“الهاربات”… على ضفاف الانتظار/ د. محمد أمين بنيوب

1. كتابة أدائية / ثلاثية الهروب والانتظار والتيه
عندما نكون أمام لحظة مشاهدة عرض مسرحي وتلقيه، كفرجة شاملة، فإننا نكون أمام منجز فني مركب، يتداخل فيه البعد الذاتي بالبعد الواقعي وبالبعد التخييلي. فالمبدع المسرحي يروم تقاسم تجارب معاشة أو متوقعة لها امتدادت في السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي وينقلها نحو عوالم واقعية/ متخيلة لنعيش معه رؤاه الفنية، طروحاته الجمالية؛ قضاياه الإنسانية، قناعاته الفكرية وقيمه المجتمعية.
فالعرض المسرحي، يعكس بجلاء، التقائية التجربة الإبداعية مع جمالية الأداء التعبيري بكل لغاته اللفظية والحركية والسمعية والبصرية وما يتركه لدى المتلقي في مخيال ذاكرته وطرق تواصله مع المادة الابداعية وترجمة دلالاتها المادية والرمزية وخطاباتها المرئية والخفية.
بهذا المعني، فإننا بصدد محاولة فهم وتحليل نسق من العمليات والقواعد، التي تسند التوليد والمساءلة والتأمل ودرجات التوقع واحتمالات الاستجابة أثناء المشاركة الابداعية للمتلقي في منجز الهاربات. أول مواجهة لي مع هذه النسق المركب في عرض “الهاربات”، كان النص ثم العرض المصور. في المرحلة الأولي، عندما قرأت نص الهاربات للمبدعة وفاء طبوبي مرات عديدة وأعدت قراءته لأستجلي دهاليزه، (بالرغم من صعوبة فهم بعض كلمات المعجم الدراجي التونسي) لكن الكتابة النصية، ارتقت بكيفية ذكية لكي ترى وتشاهد، لا لتقرأ وتتلى وبشخوص تفعل، وتتصارع وتتحرك وتقاوم من أجل البقاء والاستمرار.
لا يمنحك المتن دعامات سهلة للولوج إليه. نص عار من الإشارات الركحية، خال من التوجيهات الجانبية المتكررة وأمكنته غير معرفة، باستثناء فضاء المحطة. لا وجود لديكور فخم للإبهار مثبت وسط الركح ولا شهادة ميلاد للشخصيات ترسم هيكلها وتقاسيم هيئتها. حتى الزمن غير محدد، يبدو ملتبسا وقاتما.
جل هذه العلامات خارج النص، تجد تحققها الفعلي والرمزي في ثنايا العرض وفي حوارت الشخصيات، في غضب أقوالها وجرح صرخاتها، في عنف حركاتها وتعب سيرها اللامتناهي وفي توثر علاقاتها وشدة أفعالها ومقارعة وجهات نظرها. ربما هي رؤية الكاتبة/ المخرجة، لكي تشركنا في ملحمة الهروب ومحنه. فعندما تحل فواجع الهروب ونكساتها فجأة، بلا ميعاد وبلا استئذان، فإنها تدفعك لاختراق كل المنافذ الضيقة والكواث المهترئة بغية النجاة. لاوقت لديك لقياس الزمن ولابرهة لك للتعرف على هويات من يرافقك ولاوقت كاف لديك للتدقيق في جغرافية الفضاء ولا فرصة لك للتفريق بين إشارات التوقف وعلامات الموانع وحواجز العبور.
لاتمتلك أي شيء، سوى شظايا زحمة العبور والهروب وثقل فن الحكي وسهام القول لكي تعلن للملأ، شهاداتك الموشومة بالإقصاء والتمييز والتصريح مما تبقى من إرث أدميتك المنزوعة وإنسانيتك اليتيمة. أنت في نظرهم، بمثابة دابة هائمة/ كلب مجروب لقيط تائه وسط الحشود الهائمة، فقط تأخذ طوعا، ليعاد تدويرك وتطويعك وتنقيحك وتلقيحك حسب المنفعة والمصلحة والغنيمة. أنت مجرد هاتف مشروخ معدد للنباح العمومي. (Aboiment Public).
