كتاب الخميس (الحلقة الواحدة والسبعون) / محمد محسن السيد

اسم الكتاب : “ المونودراما .. اداؤها .. نصوصها”
الكاتب: الدكتورة ليلى محمد
الناشر: دار الشؤون الثقافية العامة/ وزارة الثقافة والسياحة والآثار / العراق 2025 / سلسلة”دراسات مسرحية”.
***************
الكتاب الذي بين ايدينا (المونودراما .. اداؤها .. نصوصها) للدكتور ليلى محمد من اصدار عام 2005 ، بغداد . نهض الكتاب باهداء جاء مكثفا ونصه:
(الى كل عشاق المسرح … هذا الفن العظيم
الى الذين غادررنا … هناك
الى اهلي وعائلتي … هنا).
اما تقديمه فقد سطره الدكتور يوسف رشيد وجاء تحت العنوان (المونودراما .. الانساق المضمرة في ذات الممثل) اكد فيها على اهمية التمثيل كونه نشاط انساني في غاية الاهمية، مشيدا بجهود الباحثة وتفردها في المجال التنظيري خاصة فيما اسمته الباحثة (الصقر الادائي) بوصفه المثابة الاولى لكل فعل تمثيلي على المسرح. وفي ختامها يقول: “لذا يعد هذا الكتاب إثراءً للاحلام الادائية المسرحية واضافة علمية وجمالية لاشتغالات الممثل في (المونودراما) وميادين الحركة المسرحية الاخرى”. جاء الكتاب بفصلين (اول وثاني) توزعت على صفحاته الـ(180) صفحة من حجم الكبير. ففي الفصل منه والذي جاء بمقدمة قصيرة اكدت فيها الباحثة على ان المسرح هو فن الممثل، وهو الاساس الذي قام عليه فن التمثيل .. ان التمثيل ليس مجرد الوقوف او التحرك فوق منصة مرتفعة، ونطق كلمات الدور بصوت جهوري مرتعش، بل هو حالة وجودية متميزة تثير في ذاتها مجموعة من الازدواجيات المعقدة التي تجعل من فن الممثل اكثر موضوعات الفن المسرحي صعوبة).
وهناك من اعتبر فن التمثيل هو فن الكينونة.
وانتهت المقدمة بسيل من الاسئلة المهمة فيما يخص ممثل المونودراما من قبيل؟ ماهو الاسلوب الادائي الذي يستخدمه ذلك الممثل؟ ايعتمد التقمص ام التقديم؟ وهل بامكان الممثل ان يتقمص عدة ادوار ام لا؟ وهل يعتمد ذات الالية الادائية في عدة مسرحيات مونودرامية؟ وهل تتشابه اليات الاداء لدى الممثلين ام هي مختلفة من ممثل الى اخر؟.
وهنا نصل لموضوع (تحديد المصطلحات) وهنا نتوقف عندها على وجه الاجمال.
- الاداء: ويعرف (هو سلوك يتم بقدر معين من المهارة في مجال معين ، وهو يتطلب قدرا مناسبا من التدريب والاستعداد حتى يصل المرء مرحلة التمكن او الكفاءة).
- المونودراما :
وهي من المصطلحات التي اختلف الباحثون والمنظرون حول تعريفها، فمنهم من حدّدها بـ(المسرحية دات الشخصية الواحدة) ومنهم من راى ان المونودراما هي (دراما الممثل الواحد). ومنهم من خلط بين الرايين. اما المسرحيون والنقاد في اقطار المغرب العربي فقد اسموه بـ(المسرح الفردي). وتؤكد الباحثة ان هناك خلط بين (الممثل الواحد) و(الشخصية الواحدة) وتشير الى تمثيل عدة ادوار، وتقمص عدة ادوار، وهذا ما لايقدر عليه الممثل، فالتقمص لا يكون الا لدور واحد في المسرحية، وذلك بسبب خصوصية صوت الممثل وشكله وجسمه، لكن تمثيل ادوار اخرى في المسرحية يمكن ان يحدث بتقديم هذه الادوار وليس تقمصها. بمعنى ان المتلقي يدرك تماما في المسرحية المونودرامية. بان الممثل او المؤدي يمارس لعبة التمثيل آنيا بتقديمه للشخصيات الاخرى ومحاكاتها مظهرا وتقليدا.
