قراءة في نص رواية “واحة الغروب لبهاء طاهر” / إعداد: د. نورة العتال

في الذكري السنوية الاولي لوفاة الروائي (بهاء طاهر)
” ليتني أعرف ما أريد .. ليتني أعرف من أكون …
… ذلك السؤال الأزلى الذى يردده الإنسان حين ينتابه اليأس، وأشباح الماضي، وخيبات الأمل.. محمود عبد الظاهر طائر هائم لا يعرف لا التحليق ولا التغريد ولا حتى الطيران تائه في مجموعة تجارب تخللها الخذلان والهزيمة وضياع القرار الضابط المغضوب عليه بسبب إشتراكه فى الثورة، ذنبه أنه كان وطنيا ” في ثوان معدودة سقطت صورة ماض كاذب ، ورسمته لنفسى وسقطت معها كل أفكاري المنافقة عن الحياة والموت”، وبعدها لم تسعفه حتى الخمرة والنساء على النسيان ولأنه كان يتمنى أن يموت كأبطال الأساطير، والثوار بطلا كصديقه طلعت لكن سوء حظه لم يحقق له ذلك، عقبها سلسلة من الهزائم سادت ماضيه، وحاضره، وأعاقت أستمرار حياته، فوضع حداً لها لتضيف لرصيد هزائمة هزيمة أخرى أكثر مأساوية وبؤساً.
العلاقة يعود الينا الروائي بهاء طاهر في روايته الأخيرة “واحة الغروب” في استعراض حول بين الشرق والغرب، تلك العلاقة التي ناقشها أيضا فى رواياته السابقة، وتضمنت العلاقة بينه وبين زوجته الأيرلندية كاثرين، وبين بدو واحة سيوه الغربيين والشرقيين الذي يربطهما علاقة عداء قديمة، وشائكة زادت الأمور تعقيدا في الواحة، كما زادتها بينه وبين كاثرين المهتمة بالتاريخ والآثار.
قدمت دار الشروق للطباعة رواية “واحة الغروب” لبهاء طاهر التي نالت جائزة البوكر لعام 2008 ، الرواية تقع فى 341 صفحة في قسمين كبيرين من القطع المتوسط، ونشرت لأول مرة فى العام 2007 وأعيد طباعتها خلال سنتين أربع مرات متتالية.

في رحلته الطويلة، والقسرية عبر صحراء قاحلة قطع فيها أميالاً في مهمة عسكرية بغرض جمع الضرائب للحكومة من بدو سيوه اللذين لايعترفون بالإنتماء ولا الولاء للعاصمة والخديوى آنذاك، أنهم يعيشون فى مجتمع منغلق لا يقبل الغرباء، يبحث المأمور محمود عبد الظاهر عن وسيلة للتفاوض أو طريقا للتفاهم دون جدوى تغلف علاقاهم الريبة والشك، وعدم الثقة مما جعل محمود ينغمس أكثر في الصمت والعزلة مع الذات، والعمل في جو من الترقب والخطر بانتظار شيء يمكن أن يريحه من ذكرياته لكن الأجواء رتيبة كايامه الماضية مثلما هى فى هذا المكان النائي أنه شيء شبيه بالموت، ردد فى لحظة صدق مع النفس ” أى ترتيب مريح للحياة أن تعيش اليوم دون أزعاج الأمس والغد معاً، لكن في هذه الصحراء لاشيء في ذهني غير الأمس الذي لا أحبه ”
إذن لا أمسه يُجب، ولا يومه أنه يتوه بين صفة الأيام وكنهها، وما يخبأه الأمس من ذكريات أليمة، ومايخفى الغد من غموض ” أين هى براءة العمر الأول عندما كانت الأشياء سهلة وبسيطة وطمأنينة النفس تأتى دون تعب ولا تعقيد ؟”
و تتقافز ذكرياته العميقة نحو عساكر الأنجليز التى كانت تدك الطابية، و شواطئ الإسكندرية والخيانة للثورة العرابية والهزيمة .. أنها بداية الحزن الذي غلف روحه وقذفه الى التقوقع نحو الذات سألت نفسى طوال الوقت لماذا يدفع الصغار دائما الثمن؟ يموتون في الحرب ويسجنون فى الهزيمة بينما يظل الكبار أحراراً وكباراً ؟ وسألت نفسي أيضا، ولماذا يخون الصغار أيضا ” جُرعة الخيانة في هوجة عرابي كانت مضاعفة وموجعة ضيعت البلاد والعباد وسلمت الأرض من مستعمر الى آخر.
هل يمكن أن يُسجن المرء فى سجن دون قضبان شاسع وكبيريظل المرء فيه سجين رغبة، أو ماضى كبطل الرواية محمود، أوسجين عقوبة، أو منفى كالشيخ يحيى حين يعتزل القرية لحزنه على أبنة أخته التى يحب، أو سجينة فكرة مجنونة ككاثرين ورغبتها الملحة في أيجاد قبر الإسكندر الأكبر مجهول المدفن أو سجناء خرافة كسكان الواحة حينما تسكن عقولهم خرافة الأرملة الغولة التى تشيع النحس في القرية .
