عطيل.. وبعد”: تحولات دراماتورجية من منظور الجنوب/ خالد أمين

الأم
عطيل لا يموت.. أبدا لا يموت..
كان لابد أن تنظر إلى وجهك في المرآة..
حسبتك كبرت.. ظننتك لا تنسى..
بيني وبينك عهد وميثاق يا عطيل..
(عطيل.. وبعد، ص. 10)(1)

تُمثل رحلة مسرحيات شكسبير على خشبات المسرح العربي، في الماضي والحاضر، مرآةً عاكسة لإعادة ابتكار الذات في خضم عالم مضطرب، إذ لم تعد هذه التفاعلات مجرد مقاومة لـ “أقنعة الاختلاف” الغربية، أو مجرد كتابة رافضة لـ ‘متلازمة بروسبيرو- كاليبان’ ضمن الانفعالات ما بعد الكولونيالية المبكرة، التي اتسمت بتقويض الغرب والمطالبة بإعادة عطيل إلى أصوله الأطلسية، كما تجلى في مسرحية “عطيل والخيل والبارود” للكاتب المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد. بل، ومنذ أواخر الستينات، تحولت هذه التجاذبات مع النصوص الشكسبيرية إلى استراتيجيات قوية لإعادة النظر في ديناميكيات السلطة ضمن السياق العربي.
فقد تجلت تحولات هاملت العربي، على سبيل المثال لا الحصر، في تركيز متزايد على الاستبداد، مع اضمحلال أحلام الوحدة العربية وولادة الأنظمة الشمولية. وبذلك، غدت شخصية هاملت عاجزة عن التعبير، وغير قادرة على إصلاح العالم “المقلوب” من حولها، على حد تعبير مارغريت ليتفين في عملها الرائد “رحلة هاملت العربية: أمير شكسبير وشبح عبد الناصر” (2). فقد تحولت تمظهرات هاملت العربية إلى طقوس تمكين تغذيها أيديولوجية موحدة وثقافة مضادة مكتملة النمو، وشديدة الحساسية للوحدة العربية التي برزت بوصفها عملية تجديد مؤلمة نشأت من رحم الصراع ما بعد الكولونيالي المتأثر بالتصنيف القسري والتطلعات المتضاربة لمستقبل أفضل لمابعد المستعمرة. وهكذا، تحول هاملت إلى بطل محبط يغمره الذنب والحزن وعدم اليقين، لكنه أكثر غضبًا؛ فسعيه الشرس للعدالة لا يترك مجالًا للتأمل أو الشك، كما تبين في تجارب فنية معاصرة مثل “أوفيليا لم تمت” للمغربي نبيل لحلو (1968) و”انسوا هاملت” للعراقي جواد الأسدي (1994) (3)، مما يؤكد أن المسرح العربي المعاصر، من خلال شكسبير، لا يعيد إنتاج النصوص فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي الجمعي ويفتح آفاقًا جديدة لفهم تحديات الهوية والسلطة في عالمنا الراهن.
ففي خضم الأزمات السياسية التي تلت نكسة عام 1967، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة التراث المسرحي العالمي ليعكس الواقع العربي المأزوم، فكانت مسرحيتا “أوفيليا لم تمت” و”انسوا هاملت” تجربتين فارقتين في إعادة كتابة تراجيديا شكسبير، محولتين إياها من نص كلاسيكي إلى بيان فني وسياسي غاضب. تمثل مسرحية لحلو، التي ظهرت في سياق “سنوات الرصاص” بالمغرب وتأثرت بأجواء باريس الطلابية الثورية، تفكيكًا جذريًا للبنية الشكسبيرية؛ فمن خلال حصر الصراع بين شخصيتي هاملت وماكبث المشلولتين على خشبة مسرح هي في آن واحد غرفة وسجن ومستشفى، يحوّل لحلو “مصيدة الفئران” من مجرد حيلة لكشف الحقيقة إلى سؤال وجودي حول جدوى المسرح نفسه في فضاء سياسي قمعي. إن هاملت لحلو هو “هاملت عربي ما بعد بطولي”، فنان محبط ومهمش، شلله الجسدي يعكس عجزه عن الفعل في عالم لا يتسامح مع الاختلاف، ولغته الفاحشة والممزوجة بالعامية تكسر قدسية النص الأصلي لتعبر عن وحشية الواقع وعبثيته. على صعيد آخر، يقدم جواد الأسدي في “انسوا هاملت” قراءة مسيّسة بشكل مباشر، حيث تصبح المأساة الدنماركية استعارة لنظام صدام حسين الديكتاتوري. ينطلق الأسدي من حبكة شكسبير لكنه يعيد توزيع الأدوار، مانحًا أوفيليا دور الشاهد على الجريمة الأولى، ومحولًا كلوديوس إلى مركز الشر المطلق، “الجزار” و”البربري” الذي يجب استئصاله. بينما يركز لحلو على المأزق الداخلي للفنان المثقف وعجزه، يتجه الأسدي نحو فضح وحشية السلطة السياسية وتجسيدها في شخصية طاغية. وهكذا، فإن كلتا التجربتين، رغم اختلاف سياقاتهما، تشتركان في تفكيك الأصل الشكسبيري وتوظيفه كأداة نقدية حادة؛ فـ “أوفيليا لم تمت” تستبطن الأزمة لتحولها إلى مأساة ذاتية حول الفعل المسرحي المستحيل، في حين أن “انسوا هاملت” تسقطها على واقع سياسي خارجي لتصبح صرخة احتجاج ضد الاستبداد.