اما التعريف الاجرائي للمونودراما فيما يخص الباحثة فهو المونودراما هي المسرحية المتكاملة العناصر، والتي تطرح صوتا دراميا واحدا يمثل جيلا او شريحة او زمنا او عصرا، وتعتمد في بناءها شخصية درامية مغتربة تعاني ازمة نفسية او اجتماعية او فكرية، وتنفرد تلك الشخصية بمساحة الفعل الدرامي لتبوح او تسرد تجربتها الدرامية بشكل يعكس احادية الصوت الدرامية، سواء كانت شخصية واحدة ام شخصيات متعددة) .
وفي الفصل الاول من هذا الكتاب والذي حمل العناوين الاتية: الممثل الاول/الممثل الروماني/ الممثل المونودرامي في المانيا وروسيا/(الحاكي) او(المحاكي) او(القصخون) و(الروزخون) المونودراما في الوطن العربي/ ما بين التقمص واللاتقمص/ نتائج الفصل الاول .
وهنا سنكتفي بالحديث عن بعض هذه المواضيع .
وفيما يخص(الروزخون) او(القارئ) نقرأ: (… هو مرجع ميلودرامي للممثل، يعتمد التلوين والتنويع الصوتي في الاداء اكثر من الجسد، وقد يكون السبب في الاعتماد على الصوت بسبب هول المأساة ذاتها، وجلال الرمز الحسيني في البيئة التي تمارس فيها القراءة، وعليه نسجل بان (القصخون) و(الروزخون) يشكلان مظهرين من مظاهر المونودراما التي انتقلت الى العراق -بعد ان سبقتها ايران – وانتشرت متزامنة في العديد من اقطار العالم العربي.
اما فيما يخص(الحاكي) او (المحاكي) فاكدت الباحثة ما نصه:” صورّ لنا المؤرخون العرب الحركة الادبية في تراثنا العربي والنشاطات الاخرى، والتي تمثل وتحدد العلاقات والتقاليد والفعاليات الشعبية، والتي شكلت جانبا مهما من حياة الانسان العربي، ومن هذه الاشكال (الحاكي او المحاكي)، ( الزفانون والمخنثون)، (السماجة او اصحاب السماجات)، (المستعرضون) ، فهي نوع من الانشطة الذاتية لكسب العيش، تقدم امام جمهرة من الناس سواء في مجالس الخلفاء والاشراف ام في الساحات العامة والازقة، ولكن هذا لا يعني ان التمثيل كنمط للاداء الفردي (مثل الغناء والرقص والحكي). قد غاب عن الحياة الفنية العربية … ان المحاكي كان شخصا دائم البحث والتفتيش عن اشكال جديدة بغية محاكاتها، فيكون ذلك دافعا يدعوه الى ابتكار شخصيات من خياله ملصقا بها اسماء مضحكة”.
وفيما يخص الممثل الروماني فنقرا: (.. وما يهمنا من هذه الفترة وما تلتها من تطورات، هو دراسة شكل فني اعتمد الممثل الواحد وهو ما يدعى بـ(البانتومايم) : ان البانتومايم يعتبر شكلا او محاكاة فنية متطورة ولكنه قد اسيئ فهمه لتوالده مع (المايم) الذي كان يعتبر نوعا لا اخلاقيا وبذيئا وخليعا، وقد اتخذ سلاحا سياسيا ودينيا ضد الكنيسة بعد ظهور المسيحية. ام ممثل البانتومايم عمل على ترجمة لغة الحوار (المآسي والملاهي المكتوبة) الى لغة جسد وذلك لكونه يتمتع بثقافة فكرية وقدرة ادائية جسدية مطواعة وفيما يخص موضوع (منطقة الصفر الادائي) وهو بحسب ما جاء في تقديم الكتاب للدكتور يوسف رشيد يعد تجديد القراء خطاب الاداء بوصفه تشفيرا متحركا على الدوام في عرض مسرحي سيّال ومتدفق.
اذ تؤكد الباحثة: (.. ان منطقة الصفر الادائية اسلوب تقني يعتمده الممثل من اجل التنقل السريع من حالة مشهدية الى اخرى، او من شخصية الى اخرى، وهي منطقة عقلية بحتة تلعب المهارة فيها دورا أساسيا للوصول الى حالة عاطفية (تجسيد) وكلما كانت هذه المنطقة سريعة زمنيا، فانها ستضفي ابهارا على اداء الممثل.
