بالمغرب:تكريم بعبق الوفاء والمحبة ميز افتتاح الدورة 11 لـ “مهرجان ابن امسيك للمسرح الاحترافي” بالدار البضاء/ بشرى عمور
بشراكة مع مسرح محمد الخامس بالرباط، والمديرية الجهوية لوزارة الثقافة بجهة الدار البيضاء – سطات، وتنظيم “جمعية فضاء القرية للإبداع” بالدار البيضاء انطلقت فعاليات الدورة الحادية عشرة لـ “مهرجان ابن امسيك للمسرح الاحترافي” مساء يوم الجمعة 22 يوليوز الجاري بمسرح ابن مسيك، والتي ستستمر لغاية يوم الثلاثاء 26 بمجموعة من مسارح الدار البيضاء.
وما ميز هذا الحفل، الذي شهد حضورا وازنا للفيف من الفنانين و الباحثين و المهتمين بفن الفرجة الركحية والإعلاميين على تنوع منابرهم. لحظة الاحتفاء بعريس الدورة، عَلم من الأعلام المسرحية الرائدة في تاريخ الحركة المسرحية المغربية، المسرحي المقتدر “محمد قاوتي”. والإعلامي “الطاهر الطويل”.
وبهذه المناسبة السعيدة اتحفنا الكاتب المسرحي والاعلامي القدير “الحسين الشعبي” بكلمة ألقاها في حق شيخ الكلمة المطروزة “محمد قاوتي”.:

*شهادة: كُنْ أنتَ../ بقلم: الحسين الشعبي
1
دعني أكاتبك اليوم يا عزيزي، وأوجه إليك رسالة وأنت القريب مني، والمشترِك معي أفقي، دعني أراسلك وكأنك مسافر على جناح الخيال، لأن الكتابة لك وعنك لا تستقيم إلا في مسالك السفر…
الكتابة ذكر وتذكير.. الكتابة قلادة وشهادة..
الكتابة فصح وبوح.. الكتابة إقرار وإصرار..
…وأنت، يا صاحبي، من علمنا مفرداتِ الفضح في الزمن الذي كان فيه القول والنطق يؤديان إلى المشنقة..
أنت الذي رفعت لواء الحق في القول، ونسجت خيوط المعقول في الفعل، وما بينهما شعرة رفيعة عنوانها الجمال والخير.
أذكر أنك حين تعزم على فعل عمل ما، إنما تقوم به من دون أن تقول به.. أعرف جيدا أنك لا تهتم كثيرا يما يقال وما لا يقال، كما أعرف أنك رجل صموت يوثر الكتمان ويأبى الضجيج، أعرف أنك تَمقُت الخطاباتِ المنمقةَ لما تنطوي عليه من كثير زيف وكذب وافتراء.. أنت تكره الادعاء والثرثرة.. لذا أجدك – وأذكر أنني أجدك دوما – شغيلا ممارسا للفعل منجرا بقوة جاذبية قصوى للعمل.. فلا غرابة أنك نحثتَ بقلمك وجسدك مفهوما لقيمة العمل..
2
عندما نقرأ لك.. يا صاحبي، أو نشاهد كلماتك مجسدة أو مصورة.. نندهش لقدرتك على تَمَلُّكِ القيم، وكأن دركيا مستويا على مقعد وثير في ركن ما من مخيلتك يرقب ويترقب..
وما ذاك الدركي الذكي سوى ضميرك..
ما أكثر ما تناقشتُ معك هذا الإصرار الدقيق، وهذا الحرص الحذر، وهذه اليقظة الذكية..
وما أكثر ما هنأتُك على حذوك نحو ألا تنفلت كلمة أو عبارة أو صورة أو استعارة لتنقصد في غير مقصدها..
لَمَسْتُ ذلك في انتصارك، في كتاباتك وإبداعاتك، للقيم الكونية، والحقوق الإنسانية، والكرامة البشرية، والكينونة الآدمية، والأخلاق الرفيعة السجية..
فأنت نعم الكاتب المبدع الحارس الرقيب الأمين على احترام اللون، والجنس، والعقيدة، واللغة، والأنثى، والطفولة، والبيئة.. والحياة..
كتابتك – يا عزيزي- ملأى بالدروس.
كان صاحبُنا الدكتور خالد أمين على حق حين اعتبرك “فارسا من فرسان الكتابة”؛ والفارس ليس مجرد راكب لصهوة جواد راكض.. إنما الفارس هو الرجل الذي يعرف كيف يمتطي خياله ويعرف أيضا متى يجنحه ومتى يكبحه.. فضلا عن أن في الفارس تلتقي الشهامة والنبل، والكرامة والكرم، والبسالة والجرأة، واللين والقسوة، والبساطة والتعقيد، والكبرياء والنخوة، والحب الصادق والمودة، والعون والدعم والعرفان…. الفارس – يا صاحبي- يعرف كيف يرسم طريقه وطريق جواده.. حتى إذا ولج معركة يعرف كيف يقودها ويديرها وكيف يربحها..
وأنا – يا صاحبي- أذكر لك أنك رسمت، في حياتك وفنك، طريقا ومنهاجا وخُضت معارك ناجحة:
– في محاربة الظلم والاستبداد
– في محاربة الجهل والأمية
– في ترسيخ قواعد وتقاليد لتنظيم الفنانين والمبدعين والدفاع عن حقوقهم وكرامتهم..
– في ترويج وإشاعة قيم المواطنة والحداثة والعدالة والمساواة والإنصاف والحرية..
هي قيم مثلى أشعتها في المسرح والحكاية، في الشارع والحياة..
هذه هي معالم فروسيتك يا صاحبي، وأنا سعيد بكوني أصادق وأصاحب فارسا من هذا العيار..