هذا ما نستسفه في اللوحة الأولى المعنونة بالمحطة، تبين بجلاء هذه النظرة الدونية للكائن البشري. في مبادلة حوارية ما بين شخصية لبني وشخصية فاطمة:
لبني: كلاب حد ماعبرنا حد ماكلمنا كلاب احنا
فاطمة: الكلاب خير منا يلموهم مرة في العام..يلقحوهم يداووهم يوكلهم يشربهم وبلاش..واحنا ميتذكرونا كان وقت الانتخابات.. يجو ينبحو علينا هب هب هب ويذوبو. (1)
لكن هذه الصورة القاتمة والموحية بالاستسلام والتراجع والانتكاس، ستتم مقاومتها ومساجلتها وفضحها على طول مسار الحكي، حيث ستتخذ الشخصيات، قرار المواجهة والثورة والتبليغ وكشف كل النواميس المعدة والمجهزة سلفا من قبل المؤسسات ومنظومة القوانين الجائرة، لمحو جوهرالإنسان وتكبيل بقائه في العيش والوجود ومصادرة أحلامه.
هذا ما تصرح به أميمة في المقطعين الأخيرين من اللوحة الخامسة واللوحة الاخيرة عبر تسجيل صوتي خارجي:
“ الضو
احنا لي نشرقو بيدينا الظلام ونجيبو ليكم الضو لعينكم..
كونو ثابتين في خطوتكم ياش ماضيعوش ثنيتكم ماضيعوش حلمتكم..
ناخد حقي وحق لي كيفي لي ضاع في الثنية..نفعل القانون العادل لي يدافع علي المظلومين..المقهورين..القانون هو الحل نكتبوه احنا للناس…صوتنا صوت حق.. احنا القانون.”(2)
2. شخصيات مشاءة في فضاء أدائي مظلم ومغلق
يقدم النص/ العرض، طروحات وإشكالات وأسئلة حول الصراعات التي تخترق المجتمع التونسي وهي نفس الصدامات التي تساءل قضايانا وانتظاراتنا الراهنة في مجتمعاتنا العربية ويبقى للمبدع المسرحي، طرق زوايا المقاربة الفنية والمعالجة التعبيرية التي تزاوج بين نقد وتشريح الواقع والسخرية من أعطابه وأضراره دون استنساخ واستسهال. في هذا المنحي تقول المبدعة وفاء الطبوبي :”تنبثق فكرة العرض من خلال تأثري كمواطنة شاهدة على ما يدور في الواقع من أحداث وتغيرات وتحولات بمختلف مجالاتها لأعيد صياغتها في العرض المسرحي بشكل ساخر ينقد الواقع دون أن يحاكيه” (3).
يتوزع نص الهاربات عبر ست لوحات. لوحة المحطة، أو لحظة اللقاء المفاجئ للشخصيات في المحطة، لوحة التصريح بهويات الشخصيات، لوحة الضياع، لوحة الحلمة، لوحة المأزق، لوحة شوارع وكياسات واللوحة الاخيرة بمثابة صرخة أمل هارب.
ينهض العرض على حكاية، تقع أطوار أحداثها في محطة على ما يبدو محطة مهجورة أو منسية في ضواحي المدينة. لا نعرف بالضبط جغرافية هذه المحطة ولامعالمها الواضحة. ربما المخرجة، أرادت أن تقحمنا منذ البداية في فضاء المحطة وصخب أصواتها وضجر محركاتها. لا إشارات ولا أضواء تدل على ذلك. فقط فضاء قاحل، جاف ويابس. فضاء بدون حياة، غياب بنايات تطل عليه أو أشجار تحيط به، باستثناء حاجز الرصيف الملون ولوحة توقف الأشغال.
بقيت اتخيل طبيعة هذه المحطة القفراء:
-هل هي محطة حافلات؟
– هل هي محطة قطارات أم ترومواي؟
– هل هي محطة حافلات أم محطة سيارات أجرة؟
– هل هي محطة مخصصة للنقل السري؟
لا يهم. مادام فضاء المحطة هو فضاء العبور والانتظار والتيه بامتياز. فضاء بوح وحكي. فضاء تشتبك فيه الهويات والأقدار وتعلن فيه الأسرار والخبايا وتحتك فيه فواجع وكوابيس العابرين وأحلام ونوايا المهمشين.
