قراءة في نص “العزف علي النوي” للكاتب العراقي”منیر راضي ” / بقلم : حسام الدین مسعد

عزیزي القارئ: لكل نص مبتدأ، ومنتھي، ولیس مفاد ذلك أن ما یستشعر به قارئ ما من أثر قراءتھا لأحد النصوص، ھو ما یغنمه قارئ ثان من النص نفسه، إنما قوانین التذوق الجمالي غیر موحدة من ثقافة الي أخري، لأنھا خاضعة لضوابط تاریخیة بما یجعل الذائقة العامة متطورة علي الدوام من حقبة زمنیة الي أخري.- إن القراءة في أبسط مفاھیمھا تعني المعالجة “معالجة النص،” اي أننا بصدد عملیة اقتحام لعوالم النص، بغیة انتاج المعني، لذا اعتقد أن الخطوة الھامة لقراءة النص المسرحي تتمثل في نوع القراءة التي ینتقیھا القارئ بنفسھ، فھل ھي، قراءة المتعة؟ ام أنھا قراءة اللذة ؟ فالقارئ ھو من یحدد مبتغاه من القراءة، فالقراءة التي یطلب صاحبھا مخالفة النظم الجمالیة السائدة، والمحمول الإیدیولوجي الذي تنطوي علیه، مقتصرا ھمتھا علي استقراء سطحي ظاھري للنص، ھي “قراءة المتعة.” -أما القراءة التي تخالف القناعات الجمالیة، والإیدلوجیة مزعزعة لھا، من خلال الإنعتاق والتمییز، والتجاوز وبناء الكیان علي النحو المشتھي، الذي یھدف إلي استقراء عمیق للبنیة الدلالیة، ھي “قراءة اللذة.- لذا سأنطلق في قرائتي لنص الكاتب العراقي “منیر راضي ” الي السعي لإستقراء عمیق للبنیة الدلالیة، التي تعینني لبناء المعني علي النحو المشتھي، من خلال التحلیل،والتفكیك،والتجاوز والإنعتاق كي أشعر باللذة في عملیة القراءة .
– دراسة العنوان
العنوان یشتق من مفردتین،الأولي
العزف : كلمة أصلھا الاسم ( َعزف) في صورة مفرد مذكر وجذرھا (عزف) وجذعھا (عزف) وتحلیلھا (ال + عزف) وتعني، صوت )- والثانیة النوى وتعني معجمیاً، البعد، او الناحیة یذھب إلیھا.- البعد ھو اتساع المدي، ویقولون في الدعاء علیه، “بعدا له” وتعني ھلاكه، وقالو أنه” لذو بعد “اي ذو رأي عمیق ،وحزم -والقارئ من خلال عنوان النص یسعي الي بناء أفق توقعه بالمتن، إذ أن منیر راضي” ارفق بنصه المنشور بموقع الفرجة المسرحیة، عبارة بین قوسین سبقت مشھده الإستھلالي ،) الموسیقي لغة الشعوب ،وھذة العبارة تشیر الي ان الموسیقي ھي اللغة الوحیدة، والمشتركة بین الشعوب، وھذا التخصیص ینفي اللغة الأولي التي فطر علیھا الإنسان في التواصل مع اقرانه، وھي لغة الإشارة، لكن ما یعنیه الكاتب ھو، أن الموسیقي ھي لغة المشاعر، والأحاسیس المشتركة بین شعوب العالم، فالعزف علي النوي، او صوت البعد ھو، المعاناة المعزوفة، او الفرضیة التي ینطلق منھا الكاتب