ماكان وماحدث فى مسرحية “البهلول”…قراءة فى الرؤية الاخراجية..مسرحة القناع/ الرشيد أحمد عيسى

مسرحية البهلول
تأليف: طالب الدوس.سعود التميمى
إخراج :جاسم الانصارى.
قدمت : فى مهرجان الدوحة المسرحى
الدورة 37 والتى جاءت تحت شعار..المسرح والجمهور.
المخرج: جاسم أحمد حسن الانصارى.
خريج المعهد العالى للفنون المسرحية الكويت 1992 .. تخصص تمثيل وإخراج.. ماجستير جامعة روح القدس اللبنانية. عن رسالة بعنوان ، الكوميديا فى قطر، دراسة فى أثر انعكاسات الدستورعلى الفنان القطرى عام 2007. اخرج عدد من المسرحيات منها؛ سنان .. ثلاثية عبود؛عبود في بلايستيشن، عبود في سكول رحلة عبود.. قلة أدب.. مواطن بالمقلوب..دوحة قوت تالنت.. وطن.. بين الابراج.. الحصار.. قالت لى الخشبة.. الفيل والارانب..صندوق مناير..البهلول..قلة ادب .. الكمامة .. سوف نبقى واقفين ..ارتجالية الما.
شارك كممثل فى بطولة اكثر من عشرين مسرحية وعدد من المسلسلات الاذاعية والتلفزيونية.
كما حاز على جوائزفى كل من تونس والقاهرة والكويت وقطر.
حول مفهوم الرؤية الأخراجية:
فى القرن العشرين فى العام 1918 كان شائعا تعبير (الوضع فى المشهد)، وقد أخذ هذا التعبير من الفرنسيين، كان يعبر عن الرؤية الأخراجية إلى أن جاء (اوغسط ليفالد) ليقدم شرحا لتقريب المصطلح (الوضع داخل المشهد أو الرؤية الاخراجية يعنى تحويل نص درامى بالكامل إلى عرض للرؤية لاستكمال نوايا الشاعر من خلال وسائل خارجية لتقوية أثر الدراما). ويبدو أن تطور مصطلح الرؤية الاخراجية مر بتطورات تاريخية حتى ظهور المخرج، ليتحول المخرج من منظم للعرض إلى فنان مبدع ، لأنه مبدع العمل الفنى الذى يسمى العرض.
هناك كثير من الفنانين ساهموا فى تطوير ذلك المفهوم منهم جوته، الذى أدخل بروفات القرأة وكذلك اختيار الديكور المسرحى واختيار الوان الديكور والأزياء، كما عمل على رسم حركة الممثلين على خشبة المسرح وتدريبهم على الحركات والايماءات واختيار الموسيقى الملائمة لأجواء العرض.
اختلفت الأآراء حول وظيفة المخرج حول الرؤية الاخراجية.
هل هى مهمة فنية؟
أم مهمة تقنية؟
هنا يؤكد (ليفالد) أن مهمة المخرج مهمة معقدة تحتاج الى مجموعة متنوعة من المعارف والخبرات، بل تحتاج الى وعى فكرى وفلسفى عميق.
فمفهوم الرؤية الأخراجية ليس تنظيم للعناصر الفنية فقط أنما وجهة نظر فلسفية وفكرية حول كل ما يجري فى الكون.
فالمخرج عبارة عن موسوعة معرفية وفكرية يطرح وجهة نظره من خلال العرض المسرحى.
هناك الكثير من الآراء حول مفهوم الرؤية الاخراجية، لكن ساحاول أن أطرح اهم هذه الاراء.
يعرف المخرج (جاك كوبو) الرؤية الاخراجية فى موسوعة المسرح الفرنسية بانها: “مجموع العمليات الفنية والتكنيكية التى تساعد على نقل العمل الذى أبدعه المؤلف من العالم العقلى الخفى إلى الواقع الحاضر داخل المسرح”.
كذلك يقول مارتن سيل: “الرؤية الاخراجية.انها إخراج وتنظيم للحاضر، انها انشاء وتأكيد لحاضر شئ ما يوجدهنا والان ولانه حاضر فلا يمكن القبض عليه”.