3
أَذْكر وأُذَكِّر أنك حكاء بامتياز..
أنت من أعطى لدارجتنا عمقها..
لأنك توفقت في الاقتباس من معيشنا وفي استنطاق يومنا، واستلهام فرحنا وحزننا..
أنت من أعليت دارجتنا إلى مراتب الرقي، صَيَّرْتَها قابلة وقادرة على استيعاب العالم، كَلَّمْتَها وكَلَّمَتْك وأنجبتما معا قولا مطروزا، وتعبيرا مسبوكا، ومضامين ثاقبة في وقت صرنا نفتقد فيه لبهاء المعنى..
قل يا صاحبي للمظليين الذين سقطوا في حقل اللغة اليوم، إن دارجتنا ليست سوقا للبيع والشراء، وليست مرتعا للتخاطف السياسي والتسابق الإيديولوجي.. قل لهؤلاء الذين “قطر بهم السقف” اليوم أن يبتعدوا عن ساحة التزحلق والتزلف.. وإلا فـ “كُنْ سْبع وكُلني”.. هكذا أخالك تصرخ في وجوههم بمفردات أدبية دارجية رفيعة.
4
يا صاحبي قاوتي..
هل تعلم أن محترفي الكتابة عندنا قليلون حين تعدهم..
لكنك تعلم أن محترفي الكتابة هم من تكون الكتابة هاجسهم اليومي وقوتهم الأبدي..
لا غرو إن كانت المادة الحرفية المكونة لاسمك اللامع ننطق فيها بالقاف والواو والتاء.. “ق. و. ت”.
فأنت قاوتي..
قُوتُك هو الكتابة.. وَقْتُك كله للكتابة..
قُوَّتُك هي الكتابة.. والكتابة هي قُوَّتُك..
فكن أنت يا صاحبي كما كنت دائما على رأس حملة القلم الذين يحفرون العمق و يَسْطُرون المعنى..
كن كاتبا حرا في المبدى والمنهى..
كن طائرا مسافرا نحو المسعى..
فأنت العارف، المُطرِّز الواعِرُ
سر، واصل، لا تبالي
كن ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ
كن أنت ولا تأبه..
أوَ لستَ أنت من استنبت الفكرة، وغرسها في تربة العشق والتاريخ؟..
اِبق حفارا منقبا تسبر أغوار المعالم واللغة والرموز
اِبق زاهدا ناسكا في عالمك الصوفي السرمدي،
واصل في دنياك
وحافظ على لمعان محياك…
واصل.. لا تركع،
سِرْ، طِرْ، عَلِّ، لا تخضع،
انتشر..
وإياك أن تتواضع..
قدرك هو أن تبقى أنت كما كنت شامخا سامقا في ملكوت العلو..
قدرك هو السمو.
* شهادة في حق الأستاذ والصديق الفنان والكاتب محمد قاوتي
بمناسبة تكريمه في الدورة 11 لمهرجان بنمسيك الدولي للمسرح
الدار البيضاء بتاريخ 22 يوليوز 2022

بالفيديو: كلمة الأستاذ ” محمد القوتي “:



