كتاب الخميس (الحلقة التاسعة والخمسون) / عرض وقراءة: د. حيدر علي الأسدي

**************
الفقراء يمزقهم المطر : قراءة إحصائية في المجموعة المسرحية ( مطرٌ يابس) لجاسم المنصوري
المجموعة المسرحية (مطرٌ يابس) للكاتب والشاعر البصري (جاسم المنصوري) والصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع في العراق 2025 وضمت بطياتها ثمان مسرحيات ومن اجل تقديم قراءة مغايرة لهذه النصوص التي يبدو ان ثمة هاجس واحد يجمعها على مستوى الدلالات والموضوعات الرئيسة، واعني هنا قراءة نقدية إحصائية لما تشتمل عليه المجموعة المسرحية التي امتازت حواراتها بتشعير المفردة المسرحية لتتحول احياناً الى مفردة مشحونة بالطاقة العاطفية والشعرية وليس الدرامية وذلك بالارتكاز الى مبدأ مهم تستند له المسرحيات ذات الطابع الديني او التاريخي وهو ما جعلنا نخوض غمار قراءة مغايرة لمشهدية هذه المسرحية تقوم على امتداد نافذة نقدية واحدة وعلى شكل مشاهد:
أولا: الألوان ودلالتها :
(الستارة البيضاء/ الانارة/ الغربان/ الدماء/ الشمس/ ضوء احمر)
ثانيا: الثنائيات المتلازمة: (الضوء/ الظلام) ( هابيل/ قابيل) (القاتل/ المقتول) ( الحزن/ الفرح) (الخير/ الشر) (الولادة/ الموت) (الحرب/ السلام).
ثالثا: التجريب في شخوص المسرحية (صوت/ فتاة/ صوت نسائي/ الفتاة/ الرجل المسخ/ القاضي/ مجموعة من الممثلين/ ممثل1/ ممثل2/ الفلاح / الصوت….)
رابعا: هيمنة الأجواء السوداوية (مليء بصوت القهر/ الصمت/ الحرقة/ البكاء/ المر/ الجوع/ العوز/ الخوف/ الوجع/ الحروب/ همومنا/ زمن التفاهة والفجيعة والقهر/ ماكينة الجوع/ هموم الدنيا/ قهر الغربة/ المقبرة/ ظلم الناس/ الجدار المثلوم/ حزن النساء/ القضبان تخنقني / ملطختين بالدماء/ الصخرة الكئيبة/ الصدأ/ الهزيمة/ الخذلان/ المسخ/ زمن الفجيعة).
خامساً: الظواهر الطبيعية والطبيعة النباتية: (الهواء/ الضوء/ المطر/ البرق/ السماء/ شفق احمر/ الطين الأسمر/ أشجار الياس/ اغصان الشجر/ فسيلة نخل صغيرة/ سنابل القمح/ غصن اصفر/ الشجرة/ الصبح / الأوراق الصفراء/ الطوفان/ النهر….)
سادساً: لغة الحوار المسرحي (بعض الحوارات اقتربت من لغة السرد اكثر من الدراما وسادت بعض الحوارات المطولة التي تقترب من لغة الوصف السردي الارشادي / ص22)
سابعا: رمزية الحيوانات ( العصفور/ الغربان/ الخيل/ كلاب برية مفترسة) .
ثامناً: الاحالات الدينية والتاريخية (المجموعة حافلة بالإحالات الدينية والتاريخية لان اغلب ان لم تك اغلب مسرحيات المجموعة من نفس الطابع التاريخي المدون في المأثور العربي والديني)
تاسعا: تحولات الأرض وهيمنة المفردة على نصوص المجموعة.