وسط ظلام دامس يعم فضاء اللعب من كل جوانبه إلا من خيط ضوء باهت وخافت، تلتقي فيها ست شخصيات. خمس نساء ورجل. لا تربطهم أية علاقات سابقة. فقط حتمية عبور الفضاء المهجور، منحهم لحظة التعرف والكشف عن هويات منتمية لفئات اجتماعية هامشية ومتوسطة إن لم نقل كائنات أيلة للتلاشي، تجر معها أثقالها واحزانها، أعطابها وانكساراتها والنزر من أحلامها في مجتمع قذف بها نحو أغوار الجحيم اليومي.
في هذا السياق، تأخذ الشخصيات موقعها الفعلي والحركي في مجريات اللعب وفي صلب سلطة المبادلة، نكتشف أن هذه الهياكل الأدمية، تنتمي لفئات هامشية، معطوبة نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. فهي تبحث فقط عن لقمة عيش تسد رمقها اليومي في انتظار حافلة تطوح بهم في اتجاه مناطق الكدح وأزقة الاستغلال.
بدت لي أن هذه الشخصيات، اعتادت كل يوم أن تقف في نفس المحطة وفي نفس التوقيت. لاجديد يقع تحت جنح الظلام ولا جديد يحدث مع انبلاج خيوط الصباح. الكل ينتظر وصول الحافلة في اتجاه أماكن العمل، عفوا، في اتجاه أسواق الاستغلال.
لكن هذه المرة، ستحدث صقعة وجدوية غيرت مجرى حياة شخوص المحطة، فجرت بركان دواخلها ودفعها لمجابهة فعل القهر واليأس. ففضاء الاشتباك العمومي، منحها التفكير في أوضاعها والانتباه، كونها كائنات إنسانية لا عبيدا خاضعة. ربما، شرعت في استعادة وعييها والتحرر من قيود الذات وأغلال الاخر. هكذا عشت خلال تلق العرض المصور، تصريح الشخصيات بمسار هويتها بقصدية تتبع تاريخها المنسي والهامشي. شخصيات، تقيم على ضفاف الانتظار وعتمة مطرقة الهروب وسندان التيه. من شخصية فاطمة الخادمة في البيوت، شاخت من شدة الاستغلال، تقوس ظهرها، نتيجة نظام السخرة بالمنازل. شخصية منيرة، التي نذرت حياتها في تتبع والتقاط المتلاشيات البلاستيكية من القمامات والمزابل وإعادة تجميل رائحتها النتنة وبيعها للمتلاشين. شخصية أميمة، تشتغل كاتبة مؤقتة بمكتب محامي، تحلم في يوم ما أن تلتحق بالقضاء بمهنة المحاماة، لتقف وتدافع بجرأة على حقوق المستضعفين. شخصية صابرين، أستاذة إنجليزية مؤقتة بدون وضعية قانونية تضمن حقوقها المادية والمعنوية. مجرد فائض، يسد بها خصاص العطب التعليمي وترمز للطبقة الوسطى المتعلمة والتي اندحرت والتحقت بطبقة الفقراء. أما شخصية لبنى العاملة في معمل الخياطة، فهي تقع تحت رحمة استغلال عنف مزدوج، عنف ظروف العمل الحقيرة واللإنسانية وظروف حياة إسرة تساوم الجزء من أجرتها مقابل مزاولتها العمل. حلمها الوجودي، العثور على رجل وتوديع العبودية المزدوجة والاحتماء بزواج ذي بعد عبودي واحد وأوحد. لقد تحولت شخصية لبنى أثناء أدائها، لآلة خياطة، أقرب إلى “روبو مبرمج “لا يتوقف عن الحركة والضجيج. وأخيرا شخصية أسامة، المطلق، العامل، الموزع بين ثقل تأدية نفقات أبنائه وشبح توقيفه من قبل أعوان الشرطة. فهو طيلة العرض في عزلة وخوف وهروب دائم.
صحبة هذه الشخصيات المشائية والجوالة، المنكسرة والهائجة، معها ستجعل من فضاء اللعب، سينوغرافيا متحركة ودالة وستحول جل معالمه. لم يعد ملجأ للهجرة والهروب والانتظار، بل تحول فضاء المحطة، لحلبة صراع نفسي، يروي محكيات جريحة من صميم المعيش، تتقاطع في ملامحه ووجوده وامتداداته، مبادلات قوية بين الشخصيات، تصارع الزمن الرتيب وتواجه عتمة الظلام للخروج نحو بصيص من النور. بدت لي تلك الوجوه، كأنها كانت في رحلات مضنية وقاسية، تجر خلفها إرثا من الرشوم والنذوب. أشبه بمجموعة غجر، آتون من كل فج عميق، تركوا ورائهم حوائجم اليتيمة. لم يخلفوا أي شيء لأنهم لا يملكون أصلا أي شيء. يتامى يجوبون الساحات، جيئة وذهابا. مشيا وركوضا، يتحركون فرادي ومجتمعين في مناطق ضوئية متباينة كأنها أقفاص مسيجة، مشكلين بذلك لوحات كوريغرافية، بصرية منظمة بتلوينات مختلفة.