في نصه لیقدم رؤیة مغایرة للعالم من خلال استقراء شخصیات النص، اي انك عزیزي القارئ لا یمكنك أن تبني أفق توقعك عن الحكایة التي اختار لھا “منیر عنواناً مجازیاً من خلال قرائتك لعنوان نصه فقط، بل تحتاج إلي قراءة متن الحكایة، والغوص في تأویلھا وفق استراتیجیة استشعارك باللحظات الجمالیة التي تستجلي فیھا المعني إنطلاقاً من المبني، وتعید بناء أفق الإستشراف لدیك بوضع النص جواباً علي سؤالك في زمن انشاؤه، ولن یتثني لك ذلك إلا ، إذ وضعت في الاعتبار صیاغة المقروء ،ونوعیة المكتوب، وما ھي الوظیفة التي ھو مرصود لتأدیتھا؟،وھل كتب بالكیفیة التي تلائمھا؟، وما ھي الكیفیة التي تلائم كل وظیفة من وظائف المكتوب؟. ولأنك عزیزي القارئ، بصدد قراءة نص مسرحي قصیر له سماته الخاصة، إذ یكتب في صفحات قلیلة، ویستغرق عرضه علي المسرح وقتا یتراوح بین عشر دقائق، وخمسة، واربعین دقیقة، وغالبا ما یكون من فصل واحد فقط. تمییزا له عن النص المسرحي الذي یتألف من فصلین أو أكثر، ویعتمد النص المسرحي القصیر علي الحوار أو الفعل الدرامي، إذ یقوم علي الفعل الفردي، أو بضعة أفعال مركزة، وتفاصیل قلیلة، وشخصیات محدودة، لا تزید عن أربع، أو خمس شخصیات وذروة قریبة من النھایة،كما یتمیز النص القصیر بوحدة الآثر العام .
-في المشھد الإستھلالي، یقود “منیر راضي” قارئه الي كسر أفق التوقع الخاص الذي ربما یكون قد ابتناه من عنوان النص، فالقارئ، ھو ذاته المتلقي الذي یدعوه الكاتب الي الدلوف الي قاعة العرض المسرحي لیصادفه بأن من ھم خلف الستارة یعتلون خشبة الركح فرقة موسیقیة، یستعدون لتظبیط آلاتھم لبدء العزف، لكن حین تفتح الستارة نشعر أننا نشاھد حلماً، ففرقة العازفین في بؤرة ضوء صفراء، جالسون فوق مقاعد علي یمین المتلقي للمنظور المسرحي الأحادي، والأدخنة المتصاعدة علي یساره في فرش ازرق، الى أن یسمع صوت فتح باب تدخل منه إمرأة، تحمل حقیبة كبیرة، فینھض العازفون لیشكلوا لنا دائرة حولھا، وھم یعزفون الحاناً تشیر الي الفضول، والتوتر، في تعبیر جمالي لمحاولة معرفة ما بداخل حقیبتھا، الي أن ترفع المرأة یدھا وتشیر لھم بالتوقف، ثم تفتح حقیبتھا، وتخرج الدف، وبمجرد ظھور الدف یقفز الجمیع بعیدا، وتبدأ الآلات في النشاز[.
إن ھذا المشھد الإستھلالي یقود القارئ الي أمرین الأول ھو أن ھذه المرأة بحقیبتھا الكبیرة، لیست عضو بفرقة العازفین، لاسیما أن حالة التوتر والفضول التي اضفاھا الكاتب علي المشھد الحركي تشیر الي القارئ أنھا لیست عضو من أعضاء الفرقة.