أن شخصيات بهاء طاهر فى هذا النص تكاد تكون متماثلة من حيث القوة في تسلط الفكرة الغالبة على الشعور، ومن حيث الأعماق والرغبات وفى اتساقها بحيث تجدها جميعها متينة البناء وواضحة المعالم وجلية حتى فى غموضها أعتمد الروائي في سرد أحداث الرواية على شخوصها حيث لم يلتزم بوحدة الراوى و جعل لكل منها الحرية في سرد الأحداث من وجهة نظرها الشخصية في التعبير عن نفسها، فأجادت كل شخصية في التعبير عن نفسها، وعن الشخصيات الأخرى كما وأن بهاء طاهر هو كأحدنا وليس الكاتب بذاته ودون الإخلال في النسق العام، وكأنما هو أقصوصات أو وحدات كاملة داخل النص لقد بدا المؤلف حياديا أو ناقلا للأحداث التاريخية دونما تدخل منه والدليل على هذا أنه جعل الأسكندر الأكبر المقدوني يروى أحداثا عن حياته وملابسات موته أنه أراد الشصخياته أن تجد كل منها حقيقتها في هذا الجزء المنعزل من العالم وتجد حقيقة الآخر ، ومكنوناته وعلاقة بالموت والحياة.
الشخصية الرئيسة فى العمل هي المأمور محمد عبد الظاهر الذي بعث الى واحة سيوة لتحصيل الضرائب من أهلها فى ظاهر الأمر لكن الأمر فى حقيقته كان قد أرسل في عقوبة تأديبة إلى هذه الصحراء البعيدة لأشتراكه فى الثورة العرابية.
الله وعصيانه كان قد تربى فى أسرة ميسورة غارقاً في اللهو والسهر والنساء وحضور لأناشيد الطريقة الصوفية، لطلالما عاش الأزدواجية الطهر والفسق، والحب والخيانة، ومعرفة أنه . مزيج من المتناقضات ففيه كل ملامح التقلبات الأنسانية لعل الكاتب كا يريد أن يعرى الإنسان، ويريه بواطن نفسه: ” أتباهى أمام نفسى بماض بطولى وأتعمد نسيان لحظة الخزى أعتبر نفسى فى الشرطة مظلوماً وشهيداً ولعلى أسوأ الجميع الضابط المتمرد، المغضوب عليه بسبب ماضيه الوطنى أيام الثورة أعجبني الدور فصدقت نفسي” (ص 147)
أن محمود قادر على مواجهة نفسه رغم شعوره الطاغي بالانهزام، والتخاذل لقد تدرجت شخصيته فى مراحل متعددة تنقلت مابين حياة اللهو و عشقه لجاريته نعمة السمراء وحكايتها التي احبها، والتجربة النضالية التى أنتهت باستشهاد صديقة الحميم وأحساسه بضآلة ما قدمه للوطن وتأنيب الضمير ، الذي يرافق المهزوم بعد كل معركة أن. هذا الجزء مرتبط تاريخيا بهزائم الأنسان العربي خلال تارخ طويل من الهزائم، وما بين تجربته الفاشلة فى فرض سيطرته على البدو أو حتى إيجاد فرصة للتقارب معهم، الأمر الذى أفشل كل محالاوته فى جمع الضرائب فقد كان لا يحبذ العنف ويكره الدم مع عدو يحب العنف ويمارسه وفقا لما أورثته طبيعته الصحراوية من قسوة وأن الكفر بقضية بطبيعة الحال ما لا يؤمن لها النجاح، أنه يمثل معاناة الإنسان المصرى المستعمر آنذاك وتعسف الحاكم والظروف المعيشية البائسة المؤدية لتبنى سياسة الرفض، فسكان الواحة من الزجالة يعيشون ذلك البؤس الذى يعيشه االمصرى الآن والمبالغة فى الضرائب أنها رسالة صريحة من الكاتب تأرخ للماضى مثلما تفعل للحاضر ” منذ اللحظة الأولى لدخولى الواحة أذهلنى جسامة الضرائب التي تطلبيني الحكومة بجمعها منهم “.
