مسرحية “الموت” ما الذي يمكن أن يقوله المسرح عن الفناء/ أنيس حمدي

على ركح مركز الفنون الدرامية بالكاف قدمت مسرحية “الموت” عرضها الأول. والمسرحية من تأليف نور الدين الهمامي وإخراج الأزهر الفرحاني، ومن تمثيل نور الدين الهمامي وعبد السلام بوزيدي. كلاهما سليل هذه الأراضي الحزيرة ذات الأحراش الممتدة من السباسب العليا إلى الشمال الغربي الغنية بتراثها الغنائي البدوي. وكلاهما متشبع بذلك التراث وبيئته التقليدية، وكلاهما يملك صوتا ممتدا محملا في طبقاته برجع الريح وهي تمر على الحلفاء وتوقع خطى القطيع في آخر النهار. كلاهما حافظ لأدوار من “الملالية” كثيرة، ومن “هزان الطرق” مع ارتجالات في التصويت يتيحها هذا النمط الغنائي بطبعه للمغني، فينفث في إنشاده بما يجيش في النفس من الحرارة بصدق لا تصنع فيه. ولست أذكر على وجه الدقة إن أنشدا شيئا من هذه النفحات في ما قدماه من مسرحيات، ولكن يبدو أن هذا العمل مثّل الفرصة ليتجاوب صوتهما في الإنشاد والنوح والبوح والإنشاد الصوفي أيضا. استغرق الإنشاد الصوفي مشهدا خصص له، وكان ساتيري الطابع ساخرا، ولكنه لون آخر من الغناء الصوفي في الوسط الشرقي على ما أظن، سلمت روحه من التسويق المفرط الذي عرفته الحضرة الصوفية منذ أن تم تحويلها إلى عروض فرجوية ضخمة.
في أعلى الركح لا نرى سوى جدارا كبيرا يتوسطه مدخل مستطيل الشكل، هي بوابة خالية من كل زخرف أو تشكيل، لا منحوتات دائرية سواء أكان بارزا أو مقعرا، لا تيجان ولا أقواس أو إيقونات. إنها بوابة هندسية ضخمة ولكن بسيطة تنتصب في أعلى الركح لا تحيل على عصر أو جمالية معمارية معيّنة، هي فقط فاصل بين عالمين، عالم الأحياء وعالم الموتى. وتُستعمل للعرض الضوئي لما يشبه أثر دورة الشمس خلال النهار وصولا للمساء ولأحوال الطقس، ولكنها في الواقع مرآة لأحوال النفس في كل مشهد. الفضاء المسرحي كله عبارة عن جبّانة بها قبر وحيد ينوب في الدلالة البصرية عن بقية القبور. وفيما يغرق فضاء الأحياء وراء تلك البوابة في الظلام، يُضاء فضاء المقبرة وفيه تقع الأحداث وينفتح على الدنيا بكل تصاريفها وتقلباتها. تتحول أرجاء المقبرة إلى زوايا صوفية وقاعة أفراح ومقر شركة مستحدثة لإقامة الجنائز، وسوى ذلك من الأماكن التي يستحضرها حفار القبور العجوز وابن أخت له يساعده في العمل ولكنه ساذج الطبع عفوي الروح كأنه رجل بعقل طفل.
أعلنت المسرحية من عنوانها عن موضوعها ومدار اهتمامها الذي هو الموت. ولا بد أن أذكر أن العنوان مع صورة المعلقة الذي يسودها اللون الأسود، مضافا إليها البداية البكائية للعرض قد تلاعبت بانتظاراتنا كمتفرجين، وحسنا فعلت. فما من أحد من الجمهور بمن فيهم كاتب هذه السطور، قد خرج في هذه السهرة الرمضانية وهو يرجو مشاهدة لوحة مسرحية سوداوية أو لتلقي خطاب مسرحي يخبرنا إلى أي حد هذه الحياة مخيّبة للآمال هادمة للذات، مادام الموت يترصدها في كل آن ويُنهيها آخر الأمر على كل حال. لا يفوتني أن أقول أن العنوان غير متوقع وغير مألوف. لقد رأينا عشرات المسرحيات بل المئات من المسرحيات التي اختير لها عناوين مستوحاة من مآسي الحياة وآلامها. والأكثر أن يختار المخرجون لأعمالهم عناوين منزوع عنها التعريف بالألف واللام، وذلك أمر لعلّه يستحق التأمل والدراسة في مسرحنا التونسي، ولكنها مسألة أخرى. أما أن يُسمي كاتبٌ مسرحيته “الموت” هكذا بكل بساطة، أقصد بكل جفاف. الموت شاخصا، كالحا، دون ربطه بأي معنى آخر ولا إكسائه شيئا من الشعر أو الرومنطيقية. وفوق ذلك مُعرفا بالألف واللام ! فذلك أمر لم نر له مثالا ولم تجري به عادة.