في هذا السياق، تُعد مسرحية “عطيل.. وبعد” للمخرج التونسي حمادي الوهايبي، بنص بوكثير دومة، وإنتاج المركز الثقافي الدولي بالحمامات في تونس، إضافة مفصلية لتعاطي المسرحي العربي المعاصر مع “عطيل” شيكسبير. يمثل هذا العمل استجابة فنية وفكرية عميقة ودعوة ملحة لإعادة قراءة كلاسيكية عالمية، وهي مسرحية “عطيل”، لكن من منظور مغاير ينبع من “جنوب الحداثة”. لا يقتصر هذا التوجه على مجرد مراجعة تاريخية، بل يمتد ليشمل إعادة تقييم شاملة للذات في مواجهة الآخر، مما يعكس حيوية المشهد المسرحي العربي وقدرته على التفاعل النقدي مع التراث العالمي. ويأتي هذا الإنتاج أيضاً في سياق احتفالي بمرور ستين عاماً على تأسيس المسرح الدولي بالحمامات، مما يضفي بعداً تاريخياً على مسيرة المسرح في المنطقة ويعزز مكانته من حيث هو فضاء للحوار الفكري والفني.
يتأطر هذا التحليل ضمن الأفق الديكولونيالي، مع تركيز خاص على مفهوم “جنوب الحداثة” و”التناسج الطوعي المبتكر”. تهدف المسرحية إلى مساءلة السرديات المهيمنة التي شكلت وعينا وهويتنا، وهي دعوة تتجاوز حدود المراجعة السطحية لتغوص في أعماق الأنساق المعرفية والثقافية المضمرة. يمثل “جنوب الحداثة” هنا منظوراً نقدياً يقوض المركزية الغربية والنظرة الأحادية للعالم، ويسعى إلى إعادة الاعتبار للمعرفة والجماليات والتواريخ المنبثقة من الجنوب العالمي. يؤكد هذا المنظور أن الحداثة ليست ظاهرة غربية خالصة ولا ينبغي لها أن تكون كذلك رغم نشأتها الأوروبية، بل هي متعددة الأوجه ومتشابكة مع تجارب الجنوب، مما يفتح آفاقاً لفهم أوسع وأكثر شمولية للحداثة/الكولونيالية وما ترتب عنها من حداثات ديكولونيالية.
تكمن أهمية هذا العمل، إذن، في إعادة قراءة النصوص الكلاسيكية من منظور مغاير، وفي نقد فكرة أن التاريخ يُكتب دائماً من وجهة نظر المنتصر، وضرورة البحث عن “حقيقة أخرى غير معلنة” تكمن خلف السرديات الرسمية والمهيمنة. إن المسرحية، بهذا المعنى، تُعد فعلاً مقاوماً معرفياً وفنياً ضد المصفوفة الكولونيالية للسلطة Colonial Matrix of Power التي لا تزال تؤثر على وعينا وتصوراتنا حتى بعد الاستقلال السياسي، مما يشكل تحدياً جذرياً للبنى العميقة للهيمنة الثقافية والمعرفية. تبدأ مسرحية “عطيل.. وبعد” من اللحظة الحاسمة التي يهم فيها عطيل بقتل زوجته ديدمونة، وهي نهاية مأساوية في النص الشكسبيري الأصلي: (أقتلك الآن.. أتخلّص منك ومن نفسي المطعونة..). هذه اللحظة، التي تمثل ذروة السقطة التراجيدية، تُتخذ هنا نقطة انطلاق لتفكيكها وإعادة بنائها من منظور ديكولونيالي. يتدخل عنصر جديد ومفاجئ، وهو شخصية الأم، ليوقف هذا المسار التراجيدي، ويمنع عملية القتل، ويدعو عطيل إلى “إعادة صياغة الحكاية” من جديد، وكأننا إزاء عملية إعادة الكتابة من جديد:
الأم: ليس فينا من يقتل النساء يا عطيل..
عطيل: أسرتني يا أمي.. سجنتني ثم لفتني بالسواد..
الأم: حفيدك ظل في السجن سبعة وعشرين عاما وما فكر مثلك في القتل أو في الانتحار (عطيل.. وبعد، ص، 11)
والحفيد هنا ترميز مكثف لرجل إفريقي نذر حياته من أجل كرامة السود وهو نيلسون مانديلا الذي سجن لمدة سبعة وعشرين عامًا، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد في عام 1964 بسبب نشاطه ضد نظام الفصل العنصري، وأطلق سراحه في عام 1990. لقد كان نهج مانديلا السياسي في التعايش مع أعدائه السابقين تجسيدًا تحويليًا للمصالحة بدلًا من الانتقام، وقد صيغ بإيمان لا يتزعزع بقوة الصفح لبناء أمة موحدة. لقد عبر عن هذا الاقتناع العميق ببراعة، قائلًا: “الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام.” كما وجهت هذه الفلسفة كل أفعاله، من مشاركته النشطة مع مضطهديه السابقين إلى دفاعه عن لجنة الحقيقة والمصالحة، وكل ذلك كان يهدف إلى تضميد الجراح العميقة للفصل العنصري وبناء جنوب إفريقيا ديمقراطية حيث يمكن لجميع المواطنين التعايش بسلام ومساواة.
إن نهج نيلسون مانديلا السياسي في التعايش مع جلاديه يمثل تجسيدًا تحويليًا للمصالحة بدلًا من الانتقام، وهو خيار ديكولونيالي ينبع من فلسفتي الأوبونتو والعيش الطيب (4). هنا، تتأسس الهوية الإنسانية في نسيج الجماعة الوجودي، حيث “أنا كائنٌ لأننا موجودون معا”، مما جعله يرفض منطق الانتقام ويتبنى مسلك المصالحة. وقد تجسد هذا في إيمانه الراسخ بقوة الصفح لبناء أمة موحدة، معبرًا عن ذلك بقوله: “الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام”. كما أن أفعاله، من مشاركته النشطة مع مضطهديه السابقين إلى دفاعه عن لجنة الحقيقة والمصالحة، كانت موجهة من هذه الفلسفة التي سعت لتضميد جراح الفصل العنصري وبناء جنوب أفريقيا ديمقراطية حيث يمكن لجميع المواطنين التعايش بسلام ومساواة. وبهذا، تجاوز مانديلا القطيعة التي كرستها الحداثة التنموية، مُحققًا ما يسميه بوافنتورا دي سوزا سانتوس “إيكولوجيا المعارف” الذي يرى أن أي تحرر حقيقي لا يكتمل إلا بتحرير أنماط الفهم والوجود نفسها من القوالب الضيقة. لقد كان هذا النهج مثالًا على كيفية تحويل الصراع إلى فرصة لإعادة صياغة الروابط الإنسانية والمجتمعية على أسس من التضامن، وإعادة صياغة معنى “الثراء الوجودي” بعيدًا عن التراكم الأناني، نحو الازدهار العلائقي الإنساني والبيئي.
