نصوص

نص مسرحي: “حين يتكلم التراب”/ تأليف : سجاد علاء

المكان: غرفة صغيرة ببيت قديم. على الطاولة:

– ساعة جيب متوقفة عند 3:07

– غصن زيتون ذابل في كوب ماء

– صورة مغطاة بقماش أسود

– حقيبة جلدية مهترئة

 

(المشهد الافتتاحي)

(الابن – شاب في العشرينات – يدخل ببطء، يمسح الغبار عن الساعة)

الابن : جئتك اليوم أيضاً يا ابي، وعدتك ألا أترك الغبار يتراكم على أسرارك (يعدل الغصن الذابل في الكوب) لا تقلق… ما زال حيًا.  مثلك.

الابن: (يجلس مقابل كرسي فارغ) كنت تضحك حين أقول لك: “سأكبر وأصير نسخة منك”. الآن… صرت أرتدي معطفك القديم لأشعر بالدفء (يشير إلى الحائط المتشقق) أتذكر يوم كسرت الجدار بالشاكوش؟

صرختَ: “هذا ليس بيتًا… وطن صغير!”

قلت لك: “الوطن لا ينكسر”

وأنت قهقهت: “لأننا نحن من نحميه”.

الابن: (يلمس الساعة) هذه الساعة… توقفت يوم رحيلك.

كنت تقول: “الوقت لا يموت… ينتظر الشجعان”.

(صوت عاصفة خفيفة بالخلفية)

ما زلت أسمع خطواتك تحت المطر… في تلك الليلة… قبل أن ترحل فجأة.

الابن: (يقتربمن الصورة المغطاة)  أخبروني: “دعه يرحل بسلام”. لكن كيف أرحلك وأنت حاضر؟  في رائحة القهوة الصباحية… في صمتك الذي يملأ الغرفة كالضباب. في كِتابٍ تُقلّبُ أوراقَه بلا انتباه.. في ظلٍّ يَمُدُّ نفسه على الجدارْ، كَأنّك تُلوّحُ لي مِن بعيدْ!  حتّى المطرُ..  يَنسابُ على الزجاج كَأنّه يَكتُبُ اسمَكَ.. فكيف أُمسحُه؟ قد طال الانتظار يا ابي

(تسجيل صوتي مفاجئ بصوت الأب):  لوحة خيال الظل الحرب مع التسجيل الصوتي

لا تنتظرني طويلاً… وإذا تأخرت، افتح الحقيبة .

الابن: (يرتجف) كل يوم أفتحها…ولا أجدُ سوى ترابٍ أحمر (يخرج قبضة من التراب من الحقيبة) لماذا تركت لي هذا؟  هل هي نكتتك الأخيرة؟

(الكشف الدرامي)

(الابن ينهض بغضب، يرفع القماش عن الصورة فجأة… الصورة: الأب بزي عسكري، عليها إطار أسود ووسام)  

الابن : هذه… أول مرة أرى فيها صورتك كاملة…يا ليتني لم ألمسها… يا ليتني بقيتُ بعيدًا كما كنت!”

(يمسك الصورة بكلتا يديه، ينظر إليها كما لو كان يخاطب الأب مباشرةً)

الابن: أخبروني أنك سافرت!

قالوا: سيعود حين تهدأ العاصفة…

لكن العاصفة هدأت منذ سنوات!”  وانت لم تعد يا أبي

(يمسك الحقيبة العسكرية، يقلبها رأسًا على عقب فيسقط منها تراب احمر يتطاير فوق الصورة. صوته يمتزج بالبكاء والغضب)

الابن:حملوك على الأكتاف… ورموا فوقك هذا التراب!  أبي …. أمي تركتني وحيداً يا أبي، بقيت وحيداً يا أبي، عانيت وحيداً يا أبي (يهدأ الابن ويمسح دموعه) حقيبتك عادت من المعركة…وكل ما فيها… تراب ساحة الشرف!”

(تسجيل أخير بصوت الأب – مع صدى كأنه من تحت التراب):

  • 🎧*”التراب… يا ولدي… لسان الأرض… إذا تكلم… فاقرأه كتاب شهداء”*

( اضافة تدخل شخصيتان )

الشخصية الأولى: “المرأة الغامضة”

(تدخل فجأة – ترتدي عباءة سوداء)

المرأة: (تلتقط حفنة تراب من الأرض) من قال لك إنه مات؟ انه حي

الابن : هذا تراب قبره !

المرأة : هذا تراب سجن لا قبر!

الابن : وهذه ساعته .

المرأة : (تشير للساعة) توقفت عند 3:07 هذا وقت زيارته في الزنزانة 307.