أنه شخص حالم جدا يعيش في عالم منفصل عن الواقع مثلما يعيش الحاكم في واقع منفصل عن شعبه ها هو يصنع لنفسه أحلام يقظة ومنام مع نعمة السمراء وحكاياتها المشوقة وملمس جلدها الأسمر الشهى ومن ثمة يصنع أحلاماً أخرى مع فيونا شقيقة زوجته الذي قلبت حياته رأساً على عقب وخلفت له مزيدا من الألم. أما زوجته كاثرين الأيرلندية الأصل المتخصصة في تاريخ الحضارات القديمة والآثار ، تصاحبه في هذه الرحالة لإيجاد حالة من التشويق تضفى على علاقتهما مزيدا من الحب، ورغبتها العارمة فى كشف أسرار الرسومات على جدران المعبد وحالة النفور والاستعلاء التي يكنها البدو لهذه الآثار زاد الأمر سوءا وعقد العلاقة بينهم وأثر سلباً في علاقتها مع زوجها ووسع الفجوة بينهما، لم يصل الحب الى ما يصبو اليه قلبها فهناك يمكن ان يقال أن فجوة ثقافية تحول دون راحتهما وتجعل من العلاقة جفوة. ” في كل لحظة تحمل لى هذه الصحراء جديداً ، ولكن ” محمود ” هو الذي يفاجئني يقول أن الصحراء تنتشر داخل نفسه، ليت هذا كان صحيحاً ما أغناها هذه الصحراء لكني لم ألاحظ أيضا قبل ذلك أن الطبيعة خارج الصحراء تستهويه، لم يتوقف أبدا أمل أشجار أو زهور، لم يقل مرة أن البحر يفتنه أو النهر، وعند زيارة الآثار يستبد به الملل بعد خمس دقائق، لا يتأمل عمارة بناء ولا لوحة على جدار جنونها وحركتها الدائمة وطموحها الكبير وقلبها وجسدها الذى لا يشبع من الحب في مقابل صمته وعزلته وانهزامه جعلهما متناقضين كل التناقض رغم حالات العشق المفاجئة التى تنتاب علاقتهما بين حين وآخر .
الشيخ يحيى ذلك العجوز الصلب العارف بحقيقة الأمور وحقيقة نفوس من حوله المحايد والحكيم، عجوز فى الثمانين من عمره نجده مختلفا عن باقي أعضاء مجلس الأجواد الذي يحكم القرية أنه ينبذ العنف والدم الذى طالما كبد أفراد قبيلته الكثير من الحزن. لذا فإنه يشبه محمود فى أمرين، الأول حبه للحرية ونبذ العنف فقد ترك القرية سنوات طوال كما يعارض الشقاق والحرب الأهلية، والثانى التأمل في الذات والحي التي تفضى للعزلة والتي حافظت في نهاية الأمر على احترامه لنفسه وبقيت على احترام الآخرين له .
ثم الشيخ صابر ذلك الوجيه الغامض والغير مريح والمتملق لمن حوله يؤمن بالنبوءات، والذي يدير كل الأمور لمصلحته الشخصية ولصالح قبيلته. إنه يشكل خط بداية النهاية للمأمور محمود حينما تحالف مع الضابط وصفى ضده وزاد من إحساس الهزيمة لدى محمود أنه يمثل الشر والطابور الخامس الذي يشيع الفوضى.
أما فيونا شقيقة كاثرين المصابة بداء عضال، استطاعت أن تجد طريقا لقلوب أهل القرية بسلاسة روحها وطبيعتها العذبة وتلقائيتها الجميلة. لقد استطاعت أن تستجلب عطف الشيخ يحيى والعجوز زبيدة اللذان قاما بمحاولة مداواتها من المرض، ثم أنها قلبت احوال محمود وأحيت به المشاعر الميته لقد ذكرته بمحبوبته نعمة. فيمكن للمرأة من وجهة نظر الكاتب أن تحييى قلب الرجل حينما تناجى أعماقه الطفولية، كما فعلت شهرزاد فى حكايتها التى روتها الشهريار أشباعاً شهوة الاستماع للحكايات والعوالم الخيالية.
ثم أن نقطة أخرى تحسب للكاتب وهى كشف بعضا من حياة البدو في الصحراء والتي باتت مهملة في التناول عبر تاريخ الرواية المصرية بعكس حياة الحارة والقرية من قبل الكتاب، ولأن التفاصيل الخاصة حياة النساء البدويات وعاداتهن فى واحة سيوه محظورة على الغرباء. فقد استطاع الكاتب أن يظهر لنا بعض تفاصيلها كملابسهن وطريقة تصفيف شعرهن، وبعض العادات الخفية إلا على سكان الصحراء، وبعض جنونهن.
مليكة تلك الفتاة الحرة التى تنشد الأمان والكرامة كأنثى وهى تمثل الجيل الواعي من هؤلاء النسوة الخاضعات لقوانين القبيلة الصارم وجنونها الذى يمثل تمرد الإنسان على القيود والقهر والظلم.
أن شخصياته قريبة لطبيعة الإنسان المعذب فى كل العصور، لقد صاغها الكاتب بكل حرفية الإنسان العارف بخفايا النفس الإنسانية ولربما لاتساع رقعة ثقافته، فأننا نلمس اقترابه من صياغة البطل الأسطورى فى الميثولجيا اليونانية .




