عامنقد

رسائل الحرية .. تجلي المرئي وجزالة الملفوظ …/ د.عواطف نعيم

يعد عز الدين المدني واحدا من كتاب المسرح العربي المتميزين ، قدم للمسرح التونسي العديد من النصوص المسرحية التي أخذت طريقها الى خشبات المسارح المحلية في تونس وكان لها حضورها الضاج في المهرجانات العربية، وكانت نصوصه موضع دراسة ومتابعة من قبل طلاب المسرح في كليات ومعاهد الفنون الجميلة في أرجاء مختلفة من بلداننا العربية، وفي مجمل كتاباته التي ظهرت الى الوجود أو التي ما زالت على رفوف المكتبات وبين دفتي الكتب التي تحتويها كان موقفه الفكري والانسان واضحا وجليا فهو كاتب يحترم الفكر الأخر ويقدس الحرية وينبري للدفاع عنها عبر كتاباته ومواقفه ، وهل هناك أثمن من الحرية لهذا البشري الذي يبحث عن خلاصه وتتوه بوصلته أحيانا ما بين منطقة وأخرى وما بين معتقد ونقيضه ؟ في نصه المسرحي الجديد  ( رسائل الحرية ) والذي أعتلى خشبة المسرح وصار بين أحضان المتلقين من خلال تصدي المخرج التونسي حافظ خليفة له وتقديمه، تتجلى فكرة الحرية ويتجلى الفكر النّير للكاتب الكبير عز الدين المدني ، والحديث عن الحرية ماهيتها ، مفهومها ، ضرورتها ، أثرها ، نادى به العديد من الشعراء والكتاب وسبر غوره أفذاذ الفلاسفة والعارفين وترنم به كل من لسعته سياط العبودية وسدت في وجهه قوى الجبروت هواء البوح وشهقة الخلاص ،  لوركا الشاعر الاسباني العظيم يتغنى بالحرية ويصفها على لسان بطلة مسرحيته ماريانا اذ تقول …

ماريانا : ما الحرية سوى هذا النبض الساخن الذي يجس في داخلك ، كيف لي أن أحب ان لم أكن حرة !

وها هو عز الدين المدني يتسأل عن مفهوم الحرية على لسان شخصياته، عما ذا تبحث الشعوب التي تئن تحت وطأة الظلم والاستبداد ؟ انها تبحث عن الحرية، لذا تهرول وراء من تعتقد أنه قادر على منحها اياها وكثيرا ما تكون هذه الهرولة وهما خادعا .

في بنية نص  العرض …

بالتأكيد أن مخرجا مثل حافظ خليفة يتقن لعبة المسرح ويعّي بحسه العميق حاجة الجمهور ويدرك حسب فهمه  ودربته للعبة الاخراج في مفهومها الحداثوي والمجدد أن لا قدسية للنص المسرحي ،  أي نص  مكتوب كلاسيكي أو معاصر،  تأريخي أو فنتازي،  لابد من أخضاعه الى رؤية فنية تعّي عمق التحليل وقدرة التأويل وبلاغة الاسقاط في نص مسرحي يمتلك جزالة اللغة المنطوقة  في شاعريتها ومحسناتها وأخذها من بلاغة القرآن الكريم خطابا تعتمده الشخصية الدرامية بما يخلق لدى المتلقي حالة من الاقناع وهو يصغي لما يحدث ويقع في عالم مفترض لتأريخ معروف وأحداث ليست بالغريبة عنه أو غير المتوقعة ، وأيضا توفر الفكرة التي تنطلق منها الشخصيات وتتفجر من خلالها الاحداث لتخلق حالة من الصراع والجدل الذي لابد وأن يوصلنا في النهاية الى الصدام  ، وهو ليس بالصدام السهل في نص رسائل الحرية بل هو صدام يقدم الابرياء حياتهم قربانا له ، الناس تبحث عن مخلص بعد أن بلغ الظلم حدا لا يطاق لكنها تحتاج الى من يأخذ بيدها كي تصل الى ما تبغي الا وهو حريتها ، فمن هو المخلص ؟ ومن أين سيأتي ؟  وكيف سيقود الامور ؟ وهنا ما أسهل أن يركب الموجة شخص طامع فيتخذ من الدين سلما للوصول الى السلطة ! وما أسهل وجود هذا السلم حين يكون الجهل والسذاجة وسيلة للاقناع ، أبوعبدالله الرجل المتصوف والذي يرفض الظلم ويؤمن بالحرية والخلاص يقع في حبائل شخصية طامحة مقنعة بقناع الدين ومدعية الانتساب الى آل بيت الرسول ومتخذة من شخصة الامام المهدي درعا للولوج الى عقول البسطاء والملهوفين الى الحرية ، ما كان عليه الا أن ينتظر من يمهد له الطريق ويفتح الابواب ويحرك المتمردين كي يستتب له الامر فيدخل بلاد المغرب التي كثر فيها الجور وساد الاختلاف وتفرقت كلمة القوم وفسدت نواياهم ، حلّ المدعي  أميرا عليهم بأسم الدين والحرية والديمقراطية وكل الصفات الملونة والعبارات المعسولة التي تلّوي رقاب القوم نحوه  ، وحين تمكن  من أمرهم ، كشف عن وجهه  ، فهو الواحد الذي يوجه بما يريد  ، وهو الممسك بزمام المصالح والمنافع والتي يقسمها كيفما يشاء وعلى الناس طاعته والانسلاخ عما تعلموه وأمنوا به من عقيدة ومذهب فله الصوت الاعلى ولهم الانصياع والاذعان لما يريد ويأمر والا فالسيف سريع  العدو الى نيل رقابهم والتجريم ينتظرهم من خلال قضاته وعسسه ! قد يكون المنطوق والمتن الحكائي للنص يدور في أغوار الماضي ويستل أحداثه من بطون الكتب الا أنه ينطق بروح المعاصرة ويشير الى ما ألت اليه الامور في العديد من بلداننا العربية التي تبحث عن خلاصها بين تنوع الايديولوجيات وتعدد الاتجاهات وتفرع المسارات في السياسة والدين  بذكاء عارف وأبداع مفكر .

العرض و لعبة التأويل والتأرخة

التصدي لمثل هكذا عروض مسرحية تتنوع فيها الامكنة وتتعدد ، وتتداخل فيها الاجواء والتحولات وتكثر فيها الشخوص المحركة للاحداث أمر ليس بالسهل، لذا فقد كانت المهمة التي نهض بها الفنان حافظ خليفة صعبة، الاخراج مغامرة تختاج الى الخبرة والمهارة والخيال المتوقد لخلق عوالم مقنعة ومؤثرة، أستطاع المخرج حافظ من خلال قراءته المتأنية للنص الادبي أن يجري تغييرات على بناء النص لصالح الرؤية الفنية والجمالية وجمع حوله نخبة طيبة ومتعاونة من فناني المسرح التونسي من الذين ينتمون الى هذا الفن الصعب والذين يعول عليهم في النوهوض بمثل هذا العرض الصعب والممتع ، كما استطاع بذكاء و وعي أن يكلف عددا من الفنانين المشاركين بلعب أكثر من شخصية داخل العرض وبذلك اختزل من عدد الممثلين ومنحهم فرصة لاختبار مهاراتهم في التحول الدرامي من شخصية الى أخرى ولاسيما لدى جوقة النسوة اللواتي كن يبذلن جهدا وتفردا في الاداء والانتقال ما بين الشخصيات والمشاهد وأعتمد المخرج على منح فسحة للتعبير الجسدي المميز من خلال اللوحات الطقسية ذات الخصوصية البيئية في الرقص والغناء وهي لم تات لاجل ملء الفراغ بين المشاهد الدرامية في تركيبة البناء المشهدي بل جاءت جزءا موظفا ضمن الانتقالات الدرامية داخل سياق العرض المسرحي في تواتر درامي وايقاع يتدفق حينا ويفتر في أحيان أخرى  ، للتعبير المرئي سحر في التلقي وللمنطوق الضروري تأثير في تعميق الفكرة ومنح الاحداث حضورها لم تكن الطيور التي جسدها الممثلون وحملوا من خلال المنطوق والتعبير الجسدي دلالة وخطابا فقد كانت ميمونة وميمون  ( وهما يحيلان المتلقي القاريء الى حكايات الف ليلة وليلة ) جزءا من رسائل الحرية التي تنتقل بين الباحثين عنها وكانت مجموعة الغربان الناعقة جزءا من منظومة الظلم والتأمر ضد أي شخصية تحمل فكرا مغايرا وتدعو الى التحرر من عبودية الفكر والاستبداد لذا جاء الاداء متميزا بالخصوية ما بين الفريقين ،

كان المخرج عارفا بما يفعل داخل فضاء اللعبة المسرحية في تفعيل الاحداث وتفجير الصراع وخلق المفاجأت ليمنح العرض تشويقا وجذبا ، مع المخرج كان هناك أبطال يعملون من أجل تعميق الرؤية الفنية والجمالية أحدهما في تحكمه في لعبة الضوء ومساراتها وتحولات العمل الدراماتيكية عبر الضاءة الرقمية التي جاءت نصا أخر ينتظم مع نص العرض المنطوق والحركي ، الشعوري والايمائي في لعبة تقلبات الازمنة وتحولات الامكنة واحالاتها البيئية

وكان د عماد الخفاجي وهو أحد الاساتذة المهمين من تدريسيي كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد ومعه زميله دمحمد المياحي لاعبان ماهران في تعزيز النسق الضوئي لونا وزاوية وتوجيها ودقة دلالية مع بقية أنساق العرض المتظافرة للتكوين والتشكيل الدرامي أما البطل الثاني فهي مصممة الازياء ذات المخيلة الجمالية والتصويرية المتميزة وهي تخرج الزي من وظيفته الايقونية الى وظائف تعبيرية في تصوير دلالي ومعان متعددة مازجة ما بين الحديث والمعاصر مقربة الصفات مع معنى الموصوف ، الازياء التي تجمع الابيض والاسود والاسود الذي يطغى أحيانا والاقنعة بالوانها وطبيعة الشخصيات التي تجسدها والتحول من سجادات الصلاة الى أعمدة الهيكل الى الخيام العربية الى الهوادج التي تحملها الجمال وهي تقطع الصحراء في سفر وترحال ، وأتوقف عند عنصرين مهمين معاصرين ومخالفين لزمن الاحداث ولكنهما منحا العرض شفرة معاصرة لتاويل الاحداث التي ما زالت تقع في أزماننا الحالية وتعكس واقعنا العربي المشتت وهي أشارة الى الغرب الذي بقدر ما منح لنا من تكنلوجيا للتقريب المسافات بقدر ما خلق بيننا شعوبا وحكومات حواجز وفجوات الا وهما صوت القطار وحضوره للتنقل حاملا البشر الى أماكن مختلفة وصوت الرصاص وهو ينطلق ليردي الانسان المحتج والمعارض ميتا !! هي اشارة مرت بين تواتر المشاهد وتركيبتها المتقنة في منح العرض زخمه ودفق نبضه ،

ولأن العروض لا تكتمل الا بكثرة تواصلها تم تسجيل بعض الملاحظات التي قد تشكل هنات تأخذ من ألق العرض وتكامله منها : لم يكن البعض من الممثلين جاهزا في حفظه ونواصله مما أثر على زمن الهرض وأيقاعه ، تعدد الامكنة في مسرح  ذا فضاء مفتوح أثر على حركة أداء الممثلين لاسيما الذين لعبوا أكثر من شخصية وتنقلوا بين أمكنة مختلفة مما سطح أحيانا منظور الرؤية وأخذ من جماليتها ولم تستطع الاضاءة تأطيرها بحزم الضوء وزواياه ، ولعل فضاء الحمامات بسعته لم يكن حاضنة جيدة لمثل هكذا عرض تكثر فيه الانتقالات في المكان والزمن وتتابع الاحداث ومع ما أسلفناه من ملاحظات الا أننا سجلنا حضورا للمخرج وهيمنة على أدارة الاحداث وتطويع الفضاء ليكون قادرا على التعبير وبث شفرات العرض وفك ألغازه  وتحريك مهماز الاسئلة ، ولربما وهذا رأي لو أن المخرج تفرغ لاخراج العرض ووضع جهده فيه دون أشغال حاله بلعب أحدى الشخصيات الرئيسة وهي شخصية المخلص لكان تجاوز تلك الهنات التي شابت العرض وأخذت من ألق حضوره أحيانا لاسيما وأن العرض قدم لاكثر من ثلاث مرات وتنقل ما بين مسرح علبة ومسرح فضاء مفتوح  وهذا يتطلب من المخرج الاشتغال على تلك الفضاءات بما يتناسب وطبيعة العرض تشكيلا وحركة في منظومة التكوين الضوئي واللوني ومفردات السينوغرافيا ، رسائل الحرية عمل مسرحي يتحدث بلغة الماضي ويؤشر بجرأة الى أخطاء الحاضر وهو يفكك ويعّري ما أل اليه الحال في زمن الشتات والهجرة والبحث عن الخلاص ومن يقوده ، ليصدمنا في نهاية الامر ويهز وجداننا ويدعونا للافاقة من كابوس البحث والانتظار لان المخلص هو نحن ، هو أنتم ، هي الشعوب الحرة التي حين تواجه الجهل والتخلف وتكتشف قدرتها الذاتية تستطيع حينها أن تقف بوجه الطغاة والاستبداد وتنتزع خلاصها وشعلة حريتها ، رسائل الحرية عرض مسرحي معاصر كتبه بحكمة وتروي صاحب التجربة ومالك ناصية اللغة والقاريء المتعمق ببحر التأريخ وغوره المسكوت عنه وعن أسراره  الاستاذ عز الدين المدني ، وأخرجه برؤية فنية وجمالية مخرج يدرك أن المسرح حياة تتجدد بالبحث والاجتهاد وجرأة المغامرة وفك طلاسم المضمر والمخفي فيه  حافظ خليفة ، مازال المسرح العربي قادرا على المجادلة وأثارة الاسئلة وهّز القناعات ورفض الصمت والتسليم بواقع الحال …

 

دعواطف نعيم/ كاتبة ومخرجة مسرحية

 

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button