مقالات

نحو رؤية احتفالية لمسرحنا المدرسي المغربي/ رشيد بلفقيه

في البدء كان-يكون السؤال …

وفي مستهل الكتابات الاحتفالية ينتصب عادة السؤال التساؤل صريحا أو مضمرا، بوصفه قلقا مزمنا، يرفض الركون إلى بحبوحة اليقينيات الخادعة، وبوصفه بحثا حثيثا عن الاكتمال، عن الامتلاء، وبوصفه أيضا خروجا خطرا من مناطق الشك إلى شك أعمق، سعيا خلف قبس نور شارد ومتفلت.

في مقدمة “حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي” انتصب السؤال بوصفه عتبة نحو مضامين الكتاب، مستفسرا عن إمكانية تأطير الاحتفالية بكتاب، هذا السؤال الذي يغري بتسطير أسئلة مشابهة له، تستعير بنيته، وتغير بعض مكوناته مستلهمة مكنونه، لتسير في أثره، فتتساءل: الاحتفالية في المدرسة المغربية؟ أهذا ممكن أم محال؟ حقيقة أم خيال؟

وإذا كان من البحث النظري إلى الكتابة الأدبية والإبداعية تمتد مسافة أو مسافات حسب عبد الكريم برشيد، أفمن الممكن أن تمتد هذه المسافة وتطول قليلا لتبلغ مدرستنا المغربية؟ فتقتحم أسوارها المسورة وتنشر فلسفة التعييد في مدرسة ما تزال تبحث عن نفسها منذ الاستقلال، مع العلم أن اقتراحا مثل هذا يعد مجازفة “خطيرة” بمقاييس الاحتفالية التي تصر على أنها “ليست فرقة، وليست شركة، وليست مرفقا إداريا (…) ولا إطارا بيروقراطيا، وألا تكون تابعة للإدارة وللسلطة الحكومية” (1) وأنها بعد ذلك كله لا بد أن تكون “مؤسسة حرة،” يكون المبدع فيها سيد نفسه، ومالكا لفنه.

يرتبط الحديث عن الاحتفالية في المدرسة المغربية، إن صح هذا الحديث، بالمسرح المدرسي الذي يرتبط بالحديث عن التربية الجمالية في المدرسة الراهنة، هذه التربية التي لم تعد محطة ثانوية، او فسحة موازية، يُرجع إليه بعد تتمكين المتعلمين من المرامي والغايات من خلال الاشتغال على الكفايات والأهداف العامة والأهداف الإجرائية النوعية منها والعامة، ثم تقويمها فتدعيمها وتثبيتها، بل غدا مطلبا تلح مناقشته على الفاعلين في الشأن التربوي ممارسة وتنظيرا، لإن قَصْرَ التعامل مع المدرسة في وظيفتها التلقينية التدريسية، وفق الممارسة التقليدية- يسقط وصفها المرآة التي تعكس الحياة النقية في المجتمع، وتؤثر فيه عن طريق تزويده بالأفراد الذين تشكلهم وتدربهم للعمل فيه” (2)، ويتناسى أنها الجبهة الأخيرة، في وجه “نظام تفاهة” يؤسس السطحية ويفرضها، والجدار الأخير الذي يحمي لتكريس الذوق السليم والحس المرهف والشخصية النافعة المنتجة.

هذه الوظائف تشكل، بدون شك، الجناح الثاني الذي يضمن التحليق المتوازن للعملية التعليمية التعلُّمية إذا افترضنا أن الجناح الأول تمثله المواد التعليمية. وعليه لن يستطيع المتعلم(ة)، إنسان الغد، أن يكتسب الثقة، وأن يشعر باستقلاليته، مالم يحقق التوازن بجناحيه(3).