الأمر الثاني ھو ظھور آلة” الدف” كآلة موسیقیة أثریة شرقیة، واستنادا إلى المكتشفات الأثریة، فالدف معروف في حضارتنا منذ الألف الثالث قبل المیلاد، وأقدم الآثار عنھ جاءت من بلاد ما بین النھرین ویعود تاریخھا إلى عام 2650 قبل المیلاد. اي ان ھروب العازفون، من ظھور الآلة الموسیقیة الشرقیة التي استدعاھا الكاتب في نصه لما لھا من أثر تاریخي، وایدلوجي كآلة موسیقیة ایقاعیة تعبر عن المشاعر والأحاسیس كلغة تواصلیة في مجتمع الكاتب العراقي بلاد النھرین (،ھو ھروب من الآخر المختلف، والغریب . وأعتقد أن التشفیر الذي قصده “منیر” في ھذا المشھد الإستھلالي الحركي قد فضح الصراع في ھذا النص، لاسیما أن قرع المرأة علي الدف أعقبه إظلام للمشھد لایشیر الي نھایة الحدث، بل یشیر إلي الجھل، والعتمة، وعدم وضوح الرؤیة في الصراع الذي أدركه القارئ الحصیف، والمتمثل في نبذ الغرب للشرق كقضیة أبدیة، وراھنة علي مر العصور -لذا عمد الكاتب الي اختیار عنوان لمشھده الأول بعد المشھد الإستھلالي وسمه ب”وصول الدف،” إذ یستخدم بیئة المكان التراثیة، العتیقة، وصور لشخصیات بشریة من الماضي متقابلة مع صحف مبعثرة لیؤكد علي ریادة ھذة الآلة الشرقیة، ووجوب تقبلھا، واحترامھا كآلة مختلفة عن باقي الآلات الغربیة. إذ یورد “منیر”في حواره المكثف الدلالي ذا البناء التراكیبي المفعم بالجمال وعلي لسان عازف الجیتار:]علینا ان نتقبل ھذا الضیف ویجب علیكم النظر للآخر من أي شكل تشكل باحترام وتقدیر[ إن الإشارة ھنا الي قضیة ھامة لا یكمن المعني السطحي لھا في تقبل الآلة الموسیقیة الشرقیة، بل یتعدي ذلك إلي قبول الآخر المختلف عرقیاً، وایدیلوجیاً، وھذا ما أورده المؤلف في حوار “عازف الكمان”الذي تحدث عما یخالف فزعه في المشھد الإستھلالي الصوري، لكن” المرأة” في حوار دیالكتیكي تحاول أن تخلق حجاجیة، تسعي الي البرھنة المنطقیة التي تقودنا الي عقدة ھذا النص ] أنتن لَستن نادبات بالنواح وانما أنتن نوافذ الحیاة, الغیرة في بعض الاحیان شيء سلبي. [وھنا یؤكد “منیر” علي العقدة التي تنشئ الصراع البشري مذ بدء الخلیقة، إذ یؤكد علي الغیرة وسلبیتھا التي تشیر الي عمق القضیة المستھدفة للقارئ، والمتلقي لھذا النص، فالغیرة ھي المعاداة لأي ثقافة أخري تخالف الثقافة الشائعة، واعتقد أنھا سمة ممیزة لنصوص الكاتب العراقي “منیر راضي” ونھج للكشف عن الحقیقة النسبیة في معادات الثقافة الغربیة للثقافات التي تخالفھا .
تعود “المرأة” للحدیث عن الموت والقھر، إذ یشاركھا العازفون السرد الكاشف عن الأصوات الداخلیة لشخصیاتھم المفصحة عن كینونتھم وایدیولوجیاتھم الفكریة، حول الموت، والحروب، والدمار، الذي اكسب العالم عبثیة الموت، ولم یتبقي للأنسان الشرقي إلا المجابھة بالعزف – إن المقطع التالي الذي تسرده عازفة الكمان :]یا صاحبي )محدثة الكمان ( نحن الان مبعثرون مھاجرون في المنفى بلا نجوم بلا سماء, انھا العالمیة الثانیة وامسینا في الثالثة التي فقدنا فیھا كل شيء , اصبحنا ھوامش من الارقام یختم فیھا وثیقة العدم في ابدیة الشقاء, نحن الان في مركب واحد وعلیك ان تقبل رفیقنا الجدید. [،انما یشیر إلي حالة التیه، والإحباط، والعدم المؤدي الي الشبحیة التي أصابت وجود الإنسان في ھذا العالم نتیجة العزلة الإفتراضیة، والتكنولوجیة، التي أفقدته المشاعر، والأحاسیس، والكینونة الھادفة للخیر بلا مقابل، فأصبحت الغیرة، والحقد، والدمار، والحروب، ھي ما تمیز سعیه الباحث في ھذا العالم عن المعني الجوھري للحیاة. -وھذا ما یستطیع القارئ استنطاقه من ختام المشھد الأول الذي یترك العازفون آلاتھم، ویدخلون الي الغرفة، لیقدم لنا منیر راضي مشھدا سیمیائي یقارب فیھ القارئ بین الدلالة الأیدیولوجیة للآلة الموسیقیة، وبین التركیب الدلالي واللفظي للحوار الإفتراضي العبثي بین الآلات الموسیقیة التي تتحدث مع بعضھا لفظیاً، ولیس بالنغمة الموسیقیة، في صراع وسمه “منیر”بصراع الآلات یقارب فیھ بین القصص القرآني، والنصوص الإنجیلیة، والیھودیة مناقشاً قصة التابوت الأبیض وباحثاً عن السكینة التي ھي ذاتھا المعني الجوھري للحیاة الذي ینشده الأنسان طیلة سعیه فیھا.
