تعرف شيئا عني، كنت استحضركن، لأملأ حياتي الموحشة، بالأنس، فملأتن حياتي بالفزع والربكة والأوهام.

صارت حياتي بكن وهما موصولا، اتأرجح فيها ما بين الذكرى والنسيان.

فأتركنني الآن. أنا اعتزلت المسرح، ولن أظهر بعد اليوم على خشبة أبدا.

أريد أن أرجع الى نفسي، أدواركن لم تعطني غير التعاسة، التماهي معكن أفقدني نفسي، بقيتن في التاريخ، وفي الذكرى، وأنا أزحف الى هذه الزاوية ليطويني النسيان”.

هكذا ظلت الممثلة (جيم) أسيرة الأدوار النسائية التي تقمصتها طوال تاريخها في التمثيل المسرحي، وهي تنازعها في حياتها الواقعية، لقد تخلل التبئير الداخلي للفاعل الذاتي تبئيرا داخليا، موضوعيا للمؤلف الضمني الذي اكتفى بتوجيهاته المسرحية، أما عن الفاعل الذاتي/ الممثلة فتنوعت رؤيتها ولم تقتصر على تبئيرها كلامها، بل تخطته الى تبئير كلام الشخصيات اللواتي قامت الممثلة حيم بتجسيد أدوارهن تبئيرا داخليا ايضا وفي سرد ذاتي، الأمر الذي يؤكد تماهي شخصيتها مع شخصياتهن وتشربها أحاسيسهن ومشاعرهن، وادراكها العميق قضاياهن ومعاناتهن، كما في هذا المقطع :

” – أنا لم أكن إلا ظلا لكل واحدة منكن .

– فصرخن بي، بل نحن صرنا ظلا لك .

فلماذا فعلت بنا هذا ، أيتها الممثلة جيم ؟

كنا نائمات مطمئنات في عبء التاريخ، وقبور الزمن، وحواشي الكتب، فلماذا أيقظتنا على خشبة مسرحك؟ وتلهيت بأحزاننا. كنت تريدين أن تكسبي مجدا على حسابنا .

كنا نساء تعيسات، لم تدخلي الى أعماقنا لتكتشفي مقدار تعاستنا .

وأنت ترجفين على جلودنا، تحت ملابسنا الملونة الزاهية الباهرة .

أمام جمهورك المأخوذ بجلال الموقف، ولم يدخل أحد الى أعماقنا .

أنت امرأة منا، وأنت ضحية ايضا، لخداع الكتاب والمخرجين وتصفيق الجمهور، لكنك تبقين ضحية، مثلما كنا ضحايا لمخادعات التاريخ ” .

في هذا النص المسرحي المونودرامي يتجلى الإلتباس والتماهي ايضا في تقنية الشخصية / السارد، فالممثلة جيم راو عن ذاتها بضمير مستقطبة أغوار نفسها، وهي في الآن نفسه، كما رأينا مروي عنها من خلال تلبسها دور الشخصيات التاريخية وهن يقاضينها، وبالنتيجة ما هن إلا الممثلة جيم، وما الممثلة جيم إلا هن، وقد انصهرن جميعهن في ( أنا ) منفردة فتوحدت ذواتهن فعبرن عن آلام متشابهة، ومعاناة وشعور بالآسى، والظلم والخديعة ذاتها، وانعدام التوازن النفسي، فهي مأساة جماعية – فردية. لذلك جاء التبئير داخلي موغلا في الذاتية من صميم الحكي

وخلاصة هذا الفصل: ( لقد فتحت المونودرامية النوافذ أمام اللاوعي ليئبر أحداث  الإنسان وتجاربه داخليا في سرد ذاتي يبث فيه ما يعتمل داخل الذهن من فكر، داخل النفس من أحاسيس ومشاعر مترسبة مفصحا عن تهويمات الذات، وحالات انعدام التوازن والتكافؤ بين الباطن / الذات، والظاهر / الواقع، وبين الوعي واللاعي، فتتعكز الذات على نفسها بوصفها عالما بديلا محققة بذلك التوازن الذي تفتقر إليه في العالم الخارجي، كما أن الفاعل الذاتي قد اتخذ أكثر من موقع لتبئير تجاربه ووقائعه الحياتية مبدلا في الضمائر ما بين المتكلم والمخاطب والغائب الى جانب المؤلف الضمني، ذي التبئير الخارجي، والسرد الموضوعي وهو – أي الفاعل الذاتي – قد تبنى وظائف عدة من خلال تبئيره الأحداث التي توزعت على الوظيفة التوثيقية والتفسيرية والاتصالية، والتشبيهية فضلا عن الوظيفة الأيدلوجية والذاتية التي توشح المونودراما لم تمنع بعض النماذج المونودرامية – كما جاء آنفا –  من الاكتفاء بالتبئير الخارجي ذي السرد الموضوعي) .

وهنا يصل بنا المطاف الى الفصل الثاني والذي حمل عنوان ( الصيغة ) ومما جاء في مستهلها: (إن مفهومنا للصيغة سيتحدد بالكيفية التي يعرض بها السارد الحكاية ويقدمها، ولتمظهر السارد في عدة مواقع / مراكز انشغاله تبعا لذلك بوظائف متعددة ضمن الخطاب المسرحي، فإن صيغ الخطاب قد شهدت تنوعا داخليا بحسب تبدلات الحكي.

إذا كان العرض / الحوار الصيغة المهيمنة في الدراما الذي رسمها بسمته، وطبعها بخصائص اسلوبية دقيقة ميزتها من الاجناس الأدبية المجاورة لها فإن ذلك لم يمنع من حضور أنماط سردية كالسرد والوصف الى جانب الحوار في الخطاب المسرحي، فضلا عما يتخلله من تفرعات صيغية ثانوية تتمخض عنه محدثة تنوعا في أساليب الخطاب يبدأ بأعلى حالات الموضوعية وينتهي بأقصى حالات الذاتية.

حول ما جاء به ( جينيت ) تؤكد الباحثة ما نصه : ” يرى جينيت أن المرء يستطيع فعلا أن يروي كثيرا أو قليلا مما يرى، وأن يرويه من وجهة النظر هذه أو تلك، وهذه القدرة، وأشكال ممارستها بالضبط ، هي التي تشير إليها مقولة الصيغة السردية.. فالحكاية يمكنها أن تزود القارئ بما قل أو جلّ من التفاصيل. وبما قل أو جلّ من المباشرة، وإن تبدو بذلك على مسافة بعيدة أو قريبة مما ترويه، ويمكنها ايضا أن تختار تنظيم الخبر الذي تبلغه، والـ( المسافة ) والـ ( المنظور ) هما الشكلان الأساسيان لذلك التنظيم للخبر السردي الذي هو ( الصيغة ) .

وتمضي الباحثة قائلة : (فالمنظور والمسافة والصوت مقولات تنضوي ضمن مقولة الصيغة عند جينيت، بيد أننا ندرس الصيغة من خلال مقولة المسافة – أي علاقة بين حكي الأحداث وحكي الأقوال، والتي تعتمد على نسبة حضور السارد، وكمية الخبر السردي بغض النظر عن القائل سواء أكان راويا أو شخصية من شخصيات المسرحية الى جانب خطاب الكاتب / المؤلف الضمني، وكذلك عبر مقولة الصوت الذي نعني به هنا : حضور عملية التلفظ في الملفوظ من حيث الاسلوب أو هو :  الصياغة على المستوى التعبيري اللغوي ) .

