المعادل المسموع (الحلقة الخامسة)/ الدكتور قيس عودة قاسم الكناني

المعادل المسموع بين الصورة الموسيقية والمكان المسرحي
ان تصوير المكان المسرحي يتعدى – بوصفنا متلقين – حدود الرؤية للمكان بعناصره الفيزيائية والهندسية الى المشاركة الحسية بمعنى ان المتلقي يعيش في تجربة الرؤية الفنية في حالة من التخيل الذهني الذي يفسر من خلاله الأحداث الدرامية ويجعلها في معادلة بين ما هو موجود _مرئي_ وما هو مسموع وعلى هذا النحو ممكن تصوير وفهم المكان الفني، وهذا ما يؤكد ان ” الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صوراً بصرية فحسب، بل تثير صوراً لها صلة بكل الإحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني ذاته”([1]) أي بمعنى ان الصورة الفنية هي معادل مسموع لعين المتلقي المسرحي واذنه, وتكون ذات تحليل مباشر بواسطة الإحساسات الذهنية التي من شانها ان تترجم ما تراه في خشبة المسرح، فهي تتعدى ان تكون وسيلة بصرية، بل انها تجمع قواها التخيلية وتجمع كل إدراكاتها التي تقترب من الصورة الطبيعية وبالتالي تنتج صورة حسية مماثلة ومتقاربة في صورة المكان للحدث الدرامي، وهذا ما يحدده براعة وقدرة الخيال الفني المتمثل في الرؤية الإخراجية او المبدع السينوغرافي الذي يرسم الصورة الفنية للمكان المسرحي، ويجعلها بصورة معادل مسموع من خلال توظيف الأبعاد الحسية لما لا وجود له الا بالوعي، وكذلك إضفاء صفة واقعية لما هو تخيلي تصويري حيث تتقارب مع الواقع بشكل افتراضي من خلال تمثيل الواقع الطبيعي بصورة افتراضية تخيلية.
ان التصوير والتخيل الافتراضي هو إيحاء لا نهائي يتجاوز الصور المرئية وان كانت معروضة كواقع عياني بوصفه- التصوير الفني – صورة فنية تمتاز بانها حصيلة اختيار وانتقاء للمادة المحسوسة التي تستمد وجودها الجمالي والفني من الطبيعة والحياة الإنسانية بغية تحقيق الإثارة والانفعال الجمالي.
لذلك فان وصف المكان او تخيله او تصويره لا يقتصر على إسقاط الصفات عليه او على بعض متعلقاته بشكل مباشر، بل من خلال توازن وتعادل الصورة سمعيا وصوريا من خلال الأفعال غير المباشرة كالأصوات البشرية والمؤثرات الصوتية والموسيقية، فأصوات الرعد التي نسمعها افتراضيا على خشبة المسرح تحيلنا الى ذلك المكان البعيد الذي يتدلى منه المطر أي بمعنى انها صورة سمعية معادلة لما تراه العين، وكذلك صوت الدبابة العسكرية او صوت المدافع يجعلنا نتخيل ونتصور مكان الحرب افتراضياً على خشبة المسرح، وكذلك الحال في الأماكن الرومانسية فربما تكون اللغة الديكورية في الحدث المسرحي تنحصر في حدود ثابتة المعنى والفهم، لذلك غالبا ما يستعين بعض المخرجين في خطابات صوتية بعيدة عن اللغة المباشرة (الحوار الكلامي) فيذهبون في اختيار موسيقى من الممكن ان تكون
معادل مسموع للصورة المرئية على خشبة المسرح وبالتالي تشكل هذه المعادلة بين ما هو مرئي وما هو مسموع صورة افتراضية للمكان نتحسسها ونتلمسها في سياق الأحداث الدرامية, تتعدى حيثيات الواقع او الكائن في الواقع لانها تحمل دلالات قد لا يصرح بها لكن تستشف وتدرك من خلال السياق العام للحدث الدرامي، فالحب مثلا قد لا يصرح به ولكن يمكن إدراكه من خلال أشكال موسيقية معينة، وكذلك الألم والفرح فانها تترجم من ما هو محسوس الى ما هو معقول ومدرك افتراضياً متخيلاً، وهنا تكمن براعة المبدع الجمالي في تغير هذه الأشكال الافتراضية للأمكنة الدرامية المتخيلة في العرض المسرحي لذلك فان هذا الفصل سيكون التركيز فيه على إمكانية الموسيقى في تصوير المكان الدرامي والكشف عن قدرة الموسيقى في إنتاج صورة افتراضية للمكان المسرحي، وسنركز على (اربع نماذج مسرحية) كان فيها دور الموسيقى تصويريا يعبر عن صورة المكان الافتراضية للعرض المسرحي لان تصوير المكان بالموسيقى لا يأتي بشكل مباشر وعياني، وإنما بشكل افتراضي تنتجه شفرات وإشارات المسارات اللحنية والإيقاعية التي تشكل المحور الأساسي في تكوين المكان المفترض.
الإحــالات:
[1])) حسن يوسف، جماليات المكان , ص16