الابن: (مرتجفًا) لكن الوسام… الجنازة…

المرأة: الأوسمة تُمنح للأحياء أيضًا!  أباك حصل على الكثير من الأوسمة وهو يقاتل (تضع مغلفًا أصفر على الطاولة) إحداثيات السجن… إن أردت الحقيقة. (تخرج بسرعة قبل أن يسألها)

 (صدمة الابن)

الابن: (يفتح المغلف ولا يجد فيه شيئاً )

تدخل الشخصية الثانية: “الجندي العجوز”

(يدخل وهو يعرج – يحمل حقيبة مماثلة)

الجندي: (يركل المغلف الأصفر بيده ) كفاك أوهامًا! أبوك شهيد…وأنا من غطّى جسده بالتراب.(يرمي حفنة تراب أحمر من حقيبته) انظر الى هذا التراب الممزوج بدم أبيك ورفاقه في ساحة الحرب الا يشبه ترابك هذا؟

الابن : لكن المرأة قالت ..

الجندي: (يقاطعه بعنف) تلك المراة هي امك

الابن : ( بصدمه ) أمي ؟

الجندي : امك التي عاشت وحيدة مع طفلها على أمل عودة أبيك، بعد ان أشتد بها الجوع والحرمان كانت عودة ابيك هو املها الوحيد .

الابن : وكيف جنت أمي ؟

الجندي :  جنت عندما شاهدت موت أبيك، وهي الان تخترع الأكاذيب كي لا تواجه الحقيقة.  الم تلاحظ ان المغلف فارغ؟(يضع وسامًا دمويًا على الطاولة) وهذا هو وسامه الأخير…

الابن : من اين حصلت على هذا ؟

الجندي : أخذته من صدره قبل دفنه.

(الانهيار)

الابن: (يتأرجح بين الوسام والمغلف) أمي أم جنازته… سجن أم قبر…(يضرب الحائط بقبضة التراب) أي تراب أصدق؟! لماذا تركتني يا أبي؟ ( بصراخ )

صوت الإمام الحسين: (صدى) ( الموتُ خيرٌ من ركوب العار.. والعارُ خيرٌ من دخول النار )

( ثم يلتفت فجأة نحو الجمهور – وكأنه يخاطب أمه الغائبة – بصوت مليء بالاتهام )

الابن: (عتابًا للأم) “أما أنتِ يا أمي…أين كنتِ حين احتجتُ أنا إليكِ؟ اخترتِ أن تهربي إلى جنونك..تركتِ جرحه ينزف في صدرك، وتركته يلتهمني أنا أيضًا!” (يقترب من الصورة كما لو كان يحاور الأب، ثم يدير ظهره فجأة)“لو كنتِ بقيتِ معي…لكان وجهه في عينيكِ خيرٌ من ألف صورة! لكان حضنكِ يروي ظمأً لم يُروَ منذ رحيله! لكنكِ…(يرمي حفنة من التراب في الهواء)  صرتِ مثل هذا التراب… بين أصابعي!”

( يدخل الجندي مسرعاً )

الجندي: ما ذنب أمك أنت لم ترى ما رأته عينيها ساعتها..لم ترى أشلاء أبيك تتناثر فوق رأسها وهي جالسه لا طاقه لها على الوقوف تتمسك بجزمة أبيك العسكرية تحاول مرارا أن تصل الى رأس أبيك المركون في الزاوية حيث نظرة عينه اتجاها كانه يلوح لها بالرحيل وهي تصرخ تصرخ إلى أن جنت وهذا حالها ما ذنبها كي تحملها فوق حزنها وفقدانها

الابن : ( بحزن )  لأنها تركتني وحيداً .

الجندي : تلك الاصوات مازالت عالقه في ذهني

  • خويه ما شفت بنيه صغيره لابسه تراجي

خوية ابني طلع من الصبح للموكب ولسه ما رجع ناس مخبوصه واحد يصرخ واحد يبجي واحد نايم فوك ابو ورجال شايل بنته بلا رجلين ويفتر يدور ويصيح ولكم اسعاااف

الناس راح تموت الدم تارس الكاااااع.

( يخرج الجندي )

 

المشهد النهائي: (التراب يتكلم أخيرًا)

(الابن يخلط تراب الحقيبتين في إناء زجاجي)

الابن: حين يتكلم التراب…يصرخ تناقضًا!

(يسكب الماء على الخليط…يتشكل وجه الأب .. يرتدي الزي العسكري…)

صوت الأب: (صدى مزدوج) أنا لستُ واحدًا..أنا صوتٌ من تحت تراب الطفّ..وشهيدٌ يكتب وصيته بدم العصر

(الابن يحطم الإناء بمعطف الأب القديم)

الابن: (بهدوء مميت)  لقد وعدت أبي أن لا أترك الصلاة.

( يدخل الجندي مجدداً وينظر للابن، يلتقيان في وسط وسط المسرح عند الطاولة )

الابن : ما الذي تريده مني ؟

الجندي : ليس أنا بل أبيك .

الابن : وما يريد أبي ؟

الجندي : أن لا تترك أمك .

( ينظر الابن لأمه خلف السايك الابيض )

الابن : الحقيقة تراب…يغيّر شكله حسب حامل القبضة.

(يغطي الصورة بالقُماش الأسود مجددًا…ويضع فوقه غصن الزيتون الذابل)

(الابن ينهار على الكرسي، يحتضن الحقيبة الفارغة ، ويذهب لامه )

النهايـــــــــــــــة

 

 

Related Articles

Back to top button