ونختم مفهوم الرؤية الاخراجية بتعريف (ايريكا فيشر ليشته) والذى أراه شاملا والذى جاء من دراسة لكل هذه الآراء تقول: “هى عملية تخطيط وتجريب وتثبيت مجموعة من الاستراتيجيات التى تعتمد على مادية العرض. بهدف إفراز الأداء وبذلك تظهر العناصر المادية كحاضر، من ناحية أخرى هى خلق موقف يفتح المجال والفضاء للتصرفات والسلوكيات غير المخطط لها. كل ذلك يهدف إلى لفت انتباه المتفرجين بمعنى دفع التوليد الادائي للمادة بطريقة تسمح للعناصر التى تظهر داخل الفضاء بلفت انتباه الجمهور لها، وتؤثر الرؤية الاخراجية من ناحية أخرى إلى لفت النظر للأشياء المألوفة ليدرك المتلقى عمليات التحول التى تلحق بالأشياء وتؤثر فيها مثل تحول عناصر الضوء والألوان والحركات والصوت.
وبذلك يمكن تعريف الرؤية الأخراجية على أنها عملية تهدف إلى سحر العالم والى وصف التحول الذى يعترى العالم والمشاركين في العرض”.
المرتكزات الاستراتيجية لخطة الأخراج:
عمل المخرج جاسم الانصارى على خطة وأستراتيجية أرتكزت على آلاتى:
*العمل على النص.
*العمل على أختيار أسلوب العرض
*العمل على السينوغرافيا
*العمل على الموسيقى
*العمل على الممثل
الدافع فى أختيار المخرج للنص هو كيف أستقبله وجدانيا وذهنيا وأستيعابه لاطروحات المؤلف وما أستفزه من افكار ليؤسس عليها رؤيته الأخراجية.
مسرحية “البهلول’ تقوم على حبكة بسيطة. عبارة عن علاقة حب بين ابنة الملك غيداء وريثة العرش وليل ابن البهلول مؤنس الملك. يشاهد قائد الجيش الذى يتطلع لان يتزوج وريثة العرش، العاشقان فى لحظة رومانسية. يدفعه ذلك للتفكير بأن العرش يمكن الا يكون من نصيبه. لذلك يتآمر على إزاحة ابن البهلول عن طريقه. ويسرع للعرش ليطلع الملك بما راه. من خلال هذه الحبكة تتفجر جذور الصراع المتمثلة، فى الصراع الطبقى، الصراع على العرش/السلطة، الظلم الاجتماعى.
فى خمسة مشاهد تتطور فيها الأحداث فى تنامى درامى إلى أن تنتهى بالمشهد الاخير فى السجن . البهلول وابنه فى انتظار الإعدام.
عمل المخرج بعد تحليله للمسرحية على اعادة بناء النص حتى يتسق مع أسلوب الإخراج الذى اختاره، فعمل على إدخال شخصيتين:
ـ شخصية المؤلف الدراماتورج الذى يقوم فى الحاضر بكتابة النص على خشبة المسرح.
ـ وشخصية أوس حارس السجن الذى له تاريخ مشترك مع الشخصية المحورية البهلول وذلك لتعزيز شخصية البهلول خاصة أن هناك تاريخ مشترك فى العلاقة بينهما خاصة فى الحروب التى شاركوا فيها.
بالإضافة إلى أن المخرج عمل على ترحيل الكثير من الحوارات إلى شخصيات أخرى.
كما طلب من المؤلف كتابة مشاهد اضافية.. لتعزز أسلوب العرض.
اختيار أسلوب العرض:
يعتبر اختيار المخرج لأسلوب الميتامسرح متوافقا مع اطروحات النص فى طرح قضايا ومقولات إنسانية كان لابد من التعبير عنها فى رؤية المسرحى عن الانسان والتحولات التى تجرى فى عالمه.
الميتا مسرح يقول عنها النقاد “هى المظهر الحداثى للظاهرة المسرحية التى أفرزها الواقع المعاصر، هذا الواقع الذى فرضت أحداثه وتصورات مبدعيه (موت التراجيديا وأحلال الميتامسرح مكانها’.