أما بخصوص النص المسرحي فنقرأ : ( لقد توج الاسلوب المباشر / الخطاب المعروض النص المسرحي، بل ما عرف إلا به نصا محاكاتيا يعتمد المباشرة في توجيه الخطاب، ولعل حكي الشخصيات / الفواعل قد استأثر بالسهم الأوفر من هذا الخطاب إبان تبادلها الحوارات فيما بينها، ويدعوه جينيت – في مجال الرواية تحديدا – بالخطاب المنقول، إذ يعده أكثر الأشكال محاكاة، لتظاهر السارد بإعطاء الكلمة حرفيا للشخصيات ، ويرى جذور تمتد في النمط السردي المختلط – الملحمة – وإن الذي يميز بين الخطاب المنقول، والخطاب المباشر حضور مدخل تصريحي أو غيابه، أي أن الخطاب المنقول مهما بلغت فيه درجة شفافية السارد فتدخلاته تتضح للعيان مع أول وظيفة تجعل حضوره ممسرحا، كالحضور، أو التفسير، أو المراقبة، أو الربط … ، في حين تتولى الشخصية .. السارد وحدها فبالنص المسرحي إدارة الحكي، وربط أحداث القصة بواسطة خطابها المباشر، اللهم إلا في المسرحية الملحمية حيث يقوم الراوي بوصفه بنية نصية مستقلة بهذه الوظائف الى جانب الشخصية / السارد غير متناسين خطاب المؤلف الضمني المتمثل بالتوجيهات المسرحية التي تخترق الحوارات المتبادلة ) .

وبالعودة الى موضوع الخطاب المنقول تذكر الباحثة ما نصه : (لقد ترجم هذا المصطلح ايضا بـ ( الخطاب المستحضر – ويقصد به : الذكر الحرفي للكلام الشخصية بإسلوب مباشر، في حين يطلق عليه ( باختين ) بـ ( الحوارات الخالصة ) فيما تذهب ( شلومين ريمون ) الى أن الخطاب المباشر : (استشهاد بحوار فردي أو حوار ثنائي، وهذا يخلق الإيهام بالمحاكاة – الصرف – رغم أنه دائما مؤسف بطريقة أو بأخرى ).

والخلاصة أن الخطاب المباشر يختص بالمسرحية وحدها، إذ يكون المتكلم / أي الناطق بالحكي في حوار مباشر مع شخصية حاضرة تتلقى دون وسيط، ودون تدخل أطراف أخرى، ودون الحاجة الى متحدث أو راوٍ ينقل لنا شكل ذلك الحكي أو نصه .. وعندما لا تجد الشخصية من تبثه نجواها تلوذ بنفسها في مناجاة ذاتية، وقد تتدخل تقنيات محددة في ازجاء الحكي والمحافظة على ديناميته، نحو : الهاتف أو المهرج الصامت، أو الصوت أو شخصية وهمية، أو المرآة وسوى ذلك مما يتعكز عليه الكاتب لتسهم في تصاعد الحدث وتناميه، ومثل هذه الأمور نجدها بقوة في المسرحية المونودرامية – تحديدا – لإنفراد الشخصية المحورية بالحكي ذاتيا فيها

وبالإنتقال الى موضوع (الخطاب المباشر) وتطبيقاته المسرحية – حيث يمر بنا – أن هذا النمط من الخطاب يشكل الدعامة الأساسية التي يرتكز عليها النص المسرحي في عرض أحداث قصته عبر الحوار، وأولى تطبيقاته المسرحية هي مسرحية (شهرزاد)  لتوفيق الحكيم، ومنا نأخذ : ( شهرزاد باسمة ) : نعم أنت تدور ، وأنت الآن في نهاية دورة .

شهريار : النهاية تتلوها البداية في كانون الأبدية والدوران .

شهرزاد : أما كنت تعرف هذا من قبل ؟

شهريار : كنت أحسب الطبيعة أحذق من هذا .

شهرزاد (باسمة) : الى هذا الحد انت ناقم على الطبيعة؟

شهريار : إنها تقارعني بسلاح العجز : السجن ، داخل حلقة تدور كل ما يكبر ترجعه الى الصغر، كل غاية تتبعها بداية، الى متى هده الدائرة التي لا مخرج منها؟ .

وهنا تتكفل الشخصية -السارد – في الحكي المباشر عن طريق العرض، وهنا ما نلمسه ايضا في مسرحية (بجماليون) للمؤلف نفسه، للتأمل هذا الخطاب المباشر بين الإله ابولون وفينوس حول سرّ جمال التمثال (جالايتا  الذي نحته بجماليون :

فينوس : امرآة !

ابولون : بل ماثرين أجمل كثيرا من امرأة ، وأكمل كثيرا من امرأة !.

فينوس : ( تتأمل التمثال وتهمس لنفسها في اعجاب ) : كيف ارتفع الى هذا ؟ .

ابولون : ( في تفاخر ) هنا السر !!

فينوس : بشر هالك !

ابولون : ومع ذلك ..

فينوس : ( وعيناها الى التمثال ) أصبت !.. ما هذا الشيء .. جالاتيا ؟!.

ابولون : هذا الشيء؟! إنك لا تجسرين أن تسميه امرأة..أنت ايضا ترين جالاتيا أجمل كثيرا من امرأة، وأكمل كثيرا من امرأة !..) .

فالشخصية / السارد قد نهضت عبر الحوار بمهمة الحكي من تدخلات الراوي الذي نراه في الرواية – مثلا – ونسمع صوته، يخترق حوارها المعروض خطاب الكاتب / المؤلف الضمني المنفرد بين اقتباسين ، وهو في النصوص المسرحية جميعها ينحسر دوره في تأطير المشاهد مقدما تعريفا مكثفا بالشخصيات، والفضاء أن التي تجري فيها المشاهد في اسلوب سردي يومئ للمتلقي بسلطة المؤلف العليا في توجيه الخطاب، والحدث الى جانب إيحائه، بقصديته في الإختفاء وإضمار صوته، ليترك لشخصياته حرية التعبير عن آرائها، وتمثيل فعلها عبر كلامها في أسلوب مباشر معروض يعد فيه الحوار المنفذ الذي يكشف من خلاله المؤلف عن دواخل شخصياته، ويمكن من تحليلها إذ أن خطابها بوصفه دالا نصيا يفصح عن الإنتماء الجنسي والقومي والإجتماعي لها، ويصور حالتها النفسية والذهنية، ومستواها الثقافي، واتجاهها الأيديولوجي والأخلاقي، كما يتجلى دوره في تحديد المكان والفعل ايضا ) .

والمعلوم أن الأسلوب المباشر لا يقتصر على الحوارات المتبادلة بين الشخصيات المسرحية بل يتعداها الى مشاركة (الملقن  تارة، والمتفرجين بوصفهم بنية نصية فنية تارة أخرى في الحوار مع الشخصيات كما في (مأساة جيفارا) لمعين بسيسو الذي يروم خلق جو من الإثارة والتشويق وكسر الإيهام فضلا على ما يكتنزه هذا الأسلوب الإجرائي من قصدية للمؤلف في تحميل الخطابات المعروضة المباشرة بعدا أيديولوجيا، كما تذهب الى ذلك الباحثة :

الرجل الأول : نحن هنا في هذه المكتبة ومنذ سنين ..

تتمدد فوق الارفق منذ سنين .

نعرف كل قوانين الثورة ..

فنعلم للناس الثورة ..

والمسألة الآن .. كيف تهب رياح الثورة في الصيف ؟

كيف المطر الأحمر والثلج الأحمر يسقط في الصيف ؟

كيف الفلاحون يثورون بفصل الصيف ؟  إني أسأل .

الرجل الثاني : لم تعد الكتب تجيب ..

كانت كالسمكة في الثلاجة ..

هذه المكتبة هي الزنزانة ..

إني أختنق الآن .. فلنخرج .

(رجل ينهض من مقاعد المتفرجين ..

الرجل : قد سقط قناعك .. سقطت قفازاتك ..

أنت الأن على المسرح عريان ..

الرجل الأول : ليهبط الستار .. ليهبط الستار .. ليهبط الستار ..

الرجل : ( من مقاعد المتفرجين ) لن يهبط الستار ..

