نقد

كتاب الخميس (الحلقة الثانية عشر)/ عرض وقراءة: د. محمود سعيد

(الحفر في النص الأصلي وتعصير الممصر)

اسم الكتاب : التمصير في المسرح المصري من يعقوب صنوع 1870 إلى الحرب العالمية الثانية 1945م

الكاتب: د. نجوى عانوس

الناشـر: الهيئة العامة للكتاب 2019.

 

بداية لابد من الإشارة إلى أن  د.نجوى عانوس احترفت لعبة الحفر في التراث المسرحي بوعي شديد منذ سبعينيات القرن الماضي ومارست لعبتها مع التراث المسرحي في أكثر من مشروع في رسالتها للماجستير والدكتوراه وأكثر من دراسة أخرى متنوعة.

وابتعد عن الكتاب قليلاً واقترب من طريقة قراءة المؤلفة للوثيقة.

أولاً تنظر د.نجوى عانوس للوثيقة عبر أكثر من مرحلة فهي تعصر الوثيقة كي تستخرج منها العصارة المطلوبة.

النقد الخارجي:

يوجه النقد الخارجي أو النقد الظاهري مجموعة من التساؤلات إلى الوثيقة: هل الوثيقة بين أيدينا أصلية؟ أم نسخة منها، وإذا كانت عبارة عن نسخة فهل هذه النسخة مطابقة للأصل؟، وهل ظلت على ما كانت عليه في أثناء تأليفها ولم تتدهور حالتها؟، أم تغيرت ولم يجتزئ جزء منها؟، أم تعرضت لتشويه غير مقصود.

خاصة أن المؤلف نفى حقيقة شديدة الأهمية هي أن أسس نقد المصادر على دراسة دقيقة للخصائص الداخلية والخارجية للوثيقة، وتجري هذه الدراسات بالاستعانة بالعلوم المساعدة للتاريخ. وذلك عبر ما يسمى بنقد المصدر، خاصة أن المؤلفة سافرت إلى فرنسا وحصلت على المصدر.

إذ أن نقد مصدر الوثيقة يعني التساؤل من أين أنت؟، ومن مؤلفها، وما تاريخها؟ فالوثيقة التي لايُعرف شيء عن مؤلفها وتاريخها ومكان كتابتها ومصدرها هي وثيقة لاتفيد شيئاً، فإذا كانت الوثائق الحديثة تحمل إشارات عن مصدرها فإن الوثائق القديمة لايعرف مكان صدورها بالدقة، ومع ذلك ينبغي الحذر؛ فالإشارات التي توضح مصدر الوثيقة، حتى أشدها صراحة لاتكفي بنفسها أبداً، إنها مجرد دعاوى، فمنها مايوضع على مؤلفات تافهة لرفع قيمتها، أو على مؤلفات عظيمة لتمجيد شخص ما، أو من أجل خداع الأجيال المقبلة.

ويبحث نقد المصدر عن جواب للأسئلة التالية:

  • من مؤلف الوثيقة؟ أي التعريف بالمؤلف.
  • متى؟ أي تاريخ تأليف الوثيقة. هنا تبدأ أهم مراحل دراسة التمصير معرفة الحقائق، وهذا ما كلف المؤلفة السفر إلى فرنسا أكثر من مرة من أجل الحقائق.

إن معرفة الكاتب الحقيقي للوثيقة التاريخية ليست أمراً ميسراً، إذ تحتاج إلى بحث دقيق نظراً إلى عدة عوائق قد تعترض ذلك؛ أبرزها أن عدداً من الوثائق لاتحمل اسم صاحبها، خاصة الوثائق الرسمية أو جرى تأليفها من طرف أكثر من مؤلف أو تحمل اسماء مستعارة.

ثم تأتي مرحلة النقد الداخلي أو مرحلة التأويل، يعد لفظ “تأويل” في اللغة العربية اشتقاقاً صرفياً من الأول، وهو الترجيح والرجوع. إن التأويل يعني العاقبة والمآل، خاصة لدى النص الممصر. وتأويل الوثيقة تستدعيه مجموعة من الأسباب؛ أن ثمة نصوصاً ما يمكن أن نسميها “النصوص الصامتة” و “النصوص المبتورة” التي تخفي وراء السطور، وأن بعض النصوص تتكون من مجموعة من المصطلحات المركبة، المتضمنة مجموعة من المعاني المحددة بلغة النص وظروف إنتاج الخطاب، وكل أشكال المعرفة المنتمية إلى حقل النص، وكل هذه المجموعة من المعطيات المحيطة بالنص لاتجعله يعبر عن نفسه، ما يستدعي تدخل الممصر للوقوف على حقيقته وجوهره، وهو مايفرض عليه الدخول في عملية التأويل كما فعلت المؤلفة.

ومن أجل تأويل مناسب للنص يجب على الممصر أن يضع نفسه محل الكاتب/ المؤلف واختراق فكره، وهذا الأمر ضروري لتفادي الأفكار المسبقة، وعدم التركيز على قراءة جزء من الوثيقة فقط، باستحضار جميع جوانب شخصية الكاتب (زمنه، ومنطقته الجغرافية، ومهنته، وهدفه من التأليف، وأسلوب النص).