“يتحدى الميتامسرح المفهوم التقليدى للمسرح كمجرد تمثيل أو محاكاة للواقع، مشددا على وعى المسرحية بذاتها كعمل فنى من خلال كشف آليات المسرح والجوانب الأدائية للحياة، ويدعو الجمهور إلى دراسة العلاقة بين الفن والواقع، بالأضافة إلى دور المسرح فى المجتمع”. ويجئ استخدام تقنية المسرح داخل المسرح، واللعب داخل اللعب كشكل ميتا مسرحى، باعتبار أن المسرحية ممسرحة سلفا. لأن الشخصيه المحورية التى تدور حولها الأحداث “شخصية البهلول” هى شخصية من الأدب القديم عرفت باسلوبها الادائي، كان لاستلهام الكاتب لها باعتبارها ذات أثر درامى، ويشكل هذا الوعى بوجود شخصيات ممسرحة وواعية بتمسرحها هو ما يميز الأعمال الدرامية كما يقول ليونيل أبيل مؤلف كتاب الميتا مسرح.
عمل المصمم على الديكور والازياء والإضاءة بمايتسق مع رؤية المخرج.
الديكور
اتخذ شكل المسرح داخل المسرح اطارين. مسرح خارجى واخر داخلى. لكل منهما وظيفة لحركة الممثل فى الفضاء.
الإطار الداخلي فى عمق الخشبة، يستخدم كمكان متحول وليس ثابتا. فضاء لعرش الملك وأحيانا يتحول إلى شارع.
هناك ايضا اطارين خارج إطار المسرح، تعمل كاروقة للقصر وشوارع وممرات.
أبراج ضخمة تشكل واقعا سميتريا فى الفضاء لها وظيفة ثنائية .
البرج على اليسار فى الأعلى للفرقة الموسيقية،اسفل البرج منزل البهلول.
البرج على اليمين، فى أعلى يجلس المؤلف الدراماتورج، واسفل السجن.
دلالة هذه المكونات الضخمة توحى إلى سيطرة وهيبة السلطة. كل هذا الفضاء يتحول فى المشهد الاخير إلى سجن، الجميع داخل هذا الفضاء مساجين.
تم استخدام وتوظيف الديكور على أن يخدم ماوراء النص ليعبر بدلالات جمالية فى تفكيك محمولات رؤية المخرج. كما أن المصمم كان مدركا لحركة الممثل وعلاقته بالفضاء.
كانت هناك سلاسة أضفت عمقا وأبعاد ودلالات فكرية وجمالية على العرض.
الأزياء:
الأزياء من أهم العناصر لدورها الوظيفى فى تحديد الزمان والمكان والبيئة والوظيفة والطبقة الاجتماعية.
وأهميتها تنبع أيضا فى أنها تكاد تطغى على العرض لأنها تشكل جسرا يصل بين عناصر العرض الحية والجامدة.
جاء الزى فى العرض متسقا مع الأسلوب فى اختيار أزياء لا تحمل أى ملمح واقعى ولا تنتمى إلى أى حقبة تاريخية.
أزياء تجعل المتفرج يتأمل فى طبيعة الزى ويطرح أسئلة حول كل شخصية.
فهذه ليست شخصيات واقعية ولاتاريخية، هذه شخصيات مسرحية جاءت من تلك اللحظة الحاضرة التى يعيشها المتفرج لتحقق له متعة الحضور والمشاركة فى تلك الفرجة.
إنه أمام لعبة. يشارك فيها بذهنه الذى لن يغيب فى الوهم، لأن كل شخصية تذكره بقضية ما تشبه حياته التى يعيشها.
اختيار الألوان يعبر عن الحالة النفسية والذهنية والمزاجية لكل شخصية. مما ساعد المشاهد على استقبال هذه الشخصيات ومتابعتها طيلة العرض المسرحى.
الأضاءة:
الأضاءة من العناصر المهمة فى تكوين الصورة المسرحية.
وهى العنصر الأول الذى تقع عليه العين، فلها تأثيرها المباشر على المتفرج. لذلك جاء توظيفها متسقا مع أسلوب العرض فى إبراز الممثلين. أجسادهم، حركتهم وأزيائهم ضمن اطر الديكور. وتأكيد للحدث فى تحديد مساحة الضوء، كما أن هناك أقتصادا موظفا فى عمل الأضاءة في الأنتقال من حدث لآخر. خاصة أن هناك تقنية المونتاج التى تشكل أحدى تقنيات الميتامسرح التى عمل عليها المخرج، فالمسرحية عبارة عن مشاهد مستقلة.