الملقن : لن يهبط الستار .. أعترف الآن .. أعترف الآن ..

كنت تمثل لكنا كنا ندفع دمنا ثمنا للتذكرة وللإعلان وللبرقية ..

والآن … أين هي الحرية ؟ أين هي الأرض وأين هي الحرية ؟ ) .

لقد عبّر هذا المقطع عن الثورة في أسلوب أدبي مؤدلج اعتمد المكاشفة الحوارية التي تضمنت أقطابا عدة للتحقيق المواجهة إبان الأسلوب المباشر الذي هيأ للشخصيات المتحاورة القدرة على تخطي الزمن الحاضر والإنبعاث من داخله في مقاربة فعلية وظيفية بين ما كان عليه موقف الإنسان، وما آل إليه من خلال تعرية دوره، وهذه المباشرة في طرح الأفكار هي طريقة تلقائية وعفوية متمثلة بالملقن، والرجل المنتمي للمتفرجين قد ساهمت في تصعيد إيقاع الحدث موحية الى كونها الضمير أو الأنا العليا الذي وقف وقفة المحاسب والمدين، توخى منه المؤلف حث المتلقي على التفكير بما حدث وما يحدث محاولا الجنوح نحو التغيير، والحيلولة دون الإندماج بالأحداث وهو ما نلمسه ايضا عبر الأسلوب المباشر ذاته بين الزبائن المنصتين المتفرجين، والحكواتي الذي تخلل نص (مغامرة رأس المملوك جابر) لسعد الله ونوس، إذ وظف فيه تقنية المسرحية داخل المسرحية، فضلا عن آليات المسرحية الملحمية ومنها الحكواتي / الراوي .

في هذا النص تتعالى أصوات الزبائن الذين يشكلون المستوى الأول من الحكاية المسرحية، معترضين رغبة الحكواتي في أن يسرد لهم حكاية ( المملوك جابر ) وآملين أن يسمعوا شيئا عن زمن البطولات والإنتصارات :

( الزبائن : ( أصوات مختلطة ) ما جاء دور الظاهر بعد ؟

سننتظرها منذ نهاية الصيف الماضي .

– كل مرة نطلبها تقول ما جاء دور الظاهر بعد .

– بالله قل لنا .. متى سيأتي دور الظاهر إذن .

الحكواتي : قدمنا حكايات كثيرة قبل أن نصل الى سيرة الظاهر .

زبون 1 : إقلب هذه الحكايات ، وافتح كتابك على سيرته .

زبون 2 : جفت قلوبنا يا رجل .. نريد أن نسمع عن البطولات ..

زبون 1 : نريد أن نسمع الى الحق الذي يغلب الباطل .

زبون 5 : والعدل الذي يغلب الظلم .

لقد توخى ( ونوس ) من هذه الحوارات ذات الأسلوب المباشر المعروض مشاركة الجمهور وجعله معنيا الى أقصى حد، أي أن يحوله من جمهور متفرج الى جمهور مشارك، ولذلك رمى كرة النار في حضن كل من كان في الصالة، ليترك أثرا أو علامة يحملها المتفرج الى الخارج، حتى يراه الناس كي يروا حقيقتهم ) .

وحول موضوع الجوقة وحضورها في الاسلوب المباشر نقرا : ( لا يمكننا تجاهل الجوقة في مخاطبتها المتلقي المفترض حضوره في أسلوب  مباشر ذي وظيفة اتصالية واخبارية، يحمل بين طياته أبعادا فكرية وفلسفية تشكل موقفها – أي الجوقة – من الوضع الراهن الذي تروم معالجته، كما في مسرحية ( الغول جمال باشا السفاح ) للمؤلف ممدوح عدوان، إذ تتصدر الجوقة النص المسرحي، ثم نراها تخترق تضاعيف النص متلبسة دور الشخصية في اقتسامها الحوار مع الشخصيات الأخرى .

( أهلا يا سادة .. ألف سلام

هذا النائم يصحو .. حين يكون الناس نيام .

ولقد جرت العادة .. أن نحسب نوم الظالم عبادة

فكأنا كنا نأمل أن السفاح .. سيموت إذا ما نام

الظالم حتى حين يموت … ينام

والظلم يتابع جولته .. حتى بعد غياب الظلام ) .

وهنا نلاحظ أن توظيف الجوقة في هذه المسرحية لا يبتعد كثيرا عن دورها في الدراما الكلاسيكية بناءً ووظيفة، حيث الوظيفة المرجعية التاريخية والتوثيقية الى جانب مهمتها الأساسية في التعليق والتعقيب وإدارة الحوار، وتطوير حبكة المسرحية.

وهنا نصل الى موضوع (الخطاب الذاتي المباشر) وفي مقدمته نقرأ : (يقترب هذا الأسلوب في صيغته من الأسلوب المباشر المعروض، والذي لا يكاد نص مسرحي يخلو منه، إذ تربطهما وشائج عدة أهمها : المباشرة في الحكي، والآنية – أي الزمن  الحاضر – بيد أنه يتمايز عليه بذاتيته، فيمكننا عبره أن ننصت الى ما يجول في ذهن الشخصية من أفكار بصوت مسموع.

إذا كان الأسلوب المباشر المعروض يتطلب تبادلا في الأدوار الحكائية عن طريق الحوار، ففي الخطاب الذاتي المباشر تنكفئ الشخصية الفاعلة على ذاتها … لعل المونودراما من أبرز التمظهرات البنائية المسرحية في توظيفها الأسلوب الذاتي المباشر معتمدا على الحوار الداخلي والمناجاة المتجسدة في هيئة حديث درامي طويل نسبيا تقوم به شخصية درامية متأزمة ووحيدة .. متوجهة بالحديث الى نفسها مباشرة .. أو الى شخصية أو شخصيات، أو أطراف، أو قوى أخرى غائبة، وتكشف فيه عن حالة صراع نفسي داخلي ناجم عن اضطراب أو عدم اتزان في البناء النفسي الداخلي للشخصية، أو عن عدم القدرة على التكيف مع العالم الخارجي، أو التواصل مع الآخرين، أو مع الذات الجوهرية ) .

في ( مجنون يتحدى القدر ) ليوسف العاني نستمع الى صوت المجنون المحمل بالتداعيات والتذمر النفسي: (في مرارة) قدر .. قدر .. كل ما حل بي من القدر أما هذا القدر ؟  ليته يكون إنسانا لانتقمت منه شر إنتقام .. ما أشد خطرك .. خطفت مني ولدي وزوجتي وحرمتني صديقا عزيزا عليَّ ونكدت عيشي .. وأنت أين أنت ؟ من أنت ؟

لا أعلم ! ، لا أعلم ! تعال أيها القدر تعال .. اهبط إلي ، اهبط ( يصرخ عاليا )..

المجنون : .. من ؟. من ؟ .. من أنت من أنت أيها ..

القدر :  أنا .. أنا .. انا القدر ( ضاحكا ) .

المجنون : القدر ؟!.

المجنون :  لم جئت الى هذا ؟

القدر : لأنك أدرتني لتتحداني !.

المجنون : ولكن كيف جئت ؟

القدر :  جئت .. لأنني .. لأنني .. أنا القدر ( يضحك ) .

لا شك أن الحديث مع (صوت القدر) قد أسهم في تطوير الفعل الى جانب شخصية المجنون ذاتها التي تمثل معالجة درامية وفنية لوضع الشخصية المونودرامية في دائرة البوح الحر والكشف عن الحقائق صراحة أو عبر هذيانات وتداعيات تطوى على حقيقة مضمرة ) .

