مقالات

Windows F أو القفز إلى هاوية المستقبل/ د. رشيد بلفقيه

هل تصدُق المجازفة بالقول إن كل عرض مسرحي جديد للمخرج محمد أمين ساهل هو لحظة مهمة في مسار المسرح المغربي المعاصر؟ وهل يستقيم التحرر قليلا من الأحكام الفنية والجمالية المتقيدة بالنظريات النقدية الدقيقة، والاستدلالات المنهجية المنطقية، والقراءات الأكاديمية الجافّة -غالبا- لتقديم جواب عن هذا السؤال أو نقده؟

لا يمكن -على ما يبدو- تحرير إجابة واحدة دقيقة عن هذا السؤال، لكن يبدو أن العرض WindowsF  الذي يأتي بعد ثلاث عروض سابقة (بريندا، لا فيكتوريا، أدناس) سيشكل فرصة مثالية لمراجعة أسئلة من هذا النوع، ولو من باب التجريب التساؤلي.

يحافظ هذا العرض على العديد من سمات العروض السابقة دون أن يسقط في تكريرها، أو اجترارها، فاستهلال العرض مثلا مشابه لاستهلال عرض “بريندا”، فقد جعل تدبيره الإخراجي الممثلين يعتلون الخشبة قبل دخول الجمهور واستقراره، وتركهم واقفين لدقائق طويلة في حالة وسطية بين الانتماء إلى عوالم العرض وبين الانتماء إلى عوالم الواقع، كما حدث مع الديدجي في عرض بريندا، جاعلا بذلك زمن بداية العرض المسرحي بلا حدود قطعية مع زمن بدء تلقيه، سعيا إلى الالتحام بالمتلقي والاقتراب منه إلى أبعد حد.

كما أنه واصل الحفر عميقا في جروح المجتمعين المغربي والعربي على المستوى الموضوعاتي، بالاشتغال على مكامن الخلل فيهما. فبعد الاشتغال على العنف الممارس على القاصرات في “بريندا” بوصفه جرحا عميقا يؤثر على هذه الفئة الهشة، وبعد الاشتغال على العنف في المدرجات في “لافيكتوريا” بوصفه عطبا يؤثر على فئة معينة من شباب المجتمع، ثم الاشتغال على السحر والشعوذة بوصفهما عنفا رمزيا على الإنسان عموما في عرض “أدناس”، يفتح العرض الأخير نافذة على المرأة وعلى العنف الممارس عليها عموما داخل الأسرة أو داخل الوظيفة، ويقترب من مشاكلها للدرجة التي تجعله يضعها عتبة في عنوانه من خلال الحرف f  الذي ألحق ب  Windows والذي يحيل على femme.

تؤسس هذه الاختيارات “التيماتية” في هذه العروض انسجاما في القضايا التي تشغل بال المخرج وتثقل كاهله، بوصفه مبدعا منخرطا في هموم جيله، وطبقات مجتمعه، خصوصا المسحوقة والمنسية، وبهذا الاشتغال الجديد يجعل من المرأة موضوع اشتغال يميط من خلاله اللثام عن إعاقة مزمنة في الفكر المغربي والعربي في تعامله مع المرأة عموما.

أليست حياة النسوة الثلاث هاجر وسناء وسعيدة (رجاء بوحامي، ذكرى بنويس، قدس جندل) بالإضافة إلى أمين بلمعزة، سوى ذريعة قوية لإثارة واقع النساء عموما وما يحيط بهن من فساد وانحراف يقيدهن ويثبط من عزمهن في ميادين متعددة لا يختلف فيها الفساد الرياضي عن السياسي أو الثقافي والاجتماعي؟

أليست آلية اشتغال السينوغرافيا (آدم صابيري) والمابينغ (محمد رضا التسولي) المؤثرات الصوتية (معاد بياري) والملابس (كوثر بنسجاي) في مختلف مشاهد العرض سوى دعوة جمالية مفتوحة لإعادة تأمل واقع يُعاد تشكيله بفنية عالية على الركح؟ بل ومتابعته وهو يفكك ويعاد تركيبه وفقا لرؤية تحاول تبئير مكامن العطب فيه؟

لقد شكلت هذه العناصر باقتدار جميل فضاء مكتظا مكتنزا بالتفاصيل الدقيقة التي زاد من جمالها تميز الممثلين وانسجامهم وقدرتهم على التحرك داخلها وتوظيفها باقتدار، وساهمت في جعل العرض يحقق الامتاع البصري المأمول بالإضافة إلى الإقناع الفكري المسطر له.

في مستوى آخر، يحافظ توظيف عناصر العرض مجتمعة على النظرة التأملية المميزة لأعمال المخرج الشاب، تلك النظرة التي تقف وقفة المندهش والمستكشف أمام عالم يغوص في مشاكله يوما بعد يوم، وتشكل فضاء نقديا فسيحا لا يمكن للإنسان إلا أن يقف أمامه متأملا مفكرا ومتألما وجلا، معيدا تأمل مصير هذه البشرية وهي تسير بخطى واسعة نجو هاوية عسيرة تحفرها لها التقنية في صمت قاتل.

يحضر العنف الجسدي والرمزي -أيضا- بالتوظيف الفني نفسه الذي حضر به في العروض السابقة كلها، بوصفه ممارسة مجتمعية باتت مفروضة في حياتنا اليومية للحد الذي يقنعنا بأنه لا يمكن بناء أي عمل مسرحي دون استحضارها، أليست السلطة التي باتت التكنولوجيا تمارسها علينا بعد أن أوهمتنا بسرابات التحرر المطلقة، في حد ذاتها عنفا من درجة أخرى يعيد سلسلة الإنتاج المريرة نفسها للسلط البطريرياركية التليدة المغروسة في تاريخنا العربي والبشري؟

لكن العنف في هذا العرض يتمفصل إلى مستويات متعددة، تبدأ بوصف العنف الذي يسلطه السجان على سجيناته، ثم تنتقل إلى تشريح العنف الذي تمارسه السجينات بينهن في سجنهن، صعودا إلى العنف الذي تمارسه أحلامهن وطموحاتهن عليهن، بوصفها مثبطات وقيود لا مرئية يظل عنفها حاسما في حياة الشخصيات (مثلا حالة سناء التي تسيطر عليها فكرة الولادة إلى الدرجة التي تدفعها إلى محاولة سرقة وليد من المشفى، مما يوصلها إلى السجن، وهاجر التي تتحول من باحثة عن تحقيق حلمها بالتميز الرياضي إلى باحثة عن تحقيق حلم بحياة كريمة بأي ثمن ولو كلن الهجرة غير الشرعية)، ووصولا إلى العنف الذي تمارسه عليهم جميعا الوسائل التقنية التي تصير متحكما في مصيرهن وحياتهن.

ختاما

لا يمكن النظر إلى المسرح-في اعتقادي- إلا بوصفه استعارة بليغة تسعى إلى بناء صورة عن الواقع على الركح، رسما موجها برؤية ناقدة منتقدة تمر عبر النقل والمحاكاة والتفكيك وإعادة التشكيل فالعرض، وفقا لهذا التصور الجميل يصير المسرح ملزما باستكشاف الواقع وثقافاته بما فيها ثقافة الهامش، ويغدو مشروعا متسقا ومنسجما وإن توزع إلى عروض إلا أنه يظل محافظا على الحس النقدي نفسه، والرؤية الجمالية ذاتها لذلك الواقع.

 

Related Articles

Back to top button