استخدم المونتاج كوسيلة
تعبير وتكوين عقلى لكسر القصة. خاصة فى مشاهد البهلول وزوجته فى أروقة القصر، عندما جاءت لتخبره باعتقال أبنه ليل. كذلك القطع أو الأنتقال إلى السجن، عندما زارت الأميرة غيداء ليل كانت الإضاءة تلعب دورا دقيقا فى الأنتقال من مشهد لآخر، فى حركة أيقاعية شاعرية. كان للإضاءة دورا فى تأكيد الأحداث والشخصيات من خلال spotlight مما أبرز أداء الممثل فى تفاصيله الدقيقة. كما كان للاضاءة دورا فى تأكيد الأماكن التى يتحرك فيها الممثل والمجاميع. الممر المستطيل فى مشهد هروب ليل. كذلك مشهد الملك مع القائد عندما يصدر أوامره بمحاكمة ليل.
أستخدمت الأضاءة فى معظم المشاهد فى كافة وظائفها. فى الكثافة والتركيز للفت الأنتباه، كثافة ناعمة منخفضه لتعكس التأمل والحميمية فى مشاهد غيداء وليل.
الأضاءة العامة أستخدمت فى الديكور والمشاهد التى تحتوي على أكثر من ممثل، مشهد المحكمة، بلاط الملك، منزل بهلول. أيضا الاستخدام فى تقوية المؤثرات خاصة مؤثرالانفجاروالتى أظهرت قوة الأنفجار فى الخلفية عند مونولوج البهلول.
ما نود أن نوكده ،أن الإضاءة لعبت وظائف عدة من حيث الرؤية البصرية فى أظهار كافة العناصر، فى التأكيد والتركيز، فى تحديد أماكن وشخوص بعينها، وفى خلق الجو الدرامى وتعزيز الحالات الشعورية، والأيحاء بالمكان والزمان، وأخيرا في التكوين البصري الذى تستخدم فيه الألوان. مما كان للصورة فى العرض ابهار جماليا اخاذا.
الموسيقى:
ضمن آلية الهدم والبناء التى تعتبر من آليات أسلوب الإخراج، تم الغاء الموسيقى إلى أعدت مسبقا للعمل باعتبارها لا تتسق مع أسلوب العرض. وقد جاء هذا القرار قبل أربعة أيام من العرض. ولان أسلوب العرض يتطلب موسيقى تساهم فى أيقاظ المتفرج وحضوره فى العرض مشاركا كان العمل مع فرقة احترافية مكونة من ثلاثة آلات: بيانو، كمان، فلوت.
وبعد شرح وحوار مستفيض من المخرج مع المؤلف الموسيقى، تم تأليف موتيفه او لحن موسيقى مستوحى من طبيعة العمل الدرامى ورؤية المخرج.
تم توظيف الجملة اللحنية القصيرة لتكون الثيمة التى تستخدم فى كل العرض، فى الأنتقال من مشهد لآخر.
كما تم توظيف كل آلة فى سلمى الماينر والميجور. يعبر سلم الماينر عن مشاعر الحزن والتأمل، بينما يعبر سلم الميجور عن مشاعر الفرح والسعادة. وأيضا يعبر عن الفخامة والرصانة.
وظف المخرج الموتيفة اللحنية للالات الثلاث لتعبر عن احتدام الصراع وعن التحول والتطور فى الأحداث. وقد عملت فى تناغم وانسجام مما كان له دورا عظيما فى التأثير على المتفرج .كما تم توظيف الآلات ايضا على نحو احادى .
الفلوت: وهى الآلة التى يعزف عليها ليل وهى لا تفارقه استخدم سلم الماينر والميجور طيلة مشاهده فى العرض، فكانت فى أستهلال المسرحية فى مشهد العلاقة العاطفية بين ليل وغيداء، كما عبرت ايضا عن روح شخصية ليل فى حالات التأمل والوحدة والتفكير. ولعلها كانت ايضا آلة التغير التى استفزت القائد مما دفعه لاخذها بالقوة في المشهد الأخير وتفكيكها دلالة لإسكات صوت الحرية. فهى آلة الثورة على الظلم.
الكمان كان توظيفه بذات الموتيفه اللحنية فى سلمى الماينر والميجورمصاحبا للبهلول وزوجته. يعبر الكمان عن تلك الطبقة التى تعانى من الظلم الاجتماعى والطبقى.
وظف البيانو ألة أساسية ايضا فى سلمى الماينر والميجور. كان مصاحبا لدخول الملك، فهو يعبر عن العظمة والجلال وقوة السلطة لذلك كان توظيفها فى سلم الميجور، وفى الأنتقال فى المشاهد.