يكتسي استحضار رمزية نيلسون مانديلا في المسرحية أهمية بالغة، تنبع من حمولتها العميقة المرتبطة بمقاومة الاضطهاد واتباع طريق المصالحة ونبذ العنف. لم تكن مصالحة مانديلا مجرد تسوية سطحية، بل كانت مبنية على أسس متينة من تقبل الآخر والتعايش معه دون كراهية. هذا النهج، الذي يجسد قمة الإنسانية، سيتضح جليًا في المسرحية من خلال فك ارتباط شخصية عطيل مع فكرة الانتقام وسعيه الحثيث نحو إيجاد السبل المشتركة مع الآخر. إن تلقيح فكرة شخصية عطيل، المتيمة بالانتقام في جوهرها الأصلي، بفلسفة مانديلا، سيخلق تباينًا دراميًا غنيًا يبرز التحول من الكراهية إلى التفاهم، ومن الصراع إلى التعايش. هذا التحول ليس مجرد تغيير في مسار الأحداث، بل هو دعوة عميقة للتأمل في قوة المصالحة وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات. ستصبح المسرحية بذلك ليست مجرد عمل فني، بل منارة تنير درب الحوار والتسامح في عالمنا المعاصر.
ويمثل تدخل الأم، منذ بداية العرض، قطيعة مع الحتمية الدرامية الغربية ويفتح الباب أمام سرد جديد ومختلف عما هو موجود في المسرحية الأصلية. تمثل الأم الحكمة الأصيلة، وصوت التراث والذاكرة الجمعية، وتدخلها يكسر المنطق الغربي التراجيدي. هي تجسيد لـ «تحويل جغرافية العقل والحواس” من منظور الجنوب، حيث تكسر السردية العقلانية الغربية وتُعيد ربط عطيل بجذوره العاطفية والوجودية. أما العازف، فيرمز إلى “صورة عطيل الأخرى القادمة من أعماق إفريقيا”. وحضوره الحي مع الموسيقى (من تصميم وأداء الفنان زياد شقواي) يمثل بعداً حسياً عميقاً يتجاوز السرد اللفظي، ويعيد ربط عطيل بأصوله الأفريقية، متجاوزاً الأطر الفكرية الغربية ويؤكد أدائية المعرفة الحسية غير الغربية.
تنطلق بعد ذلك رحلة عطيل في البحث عن ياغو والشخصيات الأخرى التي دفعته للقتل، مثل كاسيو، وإيميليا، ورودريغو. يهدف عطيل من خلال هذه الرحلة إلى تقديم “صورة مغايرة” له تتجاوز النمطية الشكسبيرية. ينتهي العمل باكتشاف حمل ديدمونة و”ثورة إيميليا”، مع دعوة صريحة للسلام، والتعايش، وتطهير الشخصيات من الحقد والكراهية حيث “تتوقف الطريق وتتشابه السبل”. تتناقض هذه النهاية المتفائلة جذرياً مع النهاية المأساوية الأصلية، وتقدم رؤية جديدة لمستقبل يتجاوز دائرة الانتقام والدمار. وتتجسد الرؤية الديكولونيالية للمسرحية في مجموعة من التحولات الدراماتورجية الجوهرية التي تطول الشخصيات الرئيسية ومصائرها، مثل حمل ديدمونة وتدخل الأم غير الموجودة في النص الشكسبيري الأصلي، مما يجعل ظهورها إضافة دراماتورجية جذرية. تُقدم الأم باعتبارها صوتا للحكمة الأصيلة وللماضي، محاولة إيقاف عطيل عن غيه. يكسر هذا التدخل مسار التراجيديا الشكسبيرية ويمنع موت ديدمونة، موجها عطيل نحو “إعادة صياغة الحكاية”. إن الأم تذكره بأصوله وقيمه التي يبدو أنه قد نسيها جراء اندفاعه للدفاع عن الثغور الغربية، وتكشف أن “الحب الذي صنعه الآخرون لعطيل كان بهدف استعباده”، مما يثير قضية التبعية المعرفية والعاطفية.