وبخصوص التقنيات الثانوية المستخدمة في المونودراما نقرأ : ( على الرغم من كون المونودراما مسرحية  أحادية الشخصية  إلا أنها أحيانا .. تحتضن تقنيات ثانوية من شأنها إثارة الشخصية وتحفيزها حيث أن الصوت، أو الهاتف، أو القدر، أو المرآة، أو الحلم، أو الشخصية الوهمية الخيالية، أو الشخصية الصامتة .. نافذة يطل من خلالها المتلقي على ذات الشخصية وعالمها الداخلي إبان ما ينثال على لسانها من اعترافات، وارهاصات، وتنبؤات تصور قلقها واضطرابها وانعدام استقرارها .

ولا غرو أن هذه العوامل المساعدة لها من الأهمية بمكان إذ تعمل على خلق علاقة توتر وصراع بين الشخصية ذاتها من جهة، وبينها وبين العناصر الذكورة من جهة أخرى، الأمر الذي يفضي الى بلورة الحدث وتناميه .

وفيما يختص بالعوامل المساعدة نتعرف على تقنية (الحلم) في المونودراما لما لها من أهمية عظمى في تشخيص الأفكار، والوساوس الداخلية للشخصية، السارد عبر الخطاب الذاتي المباشر في صيغة العرض، وهو ما نلمسه في (منقار من حديد) لسعدون العبيدي .

( الأم : ( تتكلم في نومها ) .. قلت لك مرارا إني لا أعرف أي دواء يساعد على إطالة الشعر .. إذهبي الى الطبيب واعرضي عليه الأمر، إن جلدة رأسك مريضة يا صديقتي أنت واهمة، ثقي بأني لو أستطيع علاجك لفعلت كنت لا أظن أنك حسودة الى هذا الحد ، لا أدري ماذا تريدين مني ؟ .

ليس من المعقول أن تدب الغيرة في نفسك من أجل شيء بسيط .

جلدة رأسي قوية وشعري طويل أسود .

أرجوا منك أن تتركي علبة الثقاب جانبا .. ارحمي حالي واتركيني لوحدي .

( تقوم من نومها ) .. لا .. لا .. لا تفعلي إنها حماقة منك يا صديقة .. لا تمسكي بهذا الفأس . لا أريد أن أفقد رأسي .. رحمة بي يا صديقة .. رحمة بطفلتي اليتيمة . سأقص شعري وأهدي إليك .. سوف لا أبيعه الى صانعة الشعر ، سيطري علي نفسك .. ( بفزع ) .. لا .. لا ) .

ففي هذا الحلم الذي يعد انعكاسا وتصويرا في الآن ذاته لحالة التنازع والصراع الداخلية التي تنتاب الأم في استبطان ذاتي جسّد ما يعتري الشخصية من مخاوف خزنها اللاشعور وبثها في صورة حلم بشع ومرعب عبّر عن تهويمات الشخصية وتكهناتها، وما العبارات والجمل المتقطعة، وغير المرتبطة فكريا، وفكريات التوسل والالتماس إلا دليل لذلك .

وحول تقنية (الهاتف) واستخدامها في النص المونودرامي نقرأ : (.. مع تقنية – الهاتف – نستجلي خبايا الشخصية البطل على نحو ما تبين في (ومضات من خلال موشور الذاكرة) لجليل القيسي إذ يعرض (الممثل) الشخصية / السارد للمتلقي أبعاد تجربته المسرحية إثر مكالمة هاتفية مع المخرج، استرسل من خلالها في اطلاعنا على الشعائر التي ينبغي أن يؤديها إبان تفاعله مع الدور المناط به وتقمصه إياه : ( الو .. نعم .. آه .. أنت .. أعرف مبلغ حرصك، ودقق يامخرجي العزيز .. أعرف .. أنت فنان دقيق .. رجعت لتوي .. إنني سعيد جدا ، وممتلئ بنشاط فوار .. طوال النهار وأنا أردد حواري في المسرحية مع نفسي، وحسب ارشاداتك، اطمئن إنني الآن أتقن كل شيء، وفي ذاكرتي خزنت أصغر نصيحة وتوجيه، أتعرف ماذا ؟.. سأعمل بعد دقائق، أصنع لنفسي المكياج اللازم على طريقة الماكير الفنان محمد، وأعيد دوري كما لو أنني أمام ألاف المشاهدين، وفي هذا المساء ستجدني على المسرح كتلة نشاط وحيوية. أبدا .. لا عليك اطمئن أنا منذ صباي أشعر أنني خلقت للمسرح ) .

ليس بخفي عنا أن هذه التصريحات ماهي إلا إنعكاس لما يمتاز به الممثل ذاته، وتوصف به شخصيته، و(الهاتف) لم يكن أكثر من أداة وظفها الكاتب ليعيد الاتزان الى جانب من البناء النفسي للإنسان، بمعنى تحقيق قدر من التكيف يحفظ على الإنسان ممارسة حياته بأعلى درجة ممكنة من السير والسهولة ) .

وحول موضوع ( المناجاة الذاتية الفردية ) تذكر الباحثة : (.. لا يقتصر الخطاب الذاتي المباشر المعروض على المونودراما  فحسب بل يشغل حيزا من المشاهد الاستهلالية في المسرحية الكلاسيكية، كما يتسلل الى تضاعيف النصوص المسرحية متمظهرا في الأحاديث الجانبية، والمناجاة الفردية التي تمثل كلام متحدث واحد، إن المناجاة الذاتية ذات الخطاب الذاتي المباشر ظاهرة فنية اخترقت الخطاب المسرحي منذ نشأته، حيث الجوقة التي يعهد إليها بالتمهيد للأحداث والتعليق عليها واظهار خفاياهم ومقاصدها، وبإختفائها ظهرت الحاجة الى من يعلق على الوقائع ويدعو الجمهور الى التفكير، والتأمل فيها واستنباط مغزاها، فعمد شكسبير ومن بعده الكلاسيكيون الى استحداث تقنية – المونولوج – الحديث الفردي، بوصفه بديلا فنيا عن دور الكورس .

إن المناجاة الذاتية الفردية حيلة مسرحية للكشف عن الشخصية التي يجب أن تعطي مزيدا من الإنتباه الجدي، وهي من الناحية المنطقية والعملية أسلوب لتتحدث هذه الشخصية عن مشاعرها وأفكارها الخاصة بصوت مرتفع، وهي تصوير موضوعي للمادة النفسية للشخصية والخاصة .. وايضا فإنها من أقصر السبل وأوضحها لجعل الجمهور على معرفة مباشرة برأي الشخصية في نفسها وفي الأخرين، وتفسيرها للفعل السابق ونواياها المتعلقة بالفعل المقبل وهي تقربنا من قلب الشخصية كما يقترب الكاتب المسرحي منه ) .

وبخصوص ( المونولوج الداخلي ) نقرأ : (.. إن المناجاة هي التقنية الأكثر حضورا في الخطاب المسرحي، والتي تتباين مع تقنية المونولوج الداخلي في أنه وإن كان يتحدث به على إنفراد إلا أنه يقوم على التسليم بوجود جمهور حاضر ومحدد، وذلك يعطيه مزيدا من السمات الخاصة التي تميزه عن المونولوج الداخلي.

وأهم هذه السمات: زيادة الترابط، وذلك لأن غرضه هو توصيل المشاعر والأفكار المتصلة بالحبكة الفنية وبالفعل الفني، في حين أن غرض المونولوج الداخلي هو توصيل الهوية الذهنية. ) .

ومن هنا فالمناجاة تكنيك تقديم المحتوى الذهني، والعمليات الذهنية للشخصية مباشر من الشخصية الى القارئ بدون حضور المؤلف .. لذا فإن هذا التكنيك – بالضرورة – أقل عشوائية وأكثر تحديدا بالنسبة لعمق الوعي الذي يمكن أن يقدمه من المونولوج الداخلي، فوجهة النظر هنا هي دائما وجهة نظر الشخصية، وطبقة الوعي هنا عادة قريبة من السطح ) .