وعلى وفق المعطى الفكري والجمالي المتجسد باللغة المسرحية في مجموعة جاسم المنصوري فان الإحصاء النقدي يقدم هذه البيانات في المختبر النقدي القائم على قراءة المضمرات اللا شعورية في المنحى (السيكولوجي/ والسيسولوجي) التي اثرت النصوص بهذه المعطيات من خلال تدويرها على امتداد المجموعة المسرحية ابتداء من العتبة الأولى ( مطر يابس) ولوحة الغلاف وليس مروراً بالعناوين الفرعية وتأثيث بيئة العرض وحتى طريقة النهايات المسرحية التي يفضلها الكاتب المسرحي جاسم المنصوري. والاحصاء النقدي عن المعطى اللغوي يحيلنا الى لغة الكاتب المسرحي جاسم المنصوري بوصفه شاعراً قبل ان يكون مسرحياً مما جعل المفردة الشعرية هي من تشحن المفردة المسرحية لديه وحتى في مطولاته الحوارية التي يسودها الوصف السردي وهذا لا يعني المباشرة الانشائية ابداً ، بل ان المفردة منسابة لديه ومتسقة مع الحوار المسرحي حتى وان كانت احياناً تسهم ببطىء الحدث الدرامي الذي يجب ان يكون ديناميكا متحركاً الى الامام الا انها تفرز لنا (ذوات الشخوص المسرحية) التي يصارع المنصوري من اجلها لتبان للعلن من خلال تدوينها على الورق او العرض العياني فيما بعد. والألوان هي بيئة لا شعورية يسودها مظاهر وتمثلات الخير والشر عالم النور والضياء وعوالم الحزن واليأس وهذه تارة تتجسد في المحيط الدائر للكاتب الذي عرف بدفاعه عن قضايا الانسان الكادح والمظلوم وتارة أخرى منصهرة في بيئة المسرحية الداخلية التي يرسمها الكاتب المسرحي بدقة عالية، اما المعطى المنطقي للثنائيات يتجسد في ذات (مؤلف وشخوص) باحثين عن نقد (واقع موضوعي خارجي) متناقض وهزيل ورث واحياناً ظالم وسوداوي فالثنائيات تتجسد من خلال (فعل إيجابي/ منطلق من ذات الكاتب) وفعل اخر سلبي يحاول الكاتب ان يرد عليه او يناقضه او يعريه ويحرض ضده ، ومثلما يسعى الكاتب المسرحي لنقد كل ما يمكن نقده من تناقضات الواقع الحالي من خلال الاستناد الى مرجعية تاريخية ودينية فهو لا يرى في اجترار هذا التاريخ سوى تبادل الأدوار والتحولات انما هي في الفعل الاجتماعي والسلوك الإنساني لا في الشخوص وحسب وهو يحاكم الظاهرة اكثر من الذوات وبالتالي يسعى الى ترميز شخوصه المسرحية لان مبتغاه التحول والتغيير من هذه الظاهرة والسلوك وان كانت صادرة من ذوات تاريخية مؤشرة ومدونة، وهيمنة الأجواء السوداوية الكئيبة لا يمكن تحليلها الا ضمن منطوقها السائد عبر البعد المادي والمعنوي من خلال سيطرة تلك المفردات وتدويرها على امتداد المجموعة المسرحية والتي اشرنا لها ضمن المعطى وهو ما يؤشر مهيمنات لا شعورية على الكاتب اولاً وعلى البيئة المحيطة التي تشكل انساق الكاتب ومرجعياته بما تشمل هذه البيئة من ثقافات ورؤى وتحولات ضمن واقع المؤلف (البيئي/ الثقافي/ الاجتماعي/ الديني / السياسي) مما يوحي الى عدم رضا ونقد مستمر من المؤلف لكل تلك الظواهر التي كانت مهيمنات مركزية في مسرحيات مجموعته بل واحياناً المواجهة والتعرية والتحريض ضد كل تلك المظاهر وان كانت غير معلنة او بطريقة رمزية سيما تلك النصوص التي يوحي المؤلف من دلالاتها بالإسقاط (من التاريخ/ للحاضر الراهن) وهذا المعطى يتجسر مع المعطى الطبيعي بالموارد والحياة الطبيعية التي تغطى (المحيط المادي/ المعنى الرمزي) في تلك النصوص المسرحية وحضورها يشيء بالقلق وعدم السكينة والمحاولة المستمرة لأثبات الذات او الرد على الاخر او مواجهة الاخر بقوة الوجود وفقاً لكل تلك المحيطات التي تصنع المشهد الحقيقي لحيوات شخوص المنصوري، وفي معطى رمزية الحيوانات ثمة حضور (الصفور/ الحرية وتحولاتها) ( الغربان/ رمزية الشر وتفرعاتها) ( الخيل/ الاصالة والهيبة والشجاعة وثبات الموقف والقوة والصلابة) (كلاب برية مفترسة/ إحالة الى السيئين من اشباههم من بني الشر). اما رسوخ المدون الديني والتاريخي لان جاسم المنصوري عرف عليه التميز بالكتابة في هذا المجال وله مشاركات واسعة في المسرحيات ذات الطابع الديني (المسرح الحسيني….) اما الأرض وتحولاتها فتارة هي الوجود والوطن/ وأخرى هي العذاب وارض المعاناة ولكن تبقى هذه الأرض احياناً تمتاز بالنقاء فيشير لذلك المؤلف ضمن سياق مدلولاتها في الحوار المسرحي وأخرى يحاول ان يجعلها بيئة شاسعة لعذابات الانسان فيستعرض امامها ما يجري لهذا الانسان المعذب في هذه الأرض، انها شاهد عيان على كل هذه التحولات التي قدمها المؤلف جاسم المنصوري في مجموعته المسرحية هذه والتي تستحق الإشادة والقراءة النقدية من جوانب مختلفة.
** الدكتور حيدر علي الاسدي/ ناقد وأكاديمي




