المركب توشك أن تغرق..في مسرح السلام/ د. حسن عطية
عن:الكواكب المصرية
قبل ثلاثة أيام من إعادة افتتاح مسرحية (باب الفتوح) بفرقة المسرح الحديث على مسرح السلام بالقاهرة، بعد ترميمه، وبعد تقديمها قبل ذلك بالإسكندرية، مرت الذكرى الثالثة والتسعين على ميلاد كاتبها “محمود دياب” (25/8/1932)، والذي رحل عن دنيانا وقد تجاوز الخمسين بعام واحد، قدم خلال عقدي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي سبعة نصوص طويلة، وسبعة قصيرة وواحدة متوسطة الطول، وأوبريت (موال من مصر)، فضلا عن أعمال روائية وقصصية ودراما تليفزيونية .
كان لي حظ مشاهدة مسرحيته الطويلة الأولى (البيت القديم) عرضا على مسرح (الهوسابير) فى منتصف عام 1964 ، من إخراج “على الغندور”، وقد فازت بجائزة مجمع اللغة العربية 1963 ، حينما كان يهتم هذا المجمع بتشجيع المسرحيات المكتوبة باللغة الفصحى، وأن أضطر “دياب” لتحويل حوارها إلى العامية، لعرضها على المسرح ، وتدور حول العلاقة الاجتماعية بين الطبقة الثرية في المجتمع والشرائح الصغرى من الطبقة المتوسطة، وأن سبق (البيت القديم) نص قصير باسم (المعجزة) كان هو اللافت للنظر إليه، حيث فاز بجائزة مؤسسة المسرح والموسيقي 1962، ومن المرجح أنه كتبه في نفس