..ان (منطقة الصفر الادائية) ولعدم انتمائها الى حالة او شخصية ما، ولاعتمادها في احيان كثيرة على السكون، او الصمت، يمكن اعتبارها لحظات استراحة عضلية للممثل في العرض المسرحي المونودرامي، وتوفيرا لجهده وادخاره بغية الشروع بفعل درامي جديد لمواصلة العرض المسرحي).
وهنا نصل الي نتائج هذا الفصل ونوجزها بالاتي:
1- تميز الممثل المونودرامي باجادته للاداء التراجيدي والكوميدي والمزج بينهما .
2- استخدام المهارات الجسدية في محاكاة الشخصيات على اختلاف انواعها .
3- امتلاك مرونة جسدية ورشاقة وتوازنا .
4- عمل على توظيف صوته توظيفا دلاليا للتمييز بين الشخصيات مستعينا بالنبر والتنغيم .
5- اجاد استخدام اللهجات لاغراض تشخيصية .
6- استخدام الايماءة والاشارة والحركة والصمت كلغة مفاهيمية دلالية . تنوع اداءه بين الروي والسرد والتمقمص واللاتقمص .
7– تميز اداؤه بالتنقل من حالة انفعالية الى اخرى وبشكل متنوع .
8- استعاض الممثل المونودرامي على القناع، بسبب التطورات ، التقنية للمسرح ، فاعتمد التعبير بالوجه في ترجمة الانفعالات .
9- تمتع بخاصية الارتجال ، على وفق ما تتطلبه ظروف العرض او المكان .
10- عدّ الممثل المونودرامي لاعبا آنيا يؤمن بنظرية اللعب وما تحويه من تصورات خيالية حسية وصولا الى البراعة .
11- يُبنى اداء الممثل في المونودراما على الاسلوبين التقمصي والتقديمي .
12- تختلف آلية اداء الممثل المونودرامي ، من ممثل الى اخر ، وحسب متطلبات المسرحية .
13- توصلنا الى ان هناك اداء برامجيا خاصا اطلقنا عليه (منطقة الصفر الادائية).
14- يعتبر المحاكي والقصخون والروزخون من الاشكال العربية المونودرامية الشعبية، وهم يشكلون اللبنة الاولى او المشروع الاول للممثل المونودرامي العراقي .
15- طور من قدراته الجسدية من خلال تدريبه على بعض المهارات المطورة للجسد .
وهنا يستقر بنا المقام في الفصل الثاني والاخير من هذا الكتاب وفيه تتناول الباحثة تحليل عدة مسرحيات مونودرامية على ضوء ما توصل اليه الفصل السابق من نتائج بغية الكشف عن مطابقتها او مخالفتها لتلك النتائج، وهي المسرحيات الاتية:
مسرحية (ام الخوش، بغداد، 1996)، (مسرحية ليلة دفن الممثلة جيم تاليف: جمال ابو حمدان، اخراج: جلال جميل، من تقديم قسة المسرح في كلية الفنون الجميلة …). مسرحية البريد الجوي، تاليف: معاذ يوسف، اخراج: عادل طاهر، انتاج دائرة السينما والمسرح 2002 .
وعلى ضوء ماجاء من تحليل للاداء في العرض المونودرامي (ليلة دفن الممثلة جيم، نتوصل الى ما يلي :
- اعتمدت (المؤدية) الالية الانتقالية المتكررة مابين التقمص والتقديم مما ساهم في زيادة صعوبة الاداء .
- لم يخرج (المخرج والمؤدية) الى استخدام السمات المميزة للشخصيات المقدمة .
- رغم امتلاك المؤدية جسدت رشيقا، لكنه لم يوظف لانتاج حركات درامية تستطيع من خلالها تقديم الشخصيات وتمييزها عن بعضها البعض .
- لم توفق(المؤدية) في استثمار طاقتها الصوتية من اجل تقديم الشخصيات .
- ساهمت الكتلة الديكورية في إرباك (المؤدية) وتشتيت قدراتها .
- امتلاك(المؤدية)قوة بدنية سهلت لها التعامل مع الكتلة الديكورية الثقيلة .
- ساهم الاخراج في هدر طاقة المؤدية الي هي احوج ما تكون اليها في العرض المونودرامي .
اما بخصوص تحليل مسرحية (بريد جوي) فتوصل البحث الى ما يلي:
- استخدام الممثل الاداء التقمصي لشخصية الاب والاداء التقديمي للشخصيات الاخرى .