يقول المخرج عن تصوره للموسيقى:” فى أعتقادى أن الموسيقى التأملية التى توصلت إليها مع المؤلف الموسيقى هى “الروح ” الأنسب للتعبير عن المشاعر المفقودة فى العمل، لأنها تعمل على عكس الأحداث القائمة على الصراع المادى والطبقى، أنها تعمل على سحب مشاعر المتفرج من العرض وتخلق حاجز قوى بينه وبين الأيهام. أى أنها تعمل على أيقاظ الروح حتى لا تفنى فى وحل الأحداث التى تجرى أمامه. نحن بذلك نحيد مشاعره ونقوده نحو تكوين وجهة نظر لما يحدث أمامه”.
كما تم توظيف الكمان فى العديد من المشاهد.
أولها / فى مشهد الملك مع أبنته غيداء فى لحظة تتويجها بوضع التاج على رأسها لأبعادها عن حبيبها ليل. كان التوظيف فى سلم الميجور الذى يعبر عن النشوة والسعادة والفخامة. ولكن هنا وظف المخرج الفلوت فى سلم الماينروهى فى قمة النشوة ليذكرها بحبيبها ليل، فتعود إلى والدها وتتخلى عن التاج وتضعه على الكرسى معلنة رفضها فى التخلى عن حبيبها.
ان التوظيف العميق هنا للموسيقى يكفى كدلالة عن الصراع حول السلطة. ليؤكد أنتصارالحب على التسلط /السلطة ومؤامراتها. وبذلك المشهد يتحقق وعى بالانحياز للعدالة الاجتماعية والتغيير بأدوات تجافى العنف والسجن والتعذيب والقتل. هذا إعلان صريح للتخلى عن العرش من أجل الحب والتغيير والثورة.
العمل على التمثيل والممثل:
“يتمحور جوهر المسرحانية فى التمثيل وحده، هو العمل الفنى المحض، الذى يخلق المسرح” كما يرى ماكس هيرمان.
تعمل كل العناصر المسرحية من أجل التمثيل والممثل، حتى يتحقق للعرض كينونته المادية الحية التى تشكل روح المسرح، والتى تخلق العلاقة المباشرة بين المسرح والجمهور. لذلك ظل فن التمثيل على مر العصور هو الفن الوحيد الباقى، فهو الجوهر الذى يؤكد على بقاء الروح الانسانية فى قلقها واسئلتها وسحرها.
مائة يوم فى العمل على الممثل والتمثيل ولعل التعقيدات كانت فى عدم استقرار فريق العمل الذى تغير أكثر من ثلاثة مرات إلى أن استقر فى الشهر الأخير.
تأتى الصعوبات من ندرة فى الممثلين وذلك لغياب الحراك المسرحى المستمر، وعزوف كثير من الشباب عن التمثيل لغياب المؤسسات الأكاديمية والجهات الراعية. وكذلك غياب المسرح المدرسى والجامعى، التى تشكل روافد للممارسة المسرحية.
بدأت الخطة فى الشهرالأول على بروفات الطاولة وتحليل النص والشخصيات وطرح رؤية المخرج وأسلوب العرض الذى يتبعه فى إخراج العرض المسرحى. ومن خلال البروفات أتضح أن أشتغال الممثل على الدور يبدأ بالعمل على المشاعر وهو أعتقاد سائد فى البحث عن الشخصية هو الأداء من خلال المشاعر ثم بعد ذلك القيام بالفعل، بينما العكس هو الصحيح.
على الممثل أن يبدأ البحث عن الشخصية من خلال التفكير والخيال فى أفعال الشخصية.
فالافعال الجسدية هى التى تبنى الشخصية، لذلك كانت القاعدة الأساسية فى فن التمثيل، الفعل وكيف يتم تنفيذه.
