مقالات

الموسيقى في المسرح كيف نفهمها/ الدكتور قيس عودة قاسم الكناني

تعد اللغة الموسيقية واحده من أهم اللغات الفنية المجردة، فإذا كانت الكلمات والجمل المنطوقة والمكتوبة لها دلالاتها الواضحة التي يدركها ويفهمها الإنسان ويستوعبها العقل بشكل مباشر ويعي ما تعنيه، فإن العبارات والجمل الموسيقية هي لغة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية لذا أطلق على الموسيقى بأنها (غذاء الروح) وذلك لان تلك اللغة المجردة تخاطب المشاعر والوجدان الذي يغذى الروح.

الموسيقى  لغة علينا أن نفهمها كي نعرف كيف نوظفها بشكلها السليم ولا ضير إذا استخدمنا الموسيقى بدلا من ديالوج حواري أو حتى مشهد “لان الموسيقى هي لغة يمكن لجمهور إن يتلقاها إذا ما استخدمت استخداما صحيحاً .

دور الموسيقى في المسرح في كونها تساعد المخرج في دعم الصورة الإيقاعية للعرض التي ستعطي فيما بعد قدرة المحاكاة الحقيقية أو الصدى الحقيقي للموسيقى الداخلية للعرض المسرحي، أنها الجو الذي يعتنق ذلك النضوج الداخلي، كفكر غير منظور يسري كالعدوى ليستقر في الروح فيستمر لينمو ويولد المعرفة في القلب .

الموسيقى في المسرح تبدأ في الكلام، وتستمر في الحركة وفي الإيقاع وفي ميلودي الصوت. مثلها في ذلك مثل نشأتها، وتعامل الإنسان معها، وبالأخص الفنان الأول والإنسان الاول الذي حاكى الطبيعة وتعلم منها، واراد التعامل معها بمختلف الوسائل الصوتية والحركية والتشكيلية . فاستثمر جمالها بالرسم والنحت والشعر والغناء والموسيقى، وحاكى تضاريسها من جبال ووديان وانهار وحيوانات واصوات الذي ذكرناه جميعا، ومنها وبها شكلت الموسيقى المحتوى الحقيقي للرؤيا المسرحية والعرض المسرحي لا يمكن أن يكون عرضا إيقاعيا إذا لم يكن موسيقيا  . من خلال الكلام، الحركة، الإيقاع، ميلودي الصوت، اللون، الصمت، السكون، الظلام .. إلى غير ذلك لأن العرض بدونها سيكون سيئا .

ففن الموسيقى يعلمنا كيف أن تغيرا طفيفا في الإيقاع سينتج زيفا ان الشكل في الموسيقى يعلمنا الحرفة، والمضمون فيها يعلمنا الإحساس والشعور بها روحيا، ومن كلاهما نسمع ذلك اليومي الذي نطلق عليه (الجو العام) أو (المواطنة في الفن) كما يسميها توفستونوكوف الذي يقول “إذا تصورنا أن الفن المسرحي هو أوركسترا سيمفونية، فأن الموسيقى هي آلة من الآلات العرض المسرحي،  وعليه يجب ان ترتبط الموسيقى مع جميع الأدوات المعروفة للعرض من اجل التكامل الفني في العرض المسرحي، وهو يعني أيضا أن الموسيقى في المسرح هي جزء من الكل لا يمكن أن تجلب الاستحسان بمعزل عن بقية العناصر المسرحية، وان انسجام الأداء مع الموسيقى أمر ضروري . وعندما يتوجب وجود الموسيقى في المسرحية فعلينا أن نجد لها المكان الملائم كما يرى ذلك مايرخولد .

مما تقدم يتأكد أن الموسيقى واحدة من الوسائل المهمة في المسرح هذا الفن متعدد الجوانب .