–إن منیر راضي في مشھده الثالث الذي وسمه ب”العزف علي النوي” والذي ھو عنوان النص، یكشف من خلاله استشرافه لمستقبل العالم، ونھایته المحتومة التي ستقضي علي كل المكتسبات البشریة، والحضاریة، لیعود الإنسان الي البدائیة، مع بقاء حلمه في العودة ل”تدق الدفوف من جدید ” في إشارة الي الخیر والسلام والسكینة التي ینشدھا الإنسان بعد نھایة خرافة المؤسسات المالكة للخطاب والقوة والمعرفة في العالم.
–إن “منیر راضي” في ھذا النص المابعد حداثوي انتھج منھجاً دیداكتیكیاً تعلیمیاً اعتمد فیه علي الرمز، والدلالة لینطلق من فرضیة اتسق عنوانھا مع قضیة یومیة راھنة ھي قضیة الشعوب العربیة، واثبات وجودھا العالمي في ظل صراع الھیمنة من القوي العظمة التي تعادي اي ثقافة تخالفھا من خلال المؤسسات المالكة للخطاب والقوة والمعرفة في العالم،إ ذ یكشف “منیر”نسبیة الحقیقة من خلال أكذوبة ثقافة الإختلاف وتقبل الآخر، ومن خلال معزوفة النوي التي تستشرف عودة الدفوف الي العزف ثانیة-لاشك أن مؤلف ھذا النص في مشھده الثالث قد أخرج العازفین من الغرفة بمباشرة فجة یرتدون اعلام دول مختلفة ویعزفون علي آلاتھم، وتناسي أن ھناك قوي تدیر ھذا الأوركسترا الموسیقي، وتتحكم في عزفھ، وإن كانت إشارته التي أراد أن یسوقھا للقارئ أن العازفین اتحدوا في معزوفة جمالیة، إلا أنني لا اري اي مبرر لإرتدائھم اعلام دول تعبر عن ھویاتھم وتحصر الصراع الإنساني في صراع سیاسي قد یحد من تداول النص في سیاقات زمنیة مستقبلیة تتغیر فیھا الرؤي السیاسیة والإیدیولوجیة, لكن یظل السؤال الذي راودني في زمن قراءة ھذا النص، ھل المؤلف استشرف نھایة العالم ؟ ام أن رؤیته المغایرة لھذا العالم انطلقت ایدیولوجیاً وجمالیاً من الموروثات الفكریة والدینیة التي لم یستطع أن یتجاوزھا بالتفكیر والتأمل وتجاوز حدود الموت كراھن وموجود عالمي؟ -اعتقد أن مجابھة الموت في نص” منیر راضي “الذي وحد العالم في معزوفة موسیقیة بتناقض مع مفھوم السكینة التي یسعي الإنسان باحثاً عن معناھا الجوھري،ولن یدركه ابدا، وھذا ما یحتم أن السكینة في الموت ھي قبول بالعبث، ولیس مجابھته علي عكس الثوریة التي اختتم بھا “منیر “مشھده الثالث والأخیر .
-اخیرا … قرأت نصاً مغایرا، یناقش قضیة راھنة ویومیة ،جمالیاً، وفكریاً وحواریاً دلالیاً وتراكبیاً، اعتمد مؤلفه علي التشفیر السیمیائي الذي استطاع القارئ أن یملئ فجواته لیبلغ صرخة ثوریة إستشرافیة مفادھا أن الآخر المعزول عن الجماعة لإختلافه العرقي او الأیدلوجي، سیعود یوماً قبل نھایة العالم لیجابه الموت بعزفه المنفرد في معزوفة النوى