أهو الموت الميتافيزيقي وهواجس مواجهة المصير المحتوم وآلام الفقد، أم هو الموت الرمزي سواء ارتبط بقيم تزول أو بنظام عالمي ينهار، أم هو الموت الذريع المتلفز والمرقمن في حروب العدوان والإبادة. أم لعلّ موضوع المسرحية مستوحى من إحدى المسرحيات التي تدور حول الموت والمصير المأسوي كما هو شأن التراجيديات الإغريقية. لقد كان العنوان واسعا جدا حتى أنه يحيط بألف احتمال وأفق للانتظار. الواقع أن المسرحية غالطتنا، ولا تحتمل المغالطة هنا معنى أخلاقيا، إذ هي تلاعبت بانتظاراتنا وفاجأتنا في أسلوبها لتناول موضوع الموت ولكن أيضا في أسلوب الأداء. تم التنصيص على طابع الكوميديا السوداء الذي يسم العمل، والكوميديا السوداء قوامها تناول المواضيع الجدلية المحرجة كالموت أو الخيبة أو الألم بأسلوب ساخر قد يكون في كثير من الأحيان قاسيا نابعا من الوعي بعمق مأساة الإنسان ومنها ينبع الضحك الأسود، فنكون إزائها ضاحكين من الوجع أو مبتسمين بعيون دامعة. وتلك المهمة الإبداعية الدقيقة من عمل الممثل الجيّد المتمكن من أدواته. يجب أن نقول أن أسلوب الأداء قد راوح بشكل سلس وفريد بين نمطين من الأداء، أحدهما درامي بكائي يبعث الشجون، وآخر كوميدي ساتيري وأحيانا كاريكاتوري. في المسرحية أيضا جرأة بل مجازفة. كيف تلعب بسخرية في فضاء الجبّانة دون أن تدنس القبور، وكيف تصوّر المنشدين الصوفيين تصويرا متهكما دون أن تسيئ للمقدسات ؟ ذلك هو التمييز الدقيق في لعبة التمثيل بين التصوير الكوميدي لأنماط إنسانية وبين ما قد يرتبط بها من مقدسات. وهو لعمري معادلة صعبة.

ولنأت الآن لذكر أهم ما يميّز عمل الممثلين كثنائي. فالمسرحية من نوع الديودرام أي المسرح الثنائي الذي يقوم على تكامل ممثلين اثنين في الأداء. والتناغم بين الممثلين في اللعب والتبادل أساس يقوم عليه العمل ككل، فهو ضامن لانسجام الخطاب الركحي وانسيابيته. وعلى عاتقهما معا قام تكامل المواقف التي أدّياها، والشخصيات المتعددة التي لعباها، ولم يقتصر ذلك في القدرة على شد الجمهور فقط، بل في نوعية الإصغاء بينهما وتزامن الحركات وجودة التبادل في ما كل ما يتعلق بالإيقاع والصمت والإحساس، وأساليب اللعب المتعددة التي راوحا بينها وانتقلا بشكل خال من الافتعال والتكلّف. عندما بدأ أداء الممثلين يصبح ساتيريا ساخرا خشيت أن يذهب الإضحاك بعمق الطرح الذي بشر به العمل في عنوانه، أو السقوط في السخرية المتوارثة من لهجة أهل الريف في المسرح الشعبي. ولكن الوضعية الساتيرية البسيطة كانت تصنع لنفسها عمقها الوجودي الخاص من خلال المواقف التي تعبّر عن حياة البسطاء وتصوّر أسلوب المهمشين في العيش والتفكير.
ها هي مسرحية مازالت تؤمن بالممثل، ليس فقط الممثل الذي يؤدي ما يُعهد إليه أو يؤدي الدور أو يوظيف جسده وصوته لتبليغ فكرة ما، بل الممثل الحامل للشخصية المسرحية وهمومها، الشريك الفاعل في الخطاب المسرحي والمقترح الإبداعي.