إننا نعيش في الطبيعة ونحن محاطون بالأصوات المختلفة، القبيح منها والجميل وبما أن المسرح هو محاكاة الطبيعة، إذن لابد لتلك الأصوات أن تصاحب أحداثه، وترافق حواراته، وحسه الموسيقي تساعد الممثل على إظهار المعنى الباطني الاجتماعي، والأساس تجمل علاقات الحدث المسرحي، إذن هل يعني ذلك أن للموسيقى تأثيرا أخلاقيا وروحيا على حياتنا ؟ وهل تجعل من مشاعرنا اكثر نبلا ؟؟؟ . يقول ألن دانيلو : أن الموسيقى تعد وسيلة لفهم عمل أفكارنا إضافة إلى إحساساتنا العاطفية . كنوع من الترابط بين الرقم والفكر وهذا التأثير الأخلاقي يجعل المشاعر الإنسانية أكثر نبلاً .

وفي المسرح تساعد الموسيقى على إيصال الأفكار إلى المتفرجين بمساعدة اللغة التعبيرية والفعل الفيزيقي وما تنتجهُ هذه العملية من تأثيرات حسية ونفسية في إضفاء الجو الروحي العام للعرض المسرحي وهما معاً “الموسيقى واللغة التعبيرية للجسد يحددان إيقاع المشهد وبالتالي من إيقاعات المشهد يتحدد إيقاع المسرحية ككل  وما أكد أيضاً يوري زافادسكي هو تحديد مكانة المؤلف الموسيقي ضمن المجموعة المسرحية بكونه يساعد المخرج في دعم الصورة الإيقاعية للعرض مما يتيح إمكان المحاكاة الحقيقية للموسيقى الداخلية . ذلك لأن الموسيقى تعلمنا الشعور بما هو يومي وحياتي في مسرحنا وهو ما نسميه الجو العام للعرض المسرحي . لأنها – كما قلنا تمتلك الأهمية الأساسية في خلق الجو المطلوب للعرض المسرحي والذي من خلالهُ تصبح التجربة الروحية واقعاً ملموساً وكما إن الأفكار والأهداف العامة والرئيسة محددة في المسرحية كذلك فإن التأليف الموسيقي يجب أن يتم في ضوء تلك الأهداف والأفكار ويجب أن يكون التأليف الموسيقي متماسكاً مع مكونات العرض المسرحي وصولاً إلى التكامل الفني المطلوب للعرض المسرحي ككل إلى الذي نستطيع معه أن نميز تلك الموسيقى المؤلفة خصيصاً للمسرحية حتى إن تم سماعها بمعزل عن مشاهدة العرض، وانطلاقاً من ذلك التحديد نستطيع القول إن الموسيقى التي يتم تأليفها لمسرحية ما لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصلح لمسرحية أخرى حتى لو إتفقت معها في النوع، وتقاربت في الأهداف العامة، وفي الأفكار وإنه في حالة إستخدامها سنشعر بالفارق ولو كان بسيطاً وعليه فإن الشكل الموسيقي للعرض المسرحي يأخذ الحيز الكبير الأخير في عمل عدد من المخرجين حين يحددا الوحدة الأسلوبية والفنية للعرض .

وعلى العموم فأن الموسيقى التي يتم وضعها للدراما المسرحية لا تتم إعتباطاً، لسد نقص في الإخراج، أي للإفراغ في المسرحية بل على العكس من ذلك أن الموسيقى تشكل جزءاً هاماً وأكيداً وفاعلاً تماماً في أهميتها كالممثل والإضاءة والديكور، وغيرها من المستلزمات الهامة في تكوين العرض المسرحي، أن الموسيقى تعني خللاً كبيراً يؤثر على العرض المسرحي إذا أسيء استعمالها في العرض والعكس صحيح الموسيقى تعني كياناً كاملاً من الأحاسيس والمعاني تساعد في توصيل الأفكار والمعاني إلى المشاهد أو أنها تفك رموز ما كان غامضاً من تلك المعاني والأفكار فأن كل آلة موسيقية فيها يمكن أن تمثل شخصية من شخصيات المسرحية فالموسيقى بالأساس وجهة نظر مهمة، لشخصية في المسرحية ومجموعة أشخاص تعبر عما في داخلهم أي أنها تفكير الشخصية بصوت مرتفع، يمكن للجمهور إدراكه وفهمه.