القاعدة ؛
ماذا؟ = ما هو الفعل؟؟
لماذا ؟؟؟ = ما هو الدافع للفعل؟؟؟؟
كيف؟؟؟؟؟ = الظروف المعطاة لتأدية الفعل من خلال احداث المسرحية ؟؟؟؟؟
من هنا يبدأ عمل الممثل مع الدور:
أسلوب الميتا مسرح يعمل على وعى الممثل بأنه ليس وسيطا فقط لنقل رؤية المؤلف لخشبة المسرح
وإنما يتحدى المفهوم التقليدى للمسرح بأنه مجرد محاكاة للواقع فالتمثيل ليس تقمصا مطلقا للشخصية بقدر ماهو مواجهة وتحدى لها لأن دوره أبراز الحقيقة، فهو يستفز رد الفعل المستقر لدى المشاهدحتى يفكر، وذلك بكسر الأيهام..أى بالخروج من الشخصية ثم العودة إليها مرة أخرى، انه أسلوب اللعب داخل اللعب..
المستوى الأول تم أعداد:
بطاقة عمل الممثل مع الدور.
كيف يحقق الممثل ذاته فى الدور ؟
“ترغب الروح فى السكون إلى الجسد. لأنها دون أعضاء ذلك الجسد،لايمكنها ان تفعل أوتشعر بأى شئ.”، ليوناردو دافنشى.
“يمكن أن يكون جسد الممثل أفضل اصدقائه أو أسوأ اعدائه “، ماركوس اورليوس.
*يبدأ عمل الممثل على نفسه من نفسه. حيث ينطلق من النص مرتجلا منطلقا من حكايته الشخصية والتى تتماهى مع الشخصية فى النص المكتوب. وهنا على الممثل ان يلعب ادوارا مختلفة وتخيل فقرات غير مكتوبة فى النص من قبل الكاتب.
عليه أن يذهب إلى ماوراء النص والكلمات.
يمكن للممثل استخدام كلماته الخاصة. بعدها يمكنه العودة إلى النص لرؤية الصيغة الاصليه للكاتب.
عليه أن يعتمد صيغة المؤلف. فهو عندما يرتجل من اجل الوصول إلى أعماق الشخصية. الارتجال هو الذى يساعد على التحليل الفاعل للدور.
*يجب أن يصل الممثل إلى الحالة الإبداعية
أي الاندماج بين الوعى واللاوعى….حتى يحقق ذاته فى الدور.
*الوسائل المساعدة للتحليل الفاعل للدور
1/ البعد الماضى للشخصية منذ الميلاد.
والعمل على تخيل تاريخ وتطور الشخصية والعلاقات الأسرية ابتداء من علاقة الام والأم والأشقاء والبيئة والمحيط من حوله وتأثيرتلك العلاقات على حياته.
2/ البعد الحاضرمن بداية المسرحية واحداثها.
الصراع .. موقعك من الصراع .. المنطق الدرامى للشخصية .. علاقة الشخصية بمجمل الشخصيات فى المسرحية .. الهدف الأعلى للشخصية.
*البعد الاجتماعى :
الوظيفة التى تعمل بها ..الطبقة الاجتماعية التى تنتمى إليها.. تحليلك لمحيطك الاجتماعية بتفاصيله الدقيقه وتأثيره عليك.
*البعد الجسمانى :
وهذا تحدده طبيعة المهنة وانعكاسها على جسدك.
فى الحركة والسلوك.
المشى..تفاصيل حركة الجسد..الايماءة..الإشارة.
* البعد النفسى:
المشكلات النفسية التى تواجه الشخصية من تراكمات الطفولة وحتى بداية المسرحية.
وتأثير كل ذلك على الشخصية. اذ ان البعد النفسى للشخصية هو الذى يرتكزعلى عمل الممثل فى الذاكرة الانفعالية والعمل الداخلي للشخصية.
•فعمل الممثل يقوم على علاقة الوعى باللاوعى. وهى عملية ذهنية ونفسية وروحية غاية فى التعقيد.
فالممثل يمنح ذاته للدور من خلال عملية نفسية معقدة.
•الممثل يعيش حياتين، حياته وحياة الدورفى أن واحد.
لذا يعرف الممثل بأنه النمط شبه الفصامى.
•فن التمثيل فن التفكيركما يعرفه ستانسلافسكى ودانشنكو..على الممثل أن يكون فى حالة تركيز وتفكير مستمروحيوية ذهنية وجسدية وروحية.
• “على الممثل أن يمنح حياة روحه للدور”. كما قال ستانسلافسكى.
المستوى الثانى الذى عمل عليه المخرج فى تحقيق الممثل لذاته:
هوالأرتجال، وأدخال اللغة المحكية، أى العامية فى الأداء حتى يستطيع الممثل كسرالتقمص ثم العودة للشخصية، أى اللعب داخل اللعب،كان هناك أكثر من لغة محكية. قطرية، عراقية، تونسية، شامية، مصرية، سودانية.
ساعد ذلك ايضا فى إضفاء روح كوميدية حققت أحمد مفاهيم أسلوب الميتا مسرح
(باعتبارها أمتحانا للحقيقة هذا الإمتحان لا يمكن أن يتم دون ضحك. فالنظرة النقدية فى الغالب نظرة كوميدية، معظم الأعمال الميتامسرح لاتخلومن الأجواء الكوميدية، ان لم تكن نفسها عبارة عن كوميديات).
وقد تجلى ذلك فى عرض البهلول فى كثير من مشاهد المسرحية. خاصة مشهد المحكمة الذى كان طابعه كاركاتورى.
المستوى الثالث الذى عمل عليه المخرج وفق هذا الأسلوب:
هو التعليق، الذى يقوم به الدراماتورج والذى بموجبه يتم التجميد فى أداء الممثل فى المشهد المعلق عليه. وكل ذلك فى أطار تقنية اللعب داخل اللعب.
مسرحة القناع:
البهلول الشخصية المحورية التى استلهمها الكاتب، وكما أشرنا من البداية هى شخصية ممسرحة وفق الأسلوب.إن شخصيات الميتامسرح ممسرحة.
البهلول تم تناوله بمعالجة درامية مركبة. تحول لبهلول، فهو محارب عانى من تشوهات فى الوجه جراء تاريخه كجندى. فتحول من محارب إلى بهلول مؤنس للملك/السلطة. السلطة التى تعيد استخدامه فى مستويات متعددة.
فالجندى منزوع الانسانية كما جاء فى مونولوج البهلول، الذي يعترف لإبنه بأنه لم يكن بهلولا، بل كان جنديا.
” البهلول : اسمعنى يا ليل، أنا لم أكن بهلولا.. كنت جنديا فى الحرب. كنت أتقدم نحو موت لا أفهمه. أرفع سلاحى نحو من لا أعرفه. أحمل الموت على ظهرى، وأهتف لوطن لا يرانى ..
هل رأيت رأس صديقك يفجر أمامك؟؟
هل شممت لحما بشريا يحترق؟؟؟
ص القائد : تابع القتال الوطن ينادى
صوت رصاصة مفاجئة تصيبه.
البهلول: أصبت فى وجهى، فتشوه، وعندما عدت راؤوا وجهى المشوه،
أصوات : وجهك المشوه يزعجنا، وجهك المصاب يعكرمزاجنا، غط هذا الوجه القبيح حالا “.
هكذا طلبت السلطة منه أن يغطى وجه، القناع هنا لإخفاء ملامح الشخصية الحقيقيه، حتى لا تذكرهم بحقيقتهم.
” البهلول : غطيته بالأصباغ، ولما روأنى ضحكوا،
ضحكوا،، فى الحروب يكثر القتلى والجرحى والمشوهين، وفى المقابل تكثر نياشين الشجاعة والشرف على صدور القادة، أما الجنود فتصبغ وجوههم ليجبروا على البقاء ضاحكين”.
كان توظيف القناع فى عرض البهلول متسقا تماما مع أسلوب الميتامسرح فى أن كل ما فى المسرح ممسرحا ليؤكد وعى المسرحية بذاتها. يستخدم البهلول فى حالات متعددة، فهو مع زوجته وأهل بيته على حقيقته منزوع القناع.
وفى البلاط مع الملك والحاشية مرتديا قناعه.
وهكذا يعكس التوظيف آلية أظهارالحقيقة أمام المتفرج، ليكون واعيا بما يجرى حوله فى أحداث المسرحية.
وفى لحظة تجلى الحقيقة فى حوار البهلول مع أبنه، يقذف بالقناع معلنا انتهاء اللعبة.
ولعل الجمهور فى تلك اللحظة خلع قناعه. أواقنعته المتعددة التى يستخدمها كاليات دفاعية، وغيرها من الاستخدامات.
أستطاع توظيف القناع ان يحررالممثل من كثيرمن العوائق والحواجزالتى كانت تقف أمامه فى كسر التقمص والدخول فى تقنية اللعب داخل اللعب. مما ساعده فى تقديم أداء متفردا نال به جائزة أفضل ممثل فى المهرجان