تجسيدا لهذا الانشغال، وحرصا على تربية جمالية وظيفية، وسيرا في ركب الاحتفالية بوصفها النهر الذي يتغير ماؤه ولا يتغير مجراه، نتساءل ما هي آفاق الاستفادة من مبادئ الرؤية الاحتفالية وبياناتها ومواقفها في مسرحنا المدرسي المغربي؟

نشير قبل هذا إلى إن المُطلع على برنامج تدريس المسرح بالمدرسة المغربية، سيلاحظ أن التركيز كبير على النمط المسرحي الغربي، المتمثل في نموذج العلبة الإيطالية، والتصور البافيسي للعرض المسرحي، وليس هذا سوى انعكاسا لفكر سائد، فـ“نحن-عربيا- قد تبنينا صيغة في المسرح وهي الصيغة الغربية. ولم نتبن المسرح-في حقيقته وجوهره وصفائه وعذريته- هذه الوضعية كان لزاما أن تصحح” (4)، هذه الدعوة التي دعا إليها انطونين آرتو أيضا عندما أوصى بضرورة عودة المسرح إلى أصوله وينابيعه بعدما فقد كُنهه وجوهره، وصار مجرد فرجات مجانية محاصرة داخل علب تحد من إبداعية المخرج، وتغيب المشاركة الجماعية التطوعية المباشرة لأوسع الشرائح والفئات الاجتماعية (5).

إن الوعي بخصوصية الثقافة المغربية والعربية عموما، حسب -التفكير الاحتفالي- وعي بضرورة تقبل أن مسرحنا مختلف، تلبية للنداءات المتكررة التي ترى أنه “لايمكن أن يتأسس خارج معطياتنا نحن-الآن-هنا” (6)، وأنه إذا “كان خليقا بالعرب المعاصرين ألا يتبنوا من الفن المسرحي إلا النوع وحسب، لأنهم بتقليدهم التقنيات الغربية، ومجاراتهم الأشكال الفرنسية مثلا، قد جعلوا من الفن المسرحي فنا مقصورا على الحضارة الأوربية” (7). وأن : “الشكل المسرحي الذي ورثناه عن الغرب ليس هو الشكل الوحيد، وأن هناك أشكالا أخرى، ليست أفضل أو أسوأ لكنها مختلفة” (8).

وأن تصورنا للمسرح كما هو الآن تصور صحيح ولاشك، إلا أنه “ليس المسرح كله فللمسرح أشكال كثيرة متعددة ليس هذا النوع سوى أحدها فقط، مجرد شكل واحد تطور على يد الإغريق” (9)، وبما أن الاحتفالية ورش مفتوح للخلق المستمر وللتأسيس المتجدد واختيار فكري و“فعل حي فعل يتواصل بالانقطاع”(10)، فهي التصور الأقرب إلى فلسفة صياغة البرامج المدرسية المؤسسة على التجديد المستمر، فهي نقاش مستمر، وحوار مستمر: حوار الحضارات، وحوار اللغات، وحوار الأجناس الأدبية والفنية، وحوار الأفكار، وحوار الأمكنة والأزمنة“.

تركز الاحتفالية على حتمية ملاءمة الممارسة المسرحية لوسطها وتناغمها مع محيطها الثقافي وانصهارها في مجالها الاجتماعي، دون اجتثاث لتلك الممارسة من جذورها وأصولها والقذف بها في متاهات الهويات المتلاطمة، ويبدو واضحا أن الرهان لن يكون إلا على اعتماد برنامج دراسي للمسرح يعزز الهوية المغربية، ويؤسس للأشكال المسرحية المغربية قبل الانفتاح على بقية الأشكال الكونية.

لابد لمسرحنا المدرسي المغربي، بوصفه مادة تدرس بشكل معزول، من العودة إلى الذاكرة الشعبية واستلهام التراث الشعبي المغربي والعربي عموما ممثلا في الحلقة، والحكواتي، والفرجات الشعبية، والطقوس الاحتفالية عموما. ولابد من جعل درس المسرح المدرسي درسا إدماجيا يتجاوز تفتيت العرض وتحليله تحليلا دراماتورجيا بافيسيا تقنيا، بقصد فهم مكوناته وإعادة الإنتاج على ضوئه، ليصير هذا الدرس زمنا تعلميا يقوم على طقس جماعي احتفالي شمولي يعيد لجماعة الفصل حيويتها ويشرك المتعلمين جميعهم بمختلف مستوياتهم في إعداده وتقديمه، لأن “لهذا المسرح الاحتفالي إخراجه المختلف والمغاير، الذي يقوم على أساس من الشمولية والتكامل، وعلى أساس الحوار الداخلي بين الأجناس الأدبية والفنية، وبين الحقول المعرفية المتعايشة، وبين كل الصناعات المختلفة والمتنوعة، وكل ذلك، من أجل إحياء لحظة مسرحية شاملة وغنية؛ لحظة عيدية تمتاز بغناها الجواني والبراني معا، ابتداء من غنى متخيلها، ومن غناها الفكري، وانتهاء إلى غنى أصواتها، وغنى أضوائها، وغنى أشكالها، وغنى ألوانها، وغنى ظلالها، وغنى حركاتها، وغنى أزيائها، وغنى كلماتها وعباراتها، وغنى التعبيرات الجسدية والروحية فيها” كما يرى عبد الكريم برشيد. كما يجب التصالح مع اللغة المزدوجة دون التخلي عن اللغة المعيارية، وذلك بتوظيف اللغة العربية الفصحى، وإعطائها الأولوية، مع الانفتاح على اللهجات المحلية حسب الحاجة الدرامية.