إذن نخلص إلى القول أن الموسيقى في أهميتها تكمل العرض المسرحي، وعليه يجب أن ترتبط الموسيقى مع جميع الأدوات المعروفة للعرض من أجل التكامل الفني في العرض المسرحي .

كما ان وظيفة الموسيقى في الدراما المسرحية  تحتاج الى اهتمام من المخرجين بصورة خاصة وبالتالي فان الكثير من المخرجين لا يولون اهتماما بالموسيقى التصويرية في العروض المسرحية, وقد يعود هذا لجهلهم بأهمية الموسيقى كفن مصاحب للدراما وما تستطيع الموسيقى من إضافة للجو العام بالعرض المسرحي وكيفية تمنح الممثل طاقة نفسية ايجابية لدفعه نحو لبوس الشخصية التي يؤديها، كما تضيف تلوين صوتي منغم للشخصية من خلال تناغم طبقة الممثل بإلقاء حواره والطبقة الموسيقية للآلة الموسيقية التي ترافق الحوار، وبالتالي تجمل الكلمة المنطوقة وتهذبها وتقصر المسافة بين الممثل والمتلقي من ناحية الفهم والإدراك والاستيعاب لشفرات الحوار والرموز التي يختفي خلفها المعنى المقصود في الحوار لأنها ومن خلال ألحانها وطبيعة شكلها وجنسها تكشف استباقاً المعنى والخطاب الفكري والجمالي للعرض المسرحي، لذا فالموسيقى تكمن أهميتها بحسن اختيارها وتوظيفها وتنفيذها، واستغلال تأثيراتها(السيكولوجية والجمالية) الايجابية على نجاح العرض المسرحي ومدى تأثيرها على المتلقي .

واذ علمنا بان الموسيقى هي بحد ذاتها خطاب حسي وفكري يساعد على عكس ردود أفعال حسية, ومن خلالها تتم عملية استحضار الأجواء المطلوبة للعرض المسرحي وبحسب رؤية وفكرة العرض وما يتطلبه الجو العام للحدث الدرامي كالأجواء الرومانسية او الحماسية او اجواء الترقب والخوف والحذر والهدوء والسكينة وما شابه ذلك، وكذلك مشاهد الرعب والقلق لتساعد على خلق عنصري التشويق والجاذبية للعرض المسرحي, إضافة الى خلق عملية التواصل والمتابعة المتلاحقة للأحداث المتنامية وإسناد الصراع مابين الشخصيات السلبية والايجابية والتي من خلالها تتم عملية البناء للحبكة اي الأحداث المتتابعة والمتسلسلة في العرض المسرحي كما تساعد على تحرير المشاعر الحسية عند المتلقي في عملية التنفيس والتطهير والارتياح .

وقلما نجد من المخرجين الذين يتمكنون من توظيف الموسيقى التصويرية في العروض المسرحية واستحضار من خلالها الأجواء التي يهدف اليها لتمكنه من المحافظة على وحدة الحبكة المسرحية ومساندة عناصر البناء الدرامي، والمشحون بالافعال وردودها الانعكاسية , إضافة الى انها تساعد الممثل على أظهار مهارته الحرفية في التمثيل من خلال تحرير أفعاله الداخلية والتي تتمثل وتتجسد بعظلات الوجه والجسد ومرونته الحركية من خلال حركات الجسد الإيقاعية والمتناغمة مع إيقاع الموسيقى المصاحبة, ولا سيما في المسرحيات الاوبرالية, والعروض المسرحية الاستعراضية والتي تكون الموسيقى العنصر الأساسي في البناء والمحافظة على وحدة الموضوع الرئيسي للعرض المسرحي, وهذا بالطبع يعود الى حسن اختيار الموسيقى التصويرية وأهميتها في العرض المسرحي لتعمل على نجاحه .

 

قيس الكناني

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button