في صميم مأساة “عطيل” الشكسبيرية، تبرز شخصية الأم، وإن كانت غائبة جسديًا، كنبعٍ أسطوري يغذي جوهر هويته المتقلبة ومصيره المأسوي. إنها ليست مجرد إشارة عابرة، بل هي الحاضن الأول للرمزية التي ستعصف بحياة عطيل الزوجية وتدفعه نحو الهاوية: المنديل الأثير. يصف عطيل هذا الإرث بكلمات تحمل في طياتها عبق الغرابة وقوة الأساطير الشرقية، حين يقول لديدمونة في الفصل الثالث، المشهد الرابع:
عطيل: هذا المنديلُ
أهدتْهُ أميَ إياهُ امرأةٌ مصرية،
ساحرةٌ كانتْ، تكادُ تقرأُ
الأفكارَ. أخبرتها، ما دامَ معها،
سيجعلُها محبوبةً ويُخضِعُ أبي
تمامًا لحبها، لكنْ إنْ أضاعتْهُ
أو أهدتْهُ، فإن عينَ أبي
ستنفرُ منها وستطاردُ روحُه
أهواءً جديدة.” (الفصل الثالث، المشهد الرابع)
ليست هذه الكلمات من النص الشكسبيري الأصلي مجرد سرد لتاريخ قطعة قماش، بل هي استحضار لعالم عطيل المنفصل عن واقع البندقية الذي ألبسه الكاتب قناع العقلانية الأبولوني بلغة نيتشه. وتمثل والدته، بصفاتها ‘الساحرة’ وقدرتها على ‘قراءة الأفكار’، تجسيدًا لإرثه الشرقي الغامض، الموشوم بالقوى الخارقة التي لا يدركها العالم الغربي. فالمنديل، المُغرق في دماء ‘المومياء’ والمنسوج بخيوط دودة القز ‘المقدسة’ على يد ‘كاهنة’، ليس مجرد رمز للوفاء الزوجي في نظر عطيل فحسب، بل هو تميمة قوية تربطه بجذوره ‘البدائية’، تلك الجذور التي تمنحه قوة غريبة في عينيه، لكنه أيضًا لا يستطيع أن يدركها بالكامل أو يتحكم فيها. وهنا تكمن المفارقة المأساوية؛ فبينما يرى عطيل في المنديل حاميا للحُب ورابطًا مُقدسًا، يصبح في يد ياغو أداةً شيطانية تُمثّل ‘البرهان القاطع’ لـ ‘خيانة’ ديدمونة. إن إقحام شخصية الأم بهذه الصفات ‘المصرية’ و’الساحرة’ يضاعف من ‘غرابة’ عطيل، ويُسلّط الضوء على هويته المزدوجة بوصفه قائدا عسكريا مُبجّلا في البندقية، و’موريّا’ غريب الجذور في أعماقه. كما يتضح أن عطيل اعتنق المسيحية، على الرغم من أن شكسبير لا يذكر ذلك صراحة في جملة واحدة. تدل إشارات متعددة في المسرحية إلى ذلك، أبرزها تلميحات ياغو إلى معموديته، ودوره كقائد في الجيش البندقي ضد الأتراك، واستخدامه المتكرر لمفاهيم وأخلاقيات المسيحية في خطابه. إنها تذكير دائم بأن عطيل، رغم مكانته، يحمل داخله عالمًا آخر، عالمًا يُمكن أن يُستغل ضدّه في سياق يُخشى فيه ‘الآخر’ ويُساء فهمه، مما يجعل المنديل، بإرثه الروحاني الغريب، الحجر الذي يُقلب به عرش حبه وثقته، ويدفعه نحو نهايته المأساوية في النص الشكسبيري.
يمثل تدخل الأم في “عطيل.. وبعد” إرباكاً للحتمية التراجيدية الغربية، إذ كانت كلماتها حاسمة منذ ظهورها الأول: “كن سيدا أيها الشقي..“. فمسرحية “عطيل” الأصلية تبلغ ذروتها في مأساة لا مفر منها، وهي سمة مميزة للتقاليد الدرامية الغربية، فغالباً ما تُقهر فاعلية الفرد على يد القدر أو العيوب القاتلة التي يحملها البطل التراجيدي في جيناته. في “عطيل.. وبعد” يحمل تدخل الأم في طياته عنصر المفاجأة، ويحطم بشكل أساسي هذه السردية الحتمية. فمن خلال منع وفاة ديدمونة جسدياً، ترفض المسرحية صراحةً فكرة المصير المأساوي غير القابل للتغيير والمحدد مسبقاً عبر المسار التراجيدي للأحداث. يمثل هذا التدخل تحدياً مباشراً للمعيار الدرامي الغربي الذي يفرض نتيجة سردية محددة، خاصة لشخصية مثل عطيل، الذي غالباً ما يُصوَّر بوصفه ضحية لشكوكه وتلاعبات ياغو، مما يؤدي إلى سقوطه المحتوم. يمنح دور الأم قوة خارجية قوية تعيد تأكيد الأدائية وإمكانية وجود سرديات بديلة، وهو مبدأ ديكولونيالي أساسي يؤكد على تقرير المصير والقدرة على إعادة تشكيل القصة الخاصة بالفرد. يعكس هذا الخيار الدراماتورجي موقفاً فلسفياً أعمق: رفض سردية أحادية مفروضة (سواء كانت تاريخية غربية، أدبية، أو فلسفية) وتأكيد إمكانية إعادة كتابة تاريخ ومصير التابع من منظور ديكولونيالي. يشير هذا إلى أن “الجنوب” يمكنه استعادة أدائيته وفاعليته السردية وتشكيل مستقبله الخاص، بدلاً من أن يكون محصوراً في الأدوار المأساوية أو المسارات المحددة مسبقاً التي تفرضها القوى المهيمنة. إنه فعل أدائي للتحرر من قيد السردية المهيمنة.
وعلى عكس النص الأصلي حيث تموت ديدمونة على يد عطيل، هنا تنجو ديدمونة من محاولة الخنق. والأهم من ذلك، يتم الكشف عن حملها من عطيل. ويمثل حمل ديدمونة رمزاً للأمل في مستقبل جديد يتجاوز الصراع والدمار. إنه يغير دوافع عطيل من الانتقام إلى حماية ابنه، مما يدفعه إلى البحث عن الحقيقة ومواجهة ياغو، رافضاً “أن يكون محل شفقة أو أن تُكتب عنه قصص تراجيدية”. هذا التحول يجعله يتجاوز فكرة الانتقام الشخصي إلى البحث عن الحقيقة ومواجهة المتآمرين: “أين رأس الأفعى…؟ أين شيطان الشمال اللعين…؟ أخرجيه من جحره يا إيميليا.. أخرجي لي ياغو..” (ص. 26) إن نجاة ديدمونة وحملها يمثلان رمزية للولادة الجديدة وتجاوز “الجرح الكولونيالي”. فبقاء ديدمونة على قيد الحياة وحملها لا يمثلان مجرد أدوات حبكة؛ بل هما عملان رمزيان عميقان يتعارضان بشكل مباشر مع النهاية المأساوية. ويمثل الطفل الذي تحمله جيلاً جديداً، ومستقبلاً غير ملوث بالعنف والتلاعب والقوالب النمطية العرقية للماضي. في الفكر الديكولونيالي، يشير “الجرح الكولونيالي” إلى الضرر النفسي والثقافي والوجودي العميق الذي تسببه اللقاءات الاستعمارية. ومن خلال السماح لديدمونة بالعيش والحمل، تقترح المسرحية عملية شفاء وتجديد، وانفصالاً عن التدمير الدوري المرتبط غالباً بالإرث الاستعماري. يشير تحول عطيل من الغضب القاتل إلى الأبوة الحامية، إلى إعادة إنسانية عميقة ورفض للقالب النمطي “البربري” أو “المتوحش” الذي فرضه المنظور الاستعماري. وهو ما يرمز إلى إمكانية تجاوز مجتمعات الجنوب العالمي صدمة الاستعمار وتشكيل هوية ومستقبل جديدين. كما يشير إلى أن التحرر الحقيقي لا يتضمن فقط رفض المضطهد، بل أيضاً بناء شيء جديد، ومجدد، وشامل بشكل فعال. إنها رؤية لمستقبل حيث الهجنة مصدر قوة وأمل، بدلاً من أن تكون علامة على عدم النقاء أو الصراع.