الأزهر الفرحاني مخرج العمل، مُقل في التجارب الإخراجية ولعلّه يعدّ نفسه ممثلا بالأساس، وللممثل فضائله ومزاياه التي لا تنكر عندما يتكفل بالتصوّر الإخراجي وإدارة الممثلين. ذلك أنه لا يُخرج العمل المسرحي إلا بروح الممثل. إن الممثل أعرف بتجربة التمثيل من الداخل وما يعتري عمل الممثل من مشاق المعاناة الإبداعية ومخاطرها، مما يدفعه لخلق أجواء آمنة لمن يوشك أن يتعرى على الخشبة. لكن الأهم أن رؤيته تجعل من الممثل مدار العمل والمحرك الأساسي للعرض، فهو لا ريب مؤمن بأولية اللعب على الإخراج. وأظن أن ذلك قد انعكس على عمل ثنائي التمثيل اللذان جمعهما العمل، وهما نور الدين الهمامي وعبد السلام البوزيدي. من الواضح أن الممثلين يتحركان في فضاء ركحي ساهما في هندسته بمقترحات اللعب، لذلك يشعر المشاهد بأنهما يتملكان الفضاء المسرحي ويلاحَظ أنهما يلعبان بأريحية لا تخطئها العين. لكليهما تجارب مسرحية، ولكن تجربة نور الدين الهمامي أكبر بحكم أنه أسن وأقدم في المجال، وله إلى ذلك تجارب في الكتابة وهو كذلك كاتب نص هذه المسرحية.
وقد رأيت على مدى سنوات عروض عديدة في سواء من جهة الكاف وغيرها من جهات الداخلية التي كان مسعى صُناعها، وبعضهم من طلبتي القدامى، يمتحون من بيئتهم التقليدية أشكالا من التعبير والكلام كأنهم يريدون بذلك تأصيل شيء في ثقافتهم المحلية وتوظيفه مسرحيا. وقد لاحظت أنهم أحيانا يتجاوزون القصد إلى الإغراب والتقعر. لا أذكر ذلك إلا لأثني لغة مسرحية “الموت” التي كانت كلها بنت بيئتها الريفية المحلّية، ولكنها جاءت على نمط مختزل لا إطالة فيه. ونجحت خاصة في إظهار إلمعات شعرية عميقة من لغة أهل أريافنا البسطاء.
تكشف المسرحية عن عالم آخر من الحياة قائم في المقبرة، وعن دورة اقتصادية كاملة تدور حول الموت والموتى تقوم عليها طبقة من الناس همشتهم الحياة وجعلت رزقهم في حفر القبور والعناية بها وإقامة الجنائز والقراءة على الموتى والإشراف على الولائم الجنائزية وغير ذلك من النشاطات التي لا تخدم الميت وحده ولكنها تخدم الذاكرة وتثبّت الحضور الرمزي، ليس للموتى وحدهم، ولكن لبنية اجتماعية وثقافية كاملة. الموت ليس نقيضا للحياة، بل هو وجه آخر لها. يتعايش عاملا المقابر مع الموت بوصفه عملا ولكنه أيضا بوصفه حقيقة. ككل حيّ ليسا في مأمن من غوائل الموت، في البداية كان الشاب الساذج ينوح باكيا عند قبر أمه، وتختتم المسرحية بوفاة حفار القبور العجوز. وفي ما خلا ذلك فإنهما يتعايشان من الموت كمورد للرزق ويعتاشان على تلبية احتياجات سوق الموت. إنه ليقفز في الذهن ما يشاكل هذا الموضوع ويضارعه في السينما، وأقصد هنا فيلم “السقا مات” حيث كان شحاتة، تلك الشخصية التي أداها فريد شوقي، يشتغل بالمشي في الجنائز لابسا البدلة والطربوش، ليؤمِّن تكريما للميت وخاصة لأهله ترتبط بحاجة لتأكيد انتمائي طبقي مزيف. ولا ينال شحاتة عن ذلك العمل شبه المسرحي إلا أجرا زهيدا. ومثل شحاتة كان عمار حفار القبور يعتاش من الموت، ومثله لم تكن مجاورة الموت تمنعه من أن يحب الحياة ويقبل عليها، ومثله فاجأه الموت وهو لايزال يرجو من الحياة ما يرجوه منها كل حيّ.
تختلط في المسرحية التأملات في الموت ومشاعر الفقد، بالسخرية من اختزال الصلات الاجتماعية في المصلحة المادية، ومن احتفاظ البعض بأحقادهم حتى على من غيّبهم الموت، وأحيانا بالنواح على ما آلت إليه صلة الناس بعضهم ببعض أحياء وأمواتا. لا تقول لنا المسرحية أن في العالم المحيط بالموت حياة وصلات وتطلعات فقط، ولكنها تقول لنا أن في الحياة المعاصرة شيئا من سيمات الموت وأعراضه. وأن الكثير من الأحياء أموات وأننا نعاني من أزماتنا معيشتنا اليومية ما يشبه النزع، وأن الفقر وقلة ذات اليد قد يجعلنا نواجه أبسط صعوبة مالية كأننا نواجه ملك الموت، كأن حياتنا احتضار طويل وسكرات موت متتالية.