فقوة عرض الهاربات في قوة وحرفية الأداء التعبيري والجسدي للممثلين. هذا يدل على أنهم اشتغوا بدقة والتزام وتدريب محكم ويتملكون موهبة احترافية عالية، مكنتهم من تحويل النص إلى منظومة حركية متناسقة وبايقاعات مضبوطة. وهذا ما ترتكز عليه المبدعة وفاء الطبوبي في إنجاز مشاريع أعمالها المسرحية حيث تؤكد ” أختار الممثلين حسب مدى قدرتهم على الالتزام والتفرغ للمشروع، فالعمل يتطلب ستة ساعات يوميا ومن خمسة إلى ستة أشهر تدريب. كذلك يجب أن يكون للممثل ذو مؤهلات جسدية عالية وهذا غاليا ما لا يتوفر لدى الممثل العربي الذي يرتكز على قدسية النص اللفظي وليس الحركي” (4).
3. لوحة الهروب من الإطار/ سينوغرافيا أدائية
أكثر ما شدني في المنجز الفني موضوع الهروب الذي احالني على لوحة الرسام الإسباني بيرديل بوريل والموقعة باسم “الهروب من الإطار”. تدل اللوحة على شاب فقير يغادر إطار اللوحة وهو في حالة اندهاش وفزع وترقب. صمم الفتى، الهروب من وضع كبل وجوده وقيد حريته وقرر الخروج نحو أمكنة وفضاءات، تستوعب حريته وتسمح له بالتمرد ضد كل أشكال الضبط الاجتماعي وجل أنماط الهيمنة والخضوع.
كذلك عرض الهاربات، قدم سينوغرافيا (زهيدة وغير مبهرة ولامكان للممثل للاختباء وسط ديكور عملاق) بصرية تشكيلية وبلوحات تعبيرية وكوريغرافية بالجسد والرقص والموسيقي والركض والمشي في جميع الاتجاهات. لقد شكلت تلك اللوحات المعادة في جميع اتجاهات ضمن فضاء اللعب، جوهر الأفعال الأدائية والتجسيدية والتعبيرية لدى المشخصين، قصد مقاومة الهروب وإدانة كل الموانع الخفية والمتجلية التي توضع بعناية فائقة للحد من كسر جدران الصمت القاتل. بالرغم من قسوة الجوع والعطش وتعب المشي وتهاطل الأمطار وصخب السجالات العنيفة، قررت الجماعة المشاءة أن تستمر في ملحمة الهروب لتصل في نهاية الرحلة المؤقتة، بتصريح جماعي قوي صامت، عنوانه الأبرز، صوت دقات الأرجل المتناسقة والمتكررة بايقاعات جماعية منظمة، زمنيا، جسديا وتعبيريا كأنها جوقة حربية مستعدة للانطلاق. لتعلن للملأ، أن سلطة اللغة الكلامية، فقدت صدقها ومصداقيتها ولم يتبق سوى قوة الجسد ودلالاته الرمزية، لبدء رحلات جديدة في محطات منزوية، مكبلة بالمطبات في الطرقات ومسيجة بأكوام البلاستيك.