في النص الأصلي، تُقتل إيميليا بعد أن تكشف حقيقة ياغو. هنا، لا تُقتل إيميليا، بل تتحول إلى “شخصية قوية ومتمردة”، وتُصبح حليفة لعطيل في مواجهة ياغو. تُصبح إيميليا “صوت الحقيقة” الذي يكشف مؤامرات ياغو وخداعه. تمثل إيميليا “تمكين المرأة” وتحررها من الخضوع لزوجها (ياغو)، وتُغير موازين القوى في الصراع. قولها “أحرقت دفاتري القديمة ومضيت حافية فوق الحصى” يرمز إلى “تحررها من الماضي المؤلم وبدء حياة جديدة”، مما يعكس وعياً ذاتياً بالتحرر. إن “ثورتها” النشطة ترفعها إلى مستوى عامل قوي للتغيير. يرمز رفضها لماضيها (المتمثل في حرق الدفاتر القديمة) وتحالفها الحاسم مع عطيل إلى يقظة نسوية-ديكولونيالية أوسع. إنها تتحدى بجرأة الهياكل الأبوية (الممثلة في ياغو وديناميكيات السلطة التقليدية) وتصبح محفزاً حاسماً للحقيقة والعدالة الاجتماعية. يتوافق هذا بقوة مع تأكيد الفكر الديكولونيالي على استعادة قوة الفعل لجميع الأصوات المهمشة، بما في ذلك النساء، اللواتي غالباً ما يتعرضن للقمع المزدوج من قبل الحالة الكولونيالية والأبوية. يشير هذا الخيار الدراماتورجي إلى أن مسار التحرر والديكولونيالية لا يمر فقط عبر النضالات التي يقودها الرجال أو التعبيرات السياسية الكبرى، بل أيضاً، وبشكل حاسم، من خلال تمكين المرأة وتحدي الهياكل الأبوية الداخلية التي غالباً ما تعكس ديناميكيات السلطة الاستعمارية. يشير تحول إيميليا إلى أن التحرر الداخلي (من المعايير القمعية، من التواطؤ، من الصمت) حيوي وتحويلي بقدر التحرر الخارجي، مما يساهم في مشروع ديكولونيالي أكثر شمولية.

تتجاوز مسرحية “عطيل.. وبعد” حدود العمل الفني لتصبح بياناً مسرحيا عميقاً يندرج ضمن الأفق الديكولونيالي، ويسعى إلى تفكيك الهيمنة المعرفية والجمالية الغربية، بل تمثل فعلاً من أفعال “فك الارتباط” المعرفي والجمالي. فهدف المسرحية الصريح بـ «مساءلة الغرب” وسردياته التاريخية، خاصة فيما يتعلق بـ «الجنوب” وشخصياته، يتوافق بشكل مباشر مع المفهوم الديكولونيالي لـ «فك الارتباط” من الهيمنة المعرفية والجمالية الغربية:
عطيل: قائد؟؟؟ أهل السياسة في بر الشمال ينظرون إلي كسلعة..
سلعة يا أمي ولست قائدا.. بضاعة رابحة..
يراهنون على انتصاراتي.. يقامرون بأموالهم على قوتي ومهارتي..
يعقدون الصفقات.. يبيعون.. يشترون..
كل شيء عندهم يباع ويشترى..
أنا مجرد ثور في حلبة.. كبش نطاح.. نسر للصيد والرهان..
حينما ينكسر جناحي سيتخلون عني..
أعرفهم يا أمي.. أنا أعرفهم جيدا.. أعرفهم… (يبكي) (الصفحة 65 )
من خلال إعادة كتابة قصة عطيل ومصيره بشكل جذري، لا تقدم المسرحية مجرد تفسير بديل، بل تنفصل بنشاط عن الإطار الغربي المفروض لفهم شخصية عطيل، و”عيوبه”، ونهايته التراجيدية “الحتمية”. إنه رفض لقبول “الحقيقة” التي روجت لها الحالة الكولونيالية ومعاييرها الجمالية. يؤكد هذا الفعل الأدائي لفك الارتباط السيادة الفكرية والفنية، ويشير إلى أن التحرر الحقيقي لا يتضمن فقط الاستقلال السياسي، بل أيضاً التحرر الإبستيمولوجي والجمالي، حيث يستعيد الموضوع ــ المستعمَر ــ الحق في تعريف تاريخه وهويته وتعبيره الفني الخاص، بدلاً من أن يكون محصوراً في الأدوار المأساوية أو النمطية التي تفرضها القوى المهيمنة.
تقدم المسرحية عطيل كـ «بطل إفريقي قادم من الجنوب”، وتنتقد “نظرة الغرب إلينا وقراءة جاءت في سياق تاريخي تحكم فيه شكسبير وموقفه”. يعيد هذا التقديم مركزية الجنوب في السرد، إذ يُشكّل “جنوب الحداثة” موقعاً معرفياً يرفض العالمية الزائفة للسرديات الغربية ويدعو إلى “التعددية الكونية” (pluriversality)، حيث تتعدد مراكز إنتاج المعرفة والجماليات. تتجاوز المسرحية المقاربة الطباقية السعيدية نحو نقد جذري. ففي حين أن القراءة الطباقية لإدوارد سعيد أداة قوية للكشف عن السرديات والأصوات الخفية داخل النصوص المهيمنة، فإن المسرحية لا تكتفي بمجرد القراءة بين سطور شكسبير؛ بل تعيد كتابة نسيج السرد نفسه، وتغير مصير عطيل بشكل جذري، وتتحدى فرضية المأساة الأصلية. يشير هذا إلى الانتقال من نقد ما بعد الكولونيالية (الذي غالباً ما يتعامل مع النص الغربي كنقطة مرجعية أساسية) إلى موقف ديكولونيالي أكثر راديكالية يسعى إلى “فك الارتباط” وخلق إبستيمولوجيات وسرديات جديدة بشكل فعال. هذا يعني شكلاً أكثر راديكالية وتحويلية للمقاومة. فبدلاً من مجرد تفكيك السردية الاستعمارية أو الكشف عن تحيزاتها الخفية، تبني المسرحية بنشاط سردية مضادة تغير بشكل أساسي السردية المهيمنة.