وبالانتقال إلى مستوى المسرح المدرسي الممارس على مستوى المسابقات، يجب القطع مع الديكورات المكتنزة، والمبالغ فيها، والابتعاد ما أمكن عن الاستعانة بالتقنية والمابينغ، والتركيز على الممثل، من خلال العناية بجودة إلقائه، وتعبيراته الجسدية والصوتية، بوصفه “هو جسد النص”.

تتسق اختيارات الاحتفالية عموما، مع روح التعليم التفاعلي وتقنيات تدبير الأنشطة الجماعية، فهي تلغي الحدود بين الممثل والجمهور، مما يجعل جماعة الفصل كلها جزءا من العرض المسرحي، كما أن ثراء العروض المقترحة في الاتجاه الاحتفالي وتضمنها لعناصر الرقص، والغناء، والتنكيت، والحكي، والتفاعل مع الجمهور، من خلال كتابة ارتجالية لكن موجهة، يسمح بتفجير مهارات المتعلمين والمدرسين على حد سواء، ويبرز قدراتهم، ويعزز الهوية الأصيلة أو “تمغرابيت” من خلال توظيف التراث المحلي، والأساطير المحلية، والأغاني، والأمثال … إلخ.

ولأنها لا تقتصر على المسرح الأوربي، المقتصر على العلبة الإيطالية، فالعروض يمكن أن تقدم في القسم، أو في الساحة، على حد السواء، كما هو الحال في “الفرجة الشعبية” مما يقلل تكلفة الإعداد للعرض، ويزيد من تفاعل المتعلمين معه.

ختاما …

المسرح هو الحياة، والحياة هي المسرح …

وإذا كان أوجب واجبات المخرج المسرحي اليوم-حسب عبد الكريم برشيد-، أمام الجمهور المسرحي، هو أن يخرج المسرح من المسرح، فالمسرح أساسا حياة وحيوية، قبل أن يكون مجرد بناية بمواصفات عمرانية خاصة، فإن أوجب واجبات الديداكتيكي الذي يخطط المناهج والبرامج أن يخرج المسرح من تصور الممارسة المؤطرة بالأدبيات الغربية الكلاسيكية فقط، وأن يجعله مادة ووسيلة ديداكتيكية، وأن يتخذ منه وسيلة في ترسيخ الهوية المغربية وتداولها بين الأجيال الصاعدة.

هوامش المقال

1/ عبد الكريم برشيد، فلسفة التعييد الاحتفالي، في اليومي وما وراء اليومي، دار توبقال للنشر، ط1، سنة 2012، ص 77.

2/ منير المرسي سرحان، في اجتماعيات التربية، دار النهضة، بيروت 1981، ص 209.

3/ هشام زين الدين، التربية المسرحية-الدراما وسيلة لبناء الإنسان، دار الفارابي، بيروت 2008، ص 48.

4/ عبد الكريم برشيد، حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي، دار الثقافة، ط1، سنة 1985، ص 8.

5/ كما أورد سعيد كريمي في مقالة له بعنوان،” المسرح الاحتفالي، وأسس استلهامه لمسرح القسوة”، منصة المجلات العلمية الجزائرية، المجلد 2، العدد 1، الصفحات من 21 الى 32، تاريخ الاطلاع 19/05/2025.

6/ نفسه، ص 8.

7/ نفسه، ص 21.

8/ نفسه، ص 22.

9/ يوسف إدريس، نحو مسرح عربي، بيروت، ط1، سنة 1974، ص 467.

10/ عبد الكريم برشيد، حدود الكائن والممكن …نفسه، ص 5.

Related Articles

Back to top button