بالنسبة لي شكلت هذه اللوحة هجرة جماعية للثورة على كل الإطارات الصنمية التي رسختها القوانين والأعراف الخرساء وزكتها السلطة، لتجعل من المواطنين رعايا ومن الحقوق هبات وعطايا ومن مؤسسة السلطة آلة وصية ومهيمنة علي كل مفاصل المجتمع وفئاته الاجتماعية. ويبقى في الأخير، طرح هذه المقاربة الفكرية والفنية التي وضعت المرأة في موقع دال في سلطة العرض المسرحي. عنوان المنجز الفني بصيغة الجمع المؤنث وحضور مركزي للشخصية المؤنثة الفاعلة في مسارات الحكي والمحكي (خمسة نساء) في حين إختارت رجلا واحدا هو بدوره خاضع للظغط والقهر. هذا دفعني لطرح استفهامين حول الطرح الفكري والفني لعرض الهاربات:
– هل المحطة مقتصرة فقط على جمهرة من النساء وحضور رجل واحد مجرد مصادفة أم مبرر؟
– هل مبدعة العرض، أرادت أن تذكونا بأن موقع النساء في مجتمعاتنا ومؤسساتنا تهيمن عليها الثقافة الأبوية والسلطة الذكورية، المؤسسة على السيطرة وأرادت بذلك منح النساء مساحات شاسعة للكلام والفعل؟
في نظري، لم يفصح عرض الهاربات عن خطاب دوني أو تمييزي أو إقصائي اتجاه الرجل، مادام هو نفسه معرض للعنف والتهميش، بل جنح العرض لطرح ونقد كل القوالب التي حنطت المرأة وجردتها من إنسانيتها وحقوقها. هنا تحضر الكتابة والركح المسرحي باعتبارهما خطابين ثقافيين وفنيين، للجهر بالتحرر والانعتاق من الرقابة والتسلط والاغتراب والقطع مع فكر الوصاية والحجر والتسيد.
فالمرأة والرجل سيان في أفران التهميش ودقاق التيه دون تمييز”فالتمييز النوعي الجنسي بين الذكر والأنثى هو تمييز تركيبي مؤسساتي ثقافي وليس خاصية بيولجية طبيعية.”(5) على حد تعبير الناقدة الراحلة وطفاء حمادي.
طرح منجز الهاربات واقعا سياسيا ليس بالضرورة المجتمع التونسي بحد ذاته، هو في عقمه الفكري والثقافي، يعني مجتمعاتنا المعطوبة وارتكزت رؤيته الاخراجية وأبعاده الفنية من خلال خطاب جمالي واجتماعي، غارق في السخرية السوداء ونقد آليات منظومات متهالكة ومتحكمة في جل مفاصله. لم يقدم عرض الهاربات أجوبة لانتظاراتنا وبؤس قسوتها بل ترك لدينا أسئلة كبرى متفاعلة مع أوضاعنا وقضايانا الراهنة:
– كم يلزمنا من الوقت لاختراق شطئان الانتظار وكسر جليد الصمت الرهيب؟
– كم يلزمنا من القوة لهدم كل المطبات/ ظهور الحمير (Dos –Dane ) المبثوثة في الطرقات حتى لا تتوقف مشيتنا نحو التغيير المشترك؟
– كم يلزمنا من الجهد لإزلة أكوام البلاستيك التي كممت أفواهنا وخنقت أفواهنا وسطحت عقولنا؟
– كم يلزمنا من الركض الجماعي للوصول لنقطة العبور وتحقيق البعض من أحلامنا المنفلتة؟
مراجع معتمدة:
- وفاء طبوبي، نص مسرحية الهاربات (مرقون).
- الإخراج المسرحي العربي المعاصر: مسارات وتجارب، دار الفنون والآداب، البصرة العراق،2022.
- هشام بلهاشمي، الكتابة المسرحية العربية وأسئلة مابعد الكولونيالية، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة – سلسلة رقم 38- طنجة، 2016.
الهوامـش
(1): وفاء طبوبي، نص مسرحية الهاربات (مرقون)، اللوحة الأولى، ص.2.
(2): وفاء طبوبي، مرجع سابق، اللوحة السادسة، ص.ص.39-37.
(3): محمد سيف (وآخرون)، الإخراج المسرحي العربي المعاصر: مسارات وتجارب، دار الفنون والآداب، البصرة –العراق،2022، ص.77.
(4): محمد سيف (واخرون)، مرجع سابق،2022، ص.277.
(5): هشام بلهاشمي، الكتابة المسرحية العربية وأسئلة مابعد الكولونيالية، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة – سلسلة رقم 38- طنجة، 2016، ص.118.
* د. محمد أمين بنيوب/ كاتب وناقد مسرحي مغربي
ملاحظـــة: ورقة النقدية التطبيقية لمسرحية “الهاربات” من (تونس) إخراج (وفاء الطبوبي)، ضمن الدورة 16 للمهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالقاهرة – مصر- ما ين 10 و 16 يناير 2026 .