ينبغي التمييز بين تاريخية المؤلف وتاريخية النص، فتاريخية المؤلف تتمثل في ظروفه ووضعه السوسيو – اقتصادي والنفسي، وكذا التيارات الثقافية والحزبية التي كان ينخرط فيها، أما تاريخية النص فهي الحقيقة التاريخية التي يفصح عنها النص، باعتبار أن ما يطرحه يكون موجهاً لأناس يعيشون في عصر له خصوصياته الثقافية والدينية والاجتماعية.

مراعاة انعدام وجود تناقض المعنى المؤول مع معطي الواقع، وإلا فقد التأويل مصداقيته، فالتأويل يجب أن ينتهي إلى التعاضد مع الواقع لا التنافر معه، لأنه يكمل صورة الواقع أو الحقيقة التي يبحث عنها الممصر.

احترام منطق النص وبنيته الداخلية ومقارنته بنصوص خارجية، فتأويل النص يحتاج إلى التحليل اللغوي في مستوييه الصوتي والدلالي.

تجاوز التأويل المؤدلج، حيث إن كل فعل تأويلي يفقد مصداقيته إذا اقترن بالإسقاط الأيديولوجي المقنع، والتقييم الشكلي الاعتباطي الذي يعمل على تجويف النص من دلالته، وتحويله إلى هيكل فارغ لاقيمة له، على نفس المنوال قرأت د.نجوى لعبة التمصير، وتركت الباب مفتوح أمام كل باحث.

وقسمت المؤلفة الكتاب إلى تمهيد وثلاثة فصول:

أوضحت في التمهيد أسباب تأثير المسرح المصري بالمسرح الفرنسي بصفة خاصة، إذ كان للثقافة الفرنسية أكبر الأثر في نهضة مصر الفكرية منذ حملة نابليون بونابرت 1798م.

كما تناولت مفهوم مصطلح الترجمة والتعريب والتمصير وقتئذ وأسباب انتشار حركة التمصير في أواخر القرن التاسع عشر منذ يعقوب صنوع ومحمد عثمان جلال حتى بلغت أشدها في ثورة 1919م.

خصصت الفصل الأول وعنوانه: عرض تاريخي للمسرحيات الممصرة، ودراسة ظروف تمصير هذه المسرحيات الفنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد التزمت فيه الترتيب التاريخي.

أما الفصل الثاني فقد خصصته لدراسة الظواهر المشتركة في التمصير عند يعقوب صنوع ومحمد عثمان جلال بديع وخيري ونجيب الريحاني وعباس علام ومحمد تيمور وتوفيق الحكيم وعزيز عيد وبيرم التونسي وسليم نخلة ويونس القاضي ومحمد عبدالقدوس وإبراهيم رمزي، وقد عقدت مقارنة لاستخراج هذه الظواهر بين المسرحيات الممصرة والمسرحيات الفرنسية الممصر عنها.

وأوضحت أهم هذه الظواهر وهي: تغيير أسماء الشخصيات والأماكن وعناوين المسرحيات من فرنسية إلى مصرية، وإيداع شخصيات من البيئة التراجيدي والمليودرامي وإبداع الحلم للانتقال الطبقي، وإبداع الانتقال الطبقي والخلاص بالعثور على الكنز أو ورقة اليانصيب، وإضافة معالجة مشكلات اجتماعية من البيئة المصرية، وتمصير صورة المرأة والرجل والجدل بينهما وحذف المشاهد التي لاتتفق مع البيئة والعادات والتقاليد المصرية والتزامه بالمشاهد التي تتفق مع مشكلاتنا الاجتماعية وقتئذ، كما تأثر الممصرون في تمصيرهم بمؤثرات شعبية في الحوار مثل الخطابية وإلقاء الموعظة والإطناب والملاماة “الردح” واللهجات الخاصة كوسيلة من وسائل الإضحاك كما شاعت الأمثال والتعبيرات الشعبية على لسان الشخصيات الشعبية بصفة خاصة للتأكيد على انتمائها لهذه الطبقة.

أما الفصل الثالث وعنوانه: تمصير الأوبريت والأوبرا خصصته أولاً لدراسة مسرحيتين من الأوبريت لمدينة المسحورة أو معروف الإسكافي تمصير محمد عبدالقدوس وعلي بابا والأربعين حرامي تمصير توفيق الحكيم، وثانياً لدراسة أوبريت شهر زاد تمصير عزيز عيد وكتب أغانيها بيرم التونسي وذلك لأنني وجدتها تحمل سمات مختلفة عن المسرحيتين السابقتين، وثالثاً لدراسة الظواهر المشتركة في تمصير أوبرا كليوباترا ومارك أنطون تمصير سليم نخلة ويونس القاضي وأمينوسا تمصير توفيق الحكيم.

هكذا نجحت دكتورة نجوى عانوس في تلك الدراسة في أن تخترق جوانب جديدة، وخاصة في لعبة التمصير والتي وصلت لحد التمصير.

**  د. محمود سعيد/ أكاديمي – ناقد أدبي  – عضو اتحاد كتاب مصر

 

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button