- استخدام الممثل ثنائية الاداء (التقمصي والتقديمي) كآلية في اداء شخصية (لجنة العقوبات، المهرب).
- عمد الممثل توظيف ردود الافعال في تجسيد الحضور الحسي لشخصيات مثل: (الجد، بائع الصحف).
- اعتمد الممثل الحس الداخلي، منطلقا لتقديمه الشخصيات الاخرى ماعدا شخصية (الاب) بينما تنازل عن الحركة والايماءة للتمييز بين شخصية واخرى.
- استخدام الممثل الصمت والسكون الحركي كنقطة انطلاق من شخصية الى اخرى .
- ساهم تقسيم المناطق الادائية في تسهيل مهمة الممثل وتعريف الشخصيات للمتلقي تعريفا بصريا مثل الابن، الحبيبة).
- اسهم العرض في خلق مساحة واسعة للمتلقي. والعمل على مخيلته الآنية .
وهنا نصل الى اخر مواضيع الكتاب وهو الخاتمة، والتي امتدت الى ما يقرب من (6)صفحات. ومن الاستنتاجات نذكر:
- ان خصوصية العروض المونودرامية تتطلب معرفة واستخداما من قبل (الممثل والمخرج) للاسلوبين الادائيين (التقمصب والتقديمي) والعمل على المزاوجة بينهما .
- تختلف الية الاداء من ممثل الى اخر، وحسب ما يتطلبه النص المونودرامي وبما ينسجم مع فهم الممثل للنص ومعرفته لقدراته الادائية.
- ان خصوصية الاداء الصوتي في المونودراما تتطلب من الممثل توسيع المساحة الصوتية من خلال العمل على تدريبات موسيقية خاصة تمكنه من توسيع طبقاته الصوتية.
- ضرورة العمل على التغيير والتنويع الادائي من مشهد لاخر ومن حالة الى غيرها ومن شخصية لاخرى بغية عدم الوقوع في التكرار او الملل الادائي.
- السعي الى استثمار الطاقة الحركية للممثل وتوظيفها في المسرحية المونودرامية بما يتلاءم مع كل شخصية من الشخصيات، بحيث تصبح صفات مميزة وهوية تعريفية للشخصيات بين الممثل والمتلقي.
- في المسرحية المونودرامية ليس باستطاعة الممثل ان يتقمص الا شخصية واحدة، لذا يكون لزاما عليه ان يعمل على تقديم الشخصيات الاخرى التي تنطوي عليها المسرحية .
العمل على توظيف (النبر والتنغيم) لاضافة سمات متغيرة وصياغة اشكال جديدة في المحاكاة التقديمية من قبل الممثل للشخوص في المسرحية المونودرامية.
ضرورة الاستعانة بالمهارات الفنية الاخرى للممثل، مثل الغناء والرقص الدراميين او أية مهارات اخرى يمتلكها للتوصل الى اشكال جديدة ومتغيرة وتأويلية لشخصيات المسرحية المونودرامية المتعددة .
يتطلب العرض المونودرامي توفير الطاقة الممثل من خلال توظيف لحظات درامية أو تقنية تعمل على اراحته من الجهد المتواصل المبذول في العرض .
السعي للعمل على تمرينات ارتجالية اتفاقية ما بين العاملين في العرض، تهدف الى تغلب الممثل على الحالات الطارئة التي قد تحدث في العرض. يسعى العرض المونودرامي الى تطوير القدرات التخيلية للمتلقي ويترك له مساحة واسعة للمشاركة الحسية، بحيث يصبح لاعبا حسيا ومشاركا في العرض. يمثل المتلقي الشريك الاخر في العرض المونودرامي، وعلى الممثل إدراك اهمية هذه الشراكة، والسعي للافادة منها وتوظيفها بما يتلائم مع اهداف العرض.
ضرورة ان تكون العناصر المسرحية الاخرى مكملة لاداء الممثل، سهلة الحركة والتشكيل الآني لتصنع التغيير والتفسير المناسب للشخصيات من خلال رسمها لصور حسية وجمالية متغيرة طوال العرض، بمعنى ان تتمتتع العناصر المكملة للمسرحية بخاصية المرونة والتحول وعدم الثبات او الاستقرار .
هذا وضم الملحق نصوصا مسرحيات مونودرامية ثلاث للباحثة هي: نورية، لعبة البوح والجنون، حرير .