يعتمد العمل النص الشكسبيري كـ “محفز لإبداع مواقف مسرحية تسائل تمثلات شكسبير لعطيل”. هذا يعني أن النص الأصلي ليس نصاً مقدساً، بل نقطة انطلاق للنقد. لا يمثل العمل اقتباساً حرفياً، بل “إعادة كتابة من منظور مختلف”، مما يشير إلى تحول عميق في البنية والمعنى. يتم تفكيك النص الأصلي بحمولاته الثقافية ومرجعياته المسرحية الإيليزابيثية وإعادة تشكيله في سياق جديد. يُمكن النظر إلى النص الشكسبيري في “عطيل.. وبعد” كـ “أرشيف كولونيالي” يُعاد استنطاقه وتفكيكه. فتعامل المسرحية مع شكسبير ليس تعاملاً تبجيلياً أو مجرد تكييف، بل هو إعادة تعامل نقدي وتفكيك ديكولونيالي. في هذا السياق، يمكن اعتبار النص الشكسبيري جزءاً من “الأرشيف الكولونيالي” – وهو مجموعة من المعارف والسرديات التي أنتجتها القوى المهيمنة التي غالباً ما تسكت أو تحرف “الآخر”. يتمثل نهج المسرحية في “القراءة بين السطور” لهذا الأرشيف، وبشكل أكثر جذرية، في إعادة كتابته للكشف عن الأصوات والتجارب والإمكانيات البديلة المقموعة. ومن خلال جعل بحث عطيل عن ياغو موضوعاً محورياً، تعترف المسرحية ضمنياً بالتأثير المستمر للسردية الأصلية بينما تعمل بنشاط على تفكيك سلطتها على تصور عطيل (والجمهور). هذا فعل أدائي لـ «استعادة الأرشيف الكولونيالي” لأغراض ديكولونيالية، وتحويل أداة الهيمنة التاريخية إلى موقع للتحرر. هذا يوضح كيف يمكن تحويل المنتجات الثقافية للمستعمِر إلى أدوات للديكولونيالية. ولا يتعلق الأمر بمحو الماضي أو رفض الثقافة الغربية بالكامل، بل بإعادة تفسيرها بشكل نقدي، وتحدي سلطتها، واستخلاص معاني جديدة تخدم مشروع التحرر. لقد حولت المسرحية شكسبير من رمز للهيمنة الثقافية الغربية إلى موقع للتدخل الديكولونيالي، والحوار، وتأكيد الحقائق البديلة.
كما أن الأداء الكوريغرافي والإيقاعات الموسيقية الإفريقية يعملان كقنوات لـلجماليات الحسية الديكولونيالية وإعادة تفعيل الذاكرة المجسدة. تؤكد الجماليات الديكولونيالية (decolonial aestheSis) على التجربة الحسية وتحويل الإدراك، متحدية بأدائية متجذرة المعايير الجمالية الغربية التي غالباً ما تعطي الأولوية للعقلانية، أو التمثيل البصري، أو أشكال محددة من الجمال. فالأم، كشخصية مجسدة لحكمة الأجداد والذاكرة المجسدة، والعازف الذي يمثل جذور عطيل الأفريقية/الجنوبية وقوة الجسد الفرجوي، ليسا مجرد شخصيات، بل عوامل أدائية محفزة لهذه الجماليات الحسية البديلة. تدخل الأم هو صدمة عاطفية تعطل عنف عطيل الانفعالي وتعيده إلى هوية أعمق، ربما منسية. ويقدم أداء العازف الحي بعداً سمعياً ومتجسداً يربط عطيل بأصوله الأفريقية، متجاوزاً الأطر الفكرية الغربية ويؤكد فاعلية المعرفة الحسية غير الغربية. يتعلق هذا باستعادة الحواس والجسد كمواقع للمعرفة والتحرر، على النقيض من “الإبادة الإبستيمية” و”الإبادة الجمالية” التي سعت إلى التقليل من شأن الجماليات غير الأوروبية. يوضح هذا أن تصفية الاستعمار ليست مجرد ممارسة فكرية، بل عملية متجسدة، وحسية، وعاطفية. وتؤدي المسرحية، من خلال التركيز على الشخصيات والأشكال التي تجسد طرقاً بديلة للمعرفة والشعور (حكمة الأجداد، الموسيقى والأداء المستوحى من أفريقيا)، الجماليات الديكولونيالية بفعالية، داعية الجمهور إلى تجربة العالم من خلال عدسة غير غربية، متعددة الأوجه. إنها إعادة تأكيد لقيمة أشكال التعبير الأصيلة والمهمشة كأشكال بديلة قادرة على شفاء الجرح الكولونيالي.
فمن خلال تجريد الفضاء المسرحي من الديكور الحرفي (كـ”خلفية كبيرة داكنة ومجردة إلى حد ما” وعناصر “تشبه كتل أو منصات مستطيلة كبيرة”)، تُجبر المسرحية الجمهور على الانخراط في معانٍ رمزية أعمق وفي الأسس الفلسفية للسرد، بدلاً من أن يستهلكوا بشكل سلبي جمالية بصرية مألوفة ومركزية غربية. هذا التجريد هو فعل “فك ارتباط” جمالي، يدعو إلى إعادة تركيب المعنى من خلال ما هو جوهري ورمزي. كذلك، تُقدم الأزياء خيارًا جماليًا مشابهًا. فـهي “تميل نحو الملابس العصرية اليومية، لكن مع خيارات محددة قد تدل على الشخصية أو المكانة”، ويُلاحظ “غياب ملحوظ للأزياء التاريخية المعقدة”. إن ما يميز مظهر الأم لا يقتصر على الزي وحده، بل يتعداه إلى الوشم الذي يغطي أجزاء من جسدها. يحمل هذا الوشم رمزية عميقة للمرأة في ثقافات شمال إفريقيا، متجاوزًا كونه مجرد زينة ليصبح تعبيرًا عن الهوية، الانتماء، أو حتى الحماية؛ وهو ما يتوافق مع هدف المسرحية في إعادة تفسير عطيل وتقديم “صورة مغايرة” للشخصيات. إنه رفض للانصياع للجماليات التاريخية التي قد تُجمّد الشخصيات في إطار زمني غربي، ويؤكد على أن الصراع الذي يعالجه العمل هو صراع معاصر، عابر للزمن، ومرتبط بتصفية الاستعمار في الإدراك والمعرفة والجماليات. كما يُشير التركيز على الإضاءة (التي استغرقت ست عشرة ساعة لتركيبها) والصوت إلى محور آخر في تحدي الواقعية؛ فهدفهما خلق الجو العام وإثارة المشاعر بوسائل غير حرفية، متوافقاً مع مبادئ الجماليات الحسية (aestheSis) التي تُعطي الأولوية للتجربة الحسية على الدقة التمثيلية الصارمة. تُعدّ هذه الاستراتيجية الفنية شكلاً قويًا من ممارسات الجماليات الديكولونيالية، مُتحديةً فكرة أن المسرح “الجيد” أو “العالمي” يجب أن يلتزم بالتقاليد الواقعية الغربية، ومُبرهنةً على أن القوة الفنية لا تكمن في التقليد، بل في التعبير الأصيل والتحويلي المتجذر بعمق في حساسية غير غربية.
في السياق نفسه، لا يعد العازف، الذي يمثل جذور عطيل الأفريقية/الجنوبية وقوة الأداء المتجسد، مجرد شخصية بل عامل أدائي لهذه الجماليات الحسية. فهو يقدم بعداً أدائيا يربط عطيل بأصوله الأفريقية، متجاوزاً الأطر الفكرية الغربية ويؤكد فاعلية المعرفة الحسية غير الغربية. يتعلق هذا باستعادة الحواس والجسد بوصفهما مواقع للخبرة الحسية والتحرر، على النقيض من “الإبادة الإبستيمية” و”الإبادة الجمالية” التي سعت إلى التقليل من شأن الجماليات غير الأوروبية. هنا يتضح أن تصفية الاستعمار ليست مجرد ممارسة فكرية، بل عملية حسية، وأدائية، وعاطفية.
ويتجلّى المشروع الديكولونيالي للعمل برمته بشكل مباشر في الأداء التمثيلي للشخصيات الرئيسية، التي تتجاوز مصائرها المحددة في النص الشكسبيري الأصلي. فـأداء الممثل الذي يجسد شخصية عطيل يُقدّم تحولاً عميقاً من بطلٍ تراجيديٍ أسيرٍ لنزعة الانتقام إلى أبٍ مُحتملٍ يسعى إلى حماية مستقبله. هذا التجسيد لا يقتصر على الحوار، بل يتطلب أداءً جسدياً ونبرة صوتية تُعبّر عن الرفض الجذري لـ “كتابة قصص تراجيدية عنه”. إنه رفضٌ للقالب النمطي لـ “المتوحش” الذي فُرض عليه، وتأكيدٌ على إنسانيته وعمق مشاعره. كما يُعدّ حضور شخصية الأم على المسرح تدخّلاً أدائياً يُربك حتمية المصير التراجيدي. فبصفتها “تجسيداً للحكمة الأصيلة” وصوت “الذاكرة الجمعية”، لا تُقدّم الممثلة مجرد حوار، بل تفرض حضوراً حسّياً يُعطّل عنف عطيل الانفعالي ويُعيده إلى هويته المنسية/المعطلة. وتبرز أهمية العازف كعاملٍ أدائيٍ محوريٍ؛ فحضوره الحي على المسرح وموسيقاه الإفريقية يعملان كـ “قنوات للجماليات الحسية الديكولونيالية”. إنّ الأداء الموسيقي يتجاوز كونه مجرد خلفية صوتية ليُصبح تجسيداً لقوة الجسد الفرجوي، وإعادةً لتفعيل الذاكرة المجسّدة. أيضا، تُكمّل الإضاءة والصوت هذا التوجه، حيث يعملان على خلق تجربة حسية رفيعة. يُشكّل التركيز عليهما تحدياً مباشراً للواقعية. فالعمل يعتمد على قوة الإضاءة لخلق معانٍ رمزية وإبراز التحولات الدرامية دون اللجوء إلى ديكورات تفصيلية، ويستخدم الموسيقى كـ “بعدٍ سمعيٍ” يربط الجمهور بأصول عطيل الإفريقية، متجاوزاً بذلك الأطر الفكرية الغربية.
والحال أن سينوغرافيا العرض، في شموليتها، تُمثّل فعلاً من أفعال التحرر الجمالي، حيث يتخلى المخرج عن المرجعيات الواقعية التي قد تُجمّد الشخصيات في إطار زمني شكسبيري. إنّ اعتماد مسرحية “عطيل.. وبعد” على ديكور “مجرد ومظلم” يتكون من “كتل أو منصات مستطيلة كبيرة” ليس مجرد خيار فني، بل هو رفضٌ صريحٌ للواقعية الكولونيالية التي تفرض أطرها التمثيلية. يُجبر هذا التجريد الجمهور على الانخراط في المعاني الرمزية والفلسفية الأعمق، بدلاً من استهلاك جمالية بصرية مألوفة. وتُعدّ الأزياء مكمّلاً لهذا الاختيار، حيث تميل إلى “الملابس العصرية اليومية” مع “غياب ملحوظ للأزياء التاريخية المعقدة”. هذا التحديث يجعل الصراع الذي تُعالجه المسرحية معاصراً وعابراً للزمن والحدود بشتى تلويناتها، ومرتبطاً بتصفية الاستعمار في الإدراك والمعرفة والجماليات. ويبرز هذا التوجه في مظهر شخصية الأم، التي لا يقتصر تميزها على زيها فحسب، بل يتعداه إلى الوشم الذي يغطي جسدها. يحمل هذا الوشم رمزية عميقة للمرأة في ثقافات شمال أفريقيا، متجاوزاً كونه مجرد زينة ليصبح تعبيراً عن الهوية، والانتماء، أو حتى الحماية. إنه فعلٌ أدائيٌ يُعيد الاعتبار لجماليات الجنوب ويُقوّض المركزية الغربية.

خلاصــة:
تُجسد مسرحية “عطيل.. وبعد” مشروعاً دراماتورجياً ديكولونيالياً، يتجاوز مجرد إعادة تفسير كلاسيكية شكسبيرية ليقدم رؤية جذرية للعالم والتاريخ من منظور “جنوب الحداثة”. لقد نجح العمل في تحدي السرديات الغربية المهيمنة عبر أدواته البصرية والسمعية، وتأكيد قدرة الذات على الفعل من الجنوب العالمي، وخلق لغة جمالية جديدة تعكس أفقاً معرفياً متحرراً. بل يُقدم العمل نموذجاً حيًا لـ”التناسج الطوعي المبتكر” في مواجهة الاستلاب الثقافي، إد يتم التعامل مع النص الشكسبيري كـ”أرشيف كولونيالي” يُعاد استنطاقه وتفكيكه. وتُعد “الدراماتورجيا الركحية” في المسرحية فضاءً للعصيان المعرفي في الممارسة الفنية، حيث يتم الإبداع بشكل جماعي وغير هرمي. وتتجسد “الجماليات الديكولونيالية من خلال دور الأم والعازف بوصفهما رمزين للذاكرة وإعادة تفعيل الحواس، ومن خلال التجريد الفني في السينوغرافيا والأزياء رفضا للواقعية الكولونيالية وتأكيدا للرمزية الديكولونيالية. هذا، ويُعد العمل فعلاً من أفعال “فك الارتباط” المعرفي والجمالي، حيث ينفصل بنشاط عن الأطر الغربية المفروضة لفهم شخصية عطيل ومصيره. كما أنه يمثل إعادة تموضع للفاعليةالسردية والأنطولوجية، مؤكداً أن “الآخر” ليس مجرد موضوع لنظرة الغرب، بل ذاتا لها تاريخها ووعيها ووجودها الخاص.
باختصار، تُقدّم المسرحية نموذجاً حياً لـ “الدراماتورجيا الركحية الديكولونيالية” التي تُصبح فيها الممارسة الفنية فضاءً للعصيان المعرفي/الجمالي. من خلال التجريد في السينوغرافيا، وتحديث الأزياء، وتجسيد تحولات جوهرية في بناء الشخصيات، واستخدام الأصوات والأنغام كقنوات للذاكرة المجسّدة، تُؤكّد المسرحية أنّ التحرر الحقيقي لا يقتصر على الاستقلال السياسي، بل يشمل أيضاً التحرر الإبستيمولوجي والجمالي، حيث يستعيد “الآخر” الحق في تعريف تاريخه ووجوده الخاص بأسلوبه ولغته هنا والآن.
الهواميــش:
1/ جميع الإحالات المذكورة في هذا النص مستمدة من النسخة غير المنشورة من “عطيل.. وبعد” التي قدمها لي الأستاذ حمادي الوهايبي، مخرج العمل، مشكورًا.
2/ مارجريت ليتفين، رحلة هاملت العربية: أمير شكسبير وشبح عبد الناصر، ترجمة سها السباعي، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017.
3/ Lahlou, Nabil. Les Papiers. Éditions Le Fennec, 1997.
الأسدي، جواد. انسوا هاملت. بيروت: درار الفرابي، 2000.
4/ يتآزر مفهوما الأوبونتو والعيش الطيب (Buen Vivir)، بوصفهما رؤيتين متوالفتين نابتتين في تربة الجنوب العالمي، ليشكّلا معاً هزةً معرفيةً مضادة للنزعة الفردانية المتجذرة التي تطبع الحداثة الغربية. فكلاهما يصدر عن مبدأ “العيش المشترك”، الذي يجد تعبيره الأنقى في حكمة الأوبونتو الخالدة: “أنا كائنٌ لأننا كائنون”، وهو المبدأ الذي تضيء أعمال مفكرين كسليمان بشير ديان جوهره، مُرسِّخاً هوية الإنسان في نسيج الجماعة الوجودي. أما “العيش الطيب”، على النحو الذي يبلوره فكر بوافنتورا دي سوزا سانتوس، فيأخذ هذه البصيرة العلائقية ليطلقها نحو أفقٍ كوني، إذ يترجم “نحن” الأوبونتو كي لا تقتصر على الجماعة البشرية، بل لتستوعب الكائن البيئي المشترك الذي يحتضنها. وعليه، فإذا كان الرهان الأخلاقي الأسمى للأوبونتو هو رأب الصدع في النسيج الاجتماعي الذي أحدثته الفردانية، فإن الأفق الأرحب للعيش الطيب هو تجاوز القطيعة بين الإنسان والطبيعة، تلك القطيعة التي كرستها الحداثة التنموية كما يفضحها سانتوس. وهكذا، ورغم اختلاف منبتهما، فإنهما يتجليان كصوتين متكاملين ضمن أفق معرفي واحد لتجاوز الحالة الكولونيالية؛ أحدهما يعيد نسج شبكة العلائقية الإنسانية، والآخر يمدّ خيوط هذه الشبكة لتشمل الوجود بأسره، وكلاهما يبشر بعالمٍ لا يكمن غناه في التراكم الأناني، بل في الازدهار العلائقي، إنسانياً كان أم بيئياً.
ينظر:
Diagne, Souleymane Bachir. African Art as Philosophy: Senghor, Bergson, and the Idea of Negritude. Seagull Books, 2011, p. 78.
Santos, Boaventura De Sousa. Epistemologies of the South: Justice Against Epistemicide. London, Routledge, 2014.