وتنتقل بنا الباحثة الى نماذج عينات من النصوص منها : (حلاق بغداد) لفريد فرج و(ماساة بائع الدبس الفقير) لسعد الله ونوس، و(وداعا أيها الشعراء) لجليل القيسي و(مملكة الإغتراب) لفلاح شاكر، و(محاكمة في نيسابور) لعبد الوهاب البياتي و(قمبيز) لأحمد شوقي و(خشب ومخمل) لعبد الملك نوري و(سليمان الحلبي) لألفريد فرج و(الباب) ليوسف الصائغ و(مشاهدات صعلوك متشرد في الليلة التاسعة ) لعبد الكريم رشيد، وخلاصتها : (إن الخطاب الذاتي المباشر المتمثل بالمناجاة الفردية وما يندرج تحتها يعد جزءاً من افرازات الخطاب المباشر عندما تتعرض الشخصية لإنفعال آني فتنطوي على نفسها محاولة منها لإستعادة التوازن النفسي ومتكئة على ما تجود به أفكارها التأملية .

وهنا يصل بنا المقام الى موضوع ( الخطاب المسرود ) والذي جاء في مستهله: (إن إعتماد النص المسرحي في إنشائيته على الخطاب المباشر في صيغة العرض لا يعني بالضرورة إنتفاء أساليب حكائية أخرى تتم بوساطة صيغة السرد، فالصيغتان موجودتان في أي خطاب حكائي بمختلف الأشكال الممكن تصورها، لقد تنبه سرور نجيب الى الفرق بين إحتواء عمل مسرحي على عنصر سردي كوسيلة بنائية وبين أن تصبح السردية طابعا للبناء كله.

إن ثمة فرقا بين السرد كتراكم أحداث، والسرد كوسيلة لتحضير الأحداث ذاتها، أي للولوج بنا قلب اللحظة الحاضرة التي لا تلبث أن نعيشها مع الشخوص المعينة .

وحول توظيف السرد في المبنى الحكائي للخطاب المسرحي وأنواعه نقرأ : ( وعليه فالنص المسرحي يحتوي تنوعا في الأساليب الحكائية المعتمدة صيغة السرد فتارة يتم إبان الخطاب المحول وأخرى عن طريق الخطاب المسرد، وثالثة من خلال الخطاب المنقول على الرغم من كون صيغة العرض الإطار الذي يحتويها، أي الخطابات .

إن توظيف صيغة السرد في المبنى الحكائي للخطاب المسرحي بواسطة الأساليب الثلاثة المذكورة آنفا قد تبلور تمظهرات اسلوبية إجرائية جديدة يمكن أن تستشفها إبان التبدلات الحكائية التي يضطلع بها الراوي أو ما يقوم مقامه من وجهة، والشخصية من وجهة أخرى ) .

وحول الخطاب المحول وتطبيقاته تؤكد الباحثة ما نصه : ( في الخطاب المحول / الأسلوب غير المباشر  الذي لا يكتفي فيه  السارد بنقل الأقوال الى جمل صغرى تابعة، بل يكثفها ويدمجها في خطابه الخاص، وبالتالي يعبر عنها بإسلوبه الخاص) وفيه يتبنى الراوي / السارد وظيفة الأخبار والقص كما في (مغامرة رأس المملوك جابر) لسعد الله ونوس، إذ يتعهد الحكواتي في خطابه المحول قص وقائع المغامرة للزبائن المتهجربن في المقهى ناقلا إياها عن الراوي الأول – الديناري – يقول :

الحكواتي : قال الراوي .. كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان خليفة  في بغداد يدعى شعبان المقتدر بالله وله وزير يقال له محمد العلقمي، وكان العصر كالبحر الهائج لا يستقر على وضع، والناس فيه يبدون كأنهم في التيه يبيتون على حال، ويستيقظون على حال ) .

في النص المسرحي لا يكتفي الكاتب بتجميل الراوي – الحكواتي – عملية القص فحسب بل يردفه بخطاب الشخصيات  المشاركة في الحدث، والمجسدة له محققا وسردا مشهديا تشخيصيا، الأمر الذي يميز النص المسرحي في بناءه الأسلوبي، كما في الإنموذج السابق الذكر وسواه من النماذج المسرحية الأخرى، فبعد أن ينتهي الحكواتي من قصّه يجتزأ يدع الأحداث للشخصيات كي تقصها وتمثلها بنفسها:

(الرجل الأول : عندما يجلس على العرش الخليفة لا أحد يطلب من عامة بغداد رأياً ونصيحة .

الرجل الثاني : وعندما يسمى الخليفة وزيره يأمرنا بطاعته .

المجموعة : فنطيعه .

الرجل الثالث : وإن غضب الخليفة من وزيره ، وأفلح في عزله .

المجموعة : ايدنا الخليفة ، واعرضنا عن وزيره ) .

فالسرد المشهدي يأتي متضمنا الأسلوب المباشر بصيغة العرض – كما رأينا – مسهما في إثارة المتعة  الجمالية لدى المتلقي مشوبة بالموعظة التعليمية، فمزج بين التشويق والتعليم .

إن هذا المدخل الحكائي يدعوه ( توماشفسكي ) بـ ( العرض المباشر ) ويقصد به : سرد الظروف  التي تحدد الحالة الأولية للشخصيات وعلاقاتهم ) .

وبالإنتقال الى نموذج جديد هو (العبة الحب والثورة) لرياض عصمت، حيث يتولى التابع والوصيفة سرد الأحداث والوقائع بإسلوب التناوب، إذ يشكل خطابهما المحول الاطار الذي يقنن إطار المسرحية، بل يؤطر المشاهد الداخلية ايضا، ولم يكتفيا بدور الراوي المحايد بل تبنا دور الراوي المقتحم للقصة تارة، والراصد تارة أخرى، فضلا عن كونهما شخصيتين مسهمتين في بناء الحبكة الدرامية وتطورها .

لقد تميز هذا النص عن سابقه في إعتماده نسق التناوب في الساردين والهدف من هذا التناوب خلق سرد بوليفوني – متعدد الأصوات –  كما يسعى السارد الى مشاركة المتلقي في الحكم على الأحداث الجارية، ودعوته الى الإسهام في فك شفرات النص في وظيفة اتصالية توحى هدم الجدار الرابع، وهذا جميعه قد يكون من ثمرات بريخت ومسرحه الملحمي، الذي يعتمد الحوادث المروية وليست الجارية، ويرى أن المتفرج مشاهد فاعل وله موقف ويقظ، لا يستطيع أن يكون حياديا، وأن تعطي المسرحية الملحمية إنطباعا عن صورة كلية للعالم، فالحدث يبنى بناءً قصصيا مما يعني أن على المتفرج أن يتطلع الى الأحداث الكامنة وراء الحوادث المروية أمامه ) .

إذ يتمظهر للقارئ الحكي متناوبا ومتقطعا بين التابع والوصيفة .

التابع : كان يا ما كان في قديم الزمان حتى كان .

الوصيفة : حكايتنا هذه الليلة قد تبدو لكم قديمة .

التابع : أو المعروفة .

الوصيفة : أو مغشوشة أو ملطوشة .

التابع : لكن ما سنقصه عليكم الليلة ليس كما تظنون ، إنها حكاية لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر .

الوصيفة : ( برومانسية عذبة ) فهي حكاية حب .

التابع : ومع ذلك فهي تحمل معاني أخرى غير الحب .

الوصيفة : الحب بين أميرة وشاعر ثائر .

الوصيفة والتابع : ولكن هل يمكن لحب أن يثمر بين قصر وحارة ؟ بين عرش وخمارة ؟ ! .

بعد هذا السرد البانورامي الذي إحتوى موجزا إستباقيا لوقائع المسرحية وظّف الكاتب إسلوب (العرض المؤجل الذي يتبلور عندما يستهل السرد بالفعل وهو في طريق التطور، ولا يعرفنا الكاتب بالوضعية البدئية للأبطال إلا فيما بعد، أي عندما تنتقل الى مشاهد المسرحية حيث الحوارات المتبادلة بين الشخصيات وهي تجسد الحدث، ثم يتصدر الخطاب المحول الفصل الثاني .

المشهد الأول ، إذ يتابع السارد أن الحكي :

(التابع : ومرت الأيام، مضى عام كامل، والحب عصفور حبيس في قفص الخوف والإشاعة واكتشف الشاعر نبل الصورة التي اختارها في عينيها فصار صعبا أن يهجرها .

الوصيفة : بعد عام من الحب المختلس، وعيون الحساد والرصاد والحراس تتناوب التحديق والوشاية، اكتشفت الأميرة أن حب الناس خير من التظاهر بحب الناس ) .

لا شك أن اللجوء الى هذه التقنية في السرد قد يشكل عدولا عن نسقه المعتاد بواسطة السرد التقليدي والحيلولة دون  الوقوع في شرك الحوارات الخطابية الطويلة ذات النزعة التقريرية الوصفية، وكذلك (سهرة مع أبي خليل القباني) لسعد الله ونوس نلمس تلك التعددية الصوتية في رواية أحداث المسرحية في شكل متناول ومتقطع، لقد جسّد (المنادي، والممثل، والممثلة) دور الراوي في هذا النص، وتعددت وظائفهم ما بين وظيفة مرجعية – توثيقية – وأخرى تفسيرية، وتعبيرية الى جانب الوظيفة الإنتباهية، فالمسرحية تجري في مستويين حكائيين كل منهما يشخص وقائع إحدى القصتين في سرد متناوب، تبدأ المسرحية في عرض موضوعها الأول (مسرحية هارون الرشيد) وما كان يحيط العرض من أجواء إجتماعية انمط المتفرجين، وكيفية دعوتهم لحضورها، وتباين استجاباتهم لموضوع المسرحية)، هذا المناخ ينقله المنادي في خطاب مسرد، إذ يقوم بتحويل الأقوال ( الوقائع اللسانية ) الى أفعال ( وقائع غير لسانية ) .

( وهكذا كان الحال يا سادة يا كرام منذ مائة عام في أول مسرح أنشأه الشيخ أحمد أبو خليل القباني لم يكن يدفع إلا المساكين ومتوسط الحال ، الأغنياء والأعيان يدخلون بالمجان ، حاملوا الخيزرانات يدخلون بالمجان .

هنا يحاول المنادي قطع سلسلة أحداث القصة الأولي محاولا إرجائها الى مرحلة تكون بإزائها قد تعرفنا على شيء من تجربة القباني المسرحية .

( المنادي : والى أن يجد الوزير جعفر – غانم بن أيوب – ويرد للخليفة هارون الرشيد جاريته الضائعة  نغتنم الفرصة لنقدم  فصولا من الرواية الأخرى، رواية واقعية عن حياة أبي خليل القباني، وكفاحه الطويل لإنشاء مسرح في دمشق، ونقول لكم بأمانة الوثائق هزيلة، والأخبار قليلة، لكننا حاولنا بما تجمع لدينا أن نظهر الملامح الأساسية في تلك القصة، ونرسم صورة تقريبية للعطر الذي فيه القباني ) .

إنطوى هذا النص على لعبة صيغية جمالية حققت فرادة في التمظهرات الحكائية للنص المسرحي من حيث الخطاب المسرد الذي به جينيت على الأشكال التي تعامل الخطاب أو الفكر معاملة الحدث ، فهذا الأسلوب في المسرحية يعد في الأصل فعلا تم تحويله الى حوار يسرد الأفعال أي عكس ألية الخطاب المسرد ، فالفعل في المسرحية قد أصبح خطابا بين الممثلين وهنا نقترح تسمية هذا النمط من الخطاب بـ ( تخطيب الفعل أو الحدث ) ريثما نجد مصطلحا أخر أكثر عمقا ودلالة ) والثابت أن التناوب في سرد أحداث مختلفة من قصتين متباينتين قد دخل المسرحية بتأثير السينما والسرد الفيلمي ، إذ معروف في فن السينما أنه لا يمكن أن يستثمر المشهد نفسه لفترة طويلة … بل يقوم السرد الفيلمي على توليف بين لقطات مختلفة من مشاهد مختلفة .

وفي ( الفتى مهران ) لعبد الرحمن الشرقاوي يتجلى الخطاب المسرد في حديث ( وائل ) الذي يضم  مارآه وسمعه إبان سفره الى القاهرة :

( وائل : سار ورائي من شرطة القصر تحت الظلام رجال ثلاثة وكانوا  جميعهم يختفون بثوب الدراويش، والليل ساج وأيديهم أمسكت بالخناجر تحت العباءات .

مهران : ولماذا لم تقل لي منذ جئت ؟ آه ما أعظم صبرك ! كيف هذا ! والمسرحية مليئة بالتعليق على الحوادث التي تقع خارج المسرحية، وهذا معناه أن يتحول معظم شخصيات المسرحية الى رواة ومعلقين لشخصيات مسرحية، وكثيرا ما كان مهران نفسه يعلق على الأحداث وينفصل عنها بصورة واضحة) .

وفي نموذج تطبيقي أخر هو ( منمنمات تاريخية ) يباعد سعد الله ونوس بين الشخصية والدور الذي تقمصته محيلا إياها الى راو سارد للحدث في خطاب مسرد بدلا من عرضه في خطاب مباشر :

التاذلي : يباعد الشخص بينه وبين الدور ) في تلك الليلة .. ليلة العشرين من جمادي الأولى سنة 803 هجرية، لم يستشر  السلطان وحاجبه حين قرر القرار أحدا من الخاصة أو العامة، ولكن حين شاع الخبر، فار التاذلي غضبا وتمنى أن يواجه السلطان، وأن يقول رأيه ) .

فالشخصية – التاذلي – نفسها قد تحولت الى راو لأقوالها فجاء خطابها مسردا ذا أفعال سردية مشخصة الأمر الذي أضفى على الخطاب دينامية فضلا عن الاغراب في توظيف التقنية المؤدي الى إثارة المتلقي وخلخلة عملية الاستقبال الخطية النمطية التي اعتاد عليها .

ويوشح الخطاب المسرد النص الثانوي / التوجيهات المسرحية، اذ يركز فيه على الأفعال السردية من دون الأقوال، كما في (النجوم .. والليل الطويل) لرياض عصمت، إذ نسمع صوت المؤلف الضمني قائلا : “ات الحجرة، جاسر يتحول وحيدا  ينظر من النافذة في حذر، ثم يتابع حركته القلقة، ينظر الى جثمان يوسف المسجى، جاسر يعثر على صورة فيمسك بها .. مريم تدخل على ملامحها بعض النشاط، تراقب جاسر من مدخل الغرفة وهو لا يشعر، فقد إهتم السارد الضمني بإظهار تتابعية الحدث وتجسيده، وهو ما نراه ايضا في مسرحية ( الظل ) لبول شاؤول التي إنقطع فيها الحكواتي واعتمد المؤلف في نقل الأحداث وتمثيلها على راو وهمي قد يكون المؤلف الضمني نفسه، وهو سارد راصد دقيق لأفعال الشخصية لا ينتقل الى القارئ إلا ما يراه في حيادية وموضوعية تامة من دون أن يخترق ذات الشخصية، ليرينا ما نفكر به، أو ما ينتابها من أحاسيس وخلجات، كما في هذا المقطع :

” طرق على الباب من الداخل .. يتضح من طرقات عدة أنه طرق من داخل الباب الأيسر ، طق ، طق ( صمت ) .. يجاوبه من الداخل طرق من داخل الباب الأيمن .

طق  طق طق . الطرقات ذاتها . الايقاع ذاته ، يخرج الرجل(1) من الباب الايسر يرتدي بيجاما حمراء مقلمة . يقف في الباب لحظة . ينظر الى الباب المقابل . يستمر في النظر . يفتح الباب الايمن المقابل . يخرج منه الرجل(2)يرتدي بيجاما زرقاء مقلمة يقف على الباب لحظة . ينظر نحو الباب الايسر المقابل . كل من الرجلين ينظر الى الاخر). فالخطاب المسرد – هنا – يتبلور في هذا الاسترسال والمراقبة لتطور الافعال السردية ونقلها مباشرة الى المتلقي في اسلوب خاص .

اما بخصوص النمط الثالث من ابخطاب المسرود وهو الخطاب المنقول الذي يقصد به النقل الحر في لكلام الشخصية، ويعد اكثر الاشكال السردية محاكاة، وسنكتفي ببعض النماذج للدلالة عليه، كما في (الناز والزيتون)، اذ تصدى الفريد فرج في هذه المسرحية للقضية الفلسطينية، ليصوغها صياغة فنية جديدة تضافرت فيها الفنون التعبيرية جميعا من دراما، ورقص، وغناء، وتمثيل ايمائي، واستعراض، ومسرح سحري، اذ يقود حركة المسرحية ثلاثة عناصر شابة: (الشاب1 ، الشاب2 ، الشاب 3). مستفيدا – اي الكاتب – في تكنيكه المسرحي من اليات المسرح السياسي لبسكاتور، والمسرح الملحمي البريختي نحو الافلام والشرائح، والوثائق، واسلوب المسرحية داخل المسرحية فضلا عن تقنية الراوي، والمسرحية كسابقتها نهجت في استخدام هذه الوسائل، منطقا شبيها بمنطق البناء السينمائي الحديث، بحيث تترابط الاجزاء من خلال مونتاج وليس من خلال التطور الدرامي التقليدي للاحداث). ويتجلى الخطاب المنقول حرفيا في طريقة تقديم الشخصيات السياسية والاقتصادية الاسرائيلية وهي تحكي موقفها من القضية الفلسطينية وتبين دورها في اسرائيل، اذ لم يحاول الرواة التدخل في خطابهم بل اناطوا بهم مهمة نقل كلامهم في شكل واضح وصريح الى القارئ مكتفين – اي الرواة – بالتعريف بهم والاعلان عن هويتهم وكشف حقيقتهم وتحليلها .

وحول السرد ذي النسق الدائري المؤطر مشاهد المسرحية – كما تذهب الباحثة – فقد انماز في توظيفه بين الحدث/ الفعل – الاطار، والحدث/ الفعل – الحكاية (القصة) حيث لم يكن تراكميا بقدر ما كان سردا تامليا ذا فعالية مؤثرة في سيرورة الوقائع ديناميتها، وهذا ما نستشفه من مسرحية (باب الفتوح) لمحمود دياب، اذ تشرع المجموعة في طرح رؤاها المتعددة إبان اسلوب السرد معتمدة على ما تميله المخيلة من تصورات وافكار خول شخصية الثائر المفترض ميلاده، ينماز الاسلوب بتقطعه وتناوبه بين الشخصيات المقننة للحدث . الاطار محدثا خرقا في تسق السرد :

(الفتاة (2) : فلنجعل هذا الثائر يظهر في ايام صلاح الدين .. ولنجعلهما يلتقيان .. فما اجمل ان يلتقي الاثنان .. ما رايكم؟ ان الايام التي صنعت صلاح الدين القائد .. كان من الممكن ان تصنع ثائرا .

المجموعة: (في لهجة تقريرية) الثائر يظهر في عصر صلاح الدين .

الشاب الاول:  وهو عربي بالضرورة ..

الشاب الثاني: وهو بالطبع شاب ..

الشاب الثالث: ولابد ان يكون فارسا ..

الشاب الرابع:  يكفي ان تتحقق فيه مثل الفرسان ..

الشاب الخامس: انه شجاع .. ذكي .. وامين ..

الفتاة(1): عنيد في الحق .

الفتاة(2): (في لهجة انشائية) طويل القامة .. عريض المنكبين .

المجموعة: لا يكذب ابدا ..

ان المسرحية في مبناها الحكائي قد تمفصلت في مستويين:  الحدث – الاطار . وفد مثله الشاب المعاصر الذي توغل في اعماق التاريخ، ليستبطن خفاياه، ومستوى الحدث. القصة متمثلا باسامة بن يعقوب (الشخصية الخيالية) وعلاقته مع صلاح الدين الايوبي، كما ان لجوء الكاتب الى تقنية (الحلم)، ورغبته في جعل الشخصيات جميعها تشارك في الاخبار والقص مشخصة ابعاد الشخصية النفسية والاجتماعية والجسمانية، هذا كله يمثل تقنية مهمة مثل القناع، فالمسرحية كلها حلم واع، يقوم به الكاتب من خلال وسائط الشخصية واللغة، وقد اتضحت قدرو الحلم على الحذف والزيادة، والتحوير والتثوير للعناصر المتاحة للكاتب، سواء اكانت جمالية او تاريخية .. هذا بالاضافة الى استخدام مسرح لويجي بيراندوا، كالدخول الى حكاية من الواقع، واستشراف المستقبل بوعي .. ان هذا التوظيف للخطاب المسرود الذي يتكفل الزمن في قيادته قد انبثق من حاجة تقنية بنائية تفرضها انسيابية احداث النص للحيلولة دون استغلالها، فكان بمثابة آلة ضخ متواصل لبيانات ومعلومات من شأنها اضاءة النص المسرحي والاسهام في دفع حبكته وبلورتها.

وهنا نصل الى الموضوع الاخير من هذا الفصل المعنون (الخطاب الذاتي المسرود) وفي سطوره الاولى نقرا: (يرمي هذا النمط من الخطاب الى استكناه ذاتية السارد، ويرا غوار باطنه الداخلي، فاذا كان الخطاب الذاتي المباشر رهين الزمن الحاضر واللحظة الآنية التي تعيشها الشخصية فيتبلور خطابها بما يمليه عليه الموقف الآني في مناجاة فردية، فان الخطاب الذاتي المسرود لابناء على النمط الاول في ذاتيته، اذ تتكفل الشخصية – السارد – بالخطاب متخذة من اسلوب تيار الوعي، والارتداد الى الماضي، والتداعيات اداة لتعزيز مونولوجها الداخلي وترسيخه لكن بشكل مكثف واقل عمقا مما نعهده في الرواية مثلا .

يتضح هذا النمط من الخطاب في المسرحية المونودرامية كما يتجلى في سواها عندما تنطوي الشخصية على ذاتها  لتسترجع ذكريات ماضية اختزنها الوعي في خطاب ذاتي مع النفس منطوق ومسموع بضمير الانا. في مونودراما (بقبق الكسلان) لالفريد فرج، ينهمك بقبق في الحديث عن نفسه في سرد تقليدي مسترجعا جانبا من حياته : ( كان ابي شحاذا بالنهار وسكيرا بالليل، وعندما مات ترك لنا سبعمائه درهم وكنا سبعة اخوة، فاخذ كل منا نصيبه مائة درهم، لما اخذت في التركة لم ادرما اصنع بها، فقد كنت عزيزا النفس لا اميل للاشتغال بالصنائع المحتقرة. (بازدراء) نجار، حداد، نسّاج، صباغ. لا تصلح لفتى مثلي يتصف بالكبر ويحب العظمة لذلك اخترت ان اشتغل بالأعمال الحرة، لتجارة ووقع في خاطري ان أتجر في البللور الملون الفاخر كما يفعل الشاهندر نفسه). وفي مونودراما (ماري) لسعدون العبيدي . يستذكر الزوج جزءاً من ذكرياته مع زوجه المتوفاة، متحدّثا مع نفسه: (كم يعجبني ان اعيد شيء من الذكريات اتذكرين أيام الشباب؟ لاسيما في السنين الاولى من زواجنا عندما أنا نخرج الى المتنزه الكبير في مثل هذا الوقت نتجول تحت اشجار الصنوبر الباسقة، كنا نسير تحت ضوء القمر، وبريق النجوم، كنا نتبادل التراشق بكرات الثلج الجميلة .. كنا نتمتع بصحة جيدة .. صحة الشباب .. اما الان فقد كبرنا يا ماري).

ان هذا التوجه الخطاب لا يختلف عما نشهده في المسرحية الكلاسيكية اثناء انفراد الشخصية – السارد واستسلامها  لذاتيتها سوى في كون الشخصية المونودرامية تستاثر في الحكي طوال المسرحية، لانعدام من يشاركها الكلام فتجد في ذاتها المعوض عن الاخر، اما في المسرحية – الكلاسيكية فيكون هذا النمط جزءاً مت بناء حكائي متكامل تنقاد اليه الشخصية، السارد لغايات تقنية وبنائية يتطلبها النص المسرحي .

وبالانتقال الى نموذج مسرحي اخر نقرا : (.. اما في (هاملت يستيقظ متاخرا) لممدوح عدوان، فيتكفل (هوراشيو) الشخصية – السارد – ذات البعدين: فهو راو للاحداث، وشخصية مشاركة فيها. برواية قصة هاملت، ولانه شخصية ذات بعدين جاء تبئيره للاحداث داخليا في خطاب ذاتي مسرود: (هوراشيو: .. في ذلك الزمن كانت الحروب بيننا وبين عدونا فورتنبراس على اشدها، وكان والد هاملت يقود الوطن في حروبه. والحرب كما تعرفون تعني كل شيء. تعني النصر كما تعني الهزيمة. تعني الابطال كما تعني الخونة. كان وطننا يحارب وكنا مصممين مثلما كان العدو مصمما. وكنا نحن مجموعة من الشباب نقرأ ونتحدث ونناقش ونتحمس للحرب .. ونصلي ونبكي .. كنا نتعذب ونترزح تحت وطأة مسؤوليات الزمن الهام). وعلى وفق ما جاء فقد طرحت بنا هذه الشخصية كانسان يسرد احداث. مأساة هاملت من خلال ذكرياته عنها وعن دوره فيها. فهي إذن شخصية ذات وظيفتين: كطرف مشارك في الحدث اولا، وكمراقب ومفسر له ثانيا عندما يصبح رواية له). ونلمس وظيفة ايديولوجية، وانفعالية من خلال خطابه المسرد الذي رام فيه تحليل افكارا لشخصية هاملت مباشرة في شكل ديناميكي وعليه يمكن عدّ كلامه من قبيل الخطاب المباشر، وان كان من درجة اسمى خاصة اذا كان الراوي موجودا وممثلا في النص، كما في شخصية (هوراشيو)

اما بخصوص تعددية التعبير فنقرا: (.. ان تعددية التعبير. قد خلق توليفا مسرحيا حيث نجد خليطا من الأغاني الشعبية القديمة ..والحوار المهذب وبعض الكلائش الكلامية المعروفة، كل هذا الخليط ينتهي ليكون نسيجا مسرحيا موثرا. كما ان هذا التلاقح بين الشعر والنثر لم يفقد اللغة الدرامية قوتها وتاثيرها في المتلقي .

وهذا ما نراه في مسرحية(طائر الخرافة) لرياض عصمت الذي صنم كرنفالا صوتيا وصوت المذيع، وملاك الموت، مع اكياف ثلاثة جميعها تنشدا شعرا ذا طابع ايديولوجي – سياسي – ولانعدم المزج بين العامية والفصحى في لغة مسرحية :

(الجوقة: الزمن يموت دون كفن، والماضي كالحزن عميق، الناس اليوم نسوا الزمن، والحب في الليل غريق، على الحبين دمغة عار، كالتي على قف الخيل والثيران، وفي القلب حنين لخبز الكرامة والفخار .

رئيس الجوقة: صبئنا من بيت الاموات سحمل رخا مات قبورنا، نتلمس جذورنا، كالعميان.. نبصر لب الحياة.. دون ان نحيا الحياة ..

صوت (يغني موالا): يا مالكين القلب لما النوى ما لكن

قلنا احباب لنا مين ياترى ما لكن

عودوا قبل ما الجفا يغمر ليالي العمر

وغير الاحبه القدامى عالوفا ما لكن ).

القتلى الثلاثة: ذهبنا فرحين تتابط امالنا الجديدة وذكرياتنا البعيدة في حقائب صغيرة نشدها الى ظهورنا مع السلاح .

ارتفعت ملايين الايدي الحبيبة من النوافذ والبيوت وفي الشوارع والمحطات .. تلوح لنا .. تودعنا بدموع اللهفة والفرحة .. فقد ازفت ساعة الحرية والانتصار) .

وفي نموذج اخير هنا – على ما تقدم – وهو المسرحية النثرية (ليلة مصرع جيفارا العظيم) لمنجائيل رومان نلمس التداخل بين اللغتين العامية – وهي المهيمنة – والفصحى التي تجسدت – مثلا – في لغة (الناسك) بوصفه شخصية دينية مؤدلجة تؤمى الى ابعاد فكرية:

(الناسك:  يا ابناء الافاعي .. تتخذون من هذا الكافر الها تعبدونه .. خادم ابليس ، عابد الشيطان ، هدّام البيوت .. حرق المدارع ..

اصيحوا السمع وارهفوا الاذان .. حيثما تسمعون الاناشيد وصوت تحطيم الاغلال وزمجرة الفتاة .. إنه هناك .. انه قادم .. الثوري العظيم .. انه معنا الان .. وفي كل مكان .. الثوري العظيم الذي رفض عرش السلطة والمجد والجاه .. الثوري العظيم الذي رفض الحصار بعد طول العناء والنضال الشاق .. الثوري العظيم ، ذلك الذي لم يلتقط انفاسه بعد نصره العظيم).

الفتى: اسمع .. نصيحة مني .. اصطنع معايا معركة وموت ، ومن بعدك يقولوا مات في المعركة .. حيقولوا كان له موقف لا مأجور ولا خائن ومراتك تحكي للاطفال: ابوكم مات في المعركة .. كان شجاع وجرئ. يمكن تقدر تخدع الاطفال .. اسمع .. اسمع .. ما تخافش . انا حاسييك تقتلني وبسكينة اجرح نفسك … من اجل الاطفال).

وهنا نصل الى الفصل الاخير (الثالث) من هذا الكتاب والذي حمل عنوان (الزمن) ومما جاء فيه مقدمته: (.. يرى كبر إيلام ان  الزمن المسرحي يتكون من اربعة مستويات باستثناء زمن العرض الحقيقي، وهي :

أ- زمن الخطاب: وهو زمن الان التخييلي الذي يقع فيه الفعل الدرامي في الحاضر دائما متسما بديناميكيته ، وممثلا تواليا مطلقا لازمنة حاضرة وهو يساوي زمن السرد لدى جينيت).

ب- زمن الحبكة :وهو الزمن الناجم عما يحدث من تغيير في المواقف والحوادث المزعومة في (الان) الخاصة بالخطاب على وفق ترتيب زمني ما في المسرحية لا يتوقف دائما مع ترتيبها المنطقي ، وهو ما يعرف بزمن الحبكة وهو ما يرادف زمن الخطاب لدى جينيت .

ج- زمن الحكاية(القصة) : انه الزمن المتمخض عن عملية تجريد ترتيب زمن الحوادث الحقيقي بما يتضمنه من حوادث مروية تشكل ذهنيا تسلسل الحقبة الزمنية التي تمر في بنية الدراما الداخلية ، وبصرف النظر عن الترتيب الذي يجري فيه اظهار الحوادث او روايتها .

Related Articles

Back to top button