مقالات

غصة عبور.. عالقون بين ضفتي الأمل والواقع/ ياسر اسلم

على خشبة مسرح العرفان، وفي اليوم الأخير من مهرجان المسرح العربي، أشرقت مسرحية “غصة عبور” للمؤلفة تغريد الداود برؤية إخراجية من محمد الأنصاري. افتُتح العرض بأغنية جماعية “اعبروا اعبروا”، اجتاحت فضاء المسرح بروحٍ مفعمة بالأمل المشوب بالقلق. بين ضوءٍ خافت يُلقي بظلاله على الجسرين، وألحانٍ تتردد في أرجاء المسرح، تأخذنا المسرحية في رحلة بين جسرين معلقين قدّمتهما فرقة المسرح الكويتي. تجد نفسك عالقًا بين الواقع والحلم، بين جسرين يرمزان إلى الأمل الذي يحاول الجميع عبوره، وبين الواقع الثقيل الذي يعيدهم دائمًا إلى نقطة البداية. المسرحية تغوص عميقًا في النفس البشرية، حيث تتجسد المعاناة الإنسانية من خلال شخصيات تحمل أثقالها الخاصة على جسرٍ يبدو وكأنه مرآة لصراعاتهم الداخلية.

النص المسرحي جاء رائعًا بكل تفاصيله، كثيفًا ومفعمًا بالرمزيات، حيث تجاوز الجسر دوره كعنصر ديكوري ليصبح رمزًا للأمل المعلق بين الواقع والخلاص. كل شخصية على الجسر تحمل عبئًا يثقل خطواتها، وقيودًا اجتماعية أو نفسية تمنعها من الوصول إلى “الجهة الأخرى”:

المرأة (إيمان): تجسد الأمومة والتضحية في أنقى صورها. عجزها عن العبور لأن ابنها الرضيع لا يملك جواز سفر كان لحظة تعكس عمق معاناتها، لكنها تثير التساؤل حول إمكانية خلق نهاية أكثر جرأة، مثل تراجع الجميع عن التضحية لإنقاذ الرضيع، مما كان سيكسر النمطية ويضيف بعدًا غير متوقع.
• الكاتب (عماد): شخصية عالقة بين الهوية والانتماء. تخلصه من وثيقة اسمه الأجنبي ليعود إلى جذوره وهويته الأصلية كان لحظة مكثفة تُبرز صراعه مع ذاته ومع قيود المجتمع.
• العجوز (سعيد): رمز المسؤولية الثقيلة التي حملها طوال حياته. تخلصه من وثائق مالية تحمل أحلام أبنائه المستقبلية كان بمثابة اعتراف مؤلم باستسلامه للأقدار، في مشهد يحاكي أعمق صور الانكسار الإنساني.
• رجل الأعمال: وجه البراغماتية القاسية والمتجردة من الإنسانية. حضوره أضاف بعدًا دراميًا مكثفًا، خاصة في مشهد مطالبته بالتخلص من الطفل باعتباره عبئًا إضافيًا. هذا التصرف جعله يقف في مواجهة مباشرة مع القيم الإنسانية التي حاول الآخرون التمسك بها.
• رجل المرور: صوت السلطة والتنظيم، والمحرك الأساسي للصراع. دعوته الجميع للتخلص من “الأثقال” لم تكن مجرد نداء ظاهري، بل رمزًا للتخلي عن الماضي والأحمال التي تعيق العبور، لتترك الشخصيات في صراع داخلي مع ما يمكنها التخلي عنه حقًا.

قدّم المخرج رؤية إبداعية مبتكرة، حيث أصبح الجسران المحور الأساسي الذي تدور حوله الأحداث ورمزًا للفجوة بين الطبقات والآمال. الجسر العلوي ارتفع كرمز شامخ للأمل البعيد الذي يُخصص للنخبة والطبقة الثرية، بينما كان الجسر السفلي بحركته الديناميكية بمثابة انعكاس لحالة الاضطراب والصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات.

عندما يتحرك الجسر السفلي بشكل دائري، يتولد مشهد سينمائي بامتياز، حيث يشعر المشاهد وكأنه يحمل كاميرا خفية تدور حول الشخصيات، مما يعكس دوران الشخصيات حول صراعاتها الداخلية وأحلامها العالقة. هذه الحركة الدائرية لا تكتفي بتغيير الزاوية البصرية للمشهد فحسب، بل تضيف طابعًا بصريًا متجددًا يعمّق الإحساس بالتيه والبحث المستمر عن الخلاص.

استغل المخرج هذا المشهد السينمائي ليضع الجمهور في موقع المراقب والمشارك في آنٍ واحد، وكأنهم يدورون مع الشخصيات في دائرة مغلقة، ليعيشوا معهم حالة الجمود والقلق المستمر. هذه التقنية أضافت بعدًا دراميًا وبصريًا منح العرض تفردًا وأبقت الجمهور على تواصل دائم مع رمزية الجسر وصراعاته المتجسدة.

الرمزية كانت واضحة في استخدام الجسر كعنصر مكاني وزماني. نزول الشخصيات من الجسر إلى الأسفل خلال حوارات المونولوج كان بمثابة هبوط إلى واقعهم المؤلم، وكأنهم يواجهون حقيقتهم العارية بعيدًا عن أحلامهم. العودة إلى الجسر بعد انتهاء المونولوج كانت هروبًا واضحًا من هذا الواقع إلى أمل زائف أو مؤقت.

أما البوابات التي كانت تظهر وتختفي بين الحين والآخر في العرض، فقد حملت أبعادًا رمزية أخرى أضافت عمقًا للمسرحية. هذه البوابات لم تكن مجرد منافذ عادية، بل تحولت في العرض إلى أدوات متعددة الاستخدامات. مرة كانت تجسد سجنًا معنويًا يعكس القيود التي تعيق الشخصيات، ومرة أخرى كانت بمثابة أبواب تُفتح لتستدعي الشخصيات من أعماق ذاكرة الممثل، وكأنها انعكاس لصراعاته الداخلية. وفي لحظات أخرى، تحولت هذه البوابات إلى قبور، حيث جسّدت الموت كرمز للفقدان أو النهاية.

استخدام البوابات بهذه الطريقة كان إبداعيًا، حيث أصبحت وسيلة بصرية قوية للتعبير عن العزلة، الذاكرة، والموت. ظهور الشخصيات وخروجها من هذه البوابات أضاف حالة من التوتر والعمق الدرامي، وكأنهم يتحركون بين الماضي والحاضر، بين الأمل واليأس.

الجمع بين الجسر العلوي الذي يعكس الأمل والحلم، والبوابات في الأسفل التي تمثل القيود، الذكريات، والقبر، خلق تباينًا بصريًا ودراميًا عبّر بشكل رائع عن الصراع الإنساني بين السعي للعبور والبقاء عالقًا في دوامة الماضي وأثقاله.

الإضاءة في العرض كانت متقنة، حيث نجحت في إبراز الرمزية والصراع بين الأعلى، الذي يمثل الأمل، والأسفل، الذي يعكس الواقع. التلاعب بالإضاءة أضاف عمقًا دراميًا، خاصة في لحظات نزول الشخصيات وخروجها من البوابات. أما الموسيقى الكلاسيكية، فرغم قوتها وجمالها، إلا أنها في بعض اللحظات طغت على الدراما، مما جعل الصمت أو الحوار المسرحي بلغة مكثفة خيارين مفقودين كان يمكن أن يُبرزا ثقل المشاعر وتعقيد الشخصيات بعمق أكبر.

النهاية جاءت كتصعيد منطقي للأحداث، حيث تضحي الأم بنفسها لإنقاذ رضيعها. رغم قوة المشهد، إلا أنه كان متوقعًا. ربما كان من الأفضل كسر هذه النمطية بإيجاد حل درامي مفاجئ، مثل تضحية شخصية أخرى غير متوقعة.

“غصة عبور” ليست مجرد حكاية عن شخصيات تحاول العبور؛ إنها مرآة لصراعات الإنسان مع ذاته ومجتمعه. المسرحية تطرح سؤالًا وجوديًا: هل الأمل عبء يجب التخلص منه، أم هو الخلاص الذي يجعلنا نكافح رغم الألم؟ وهل تستطيع أن تعبر جسر حياتك دون أن تتخلص مما يثقل روحك؟

Related Articles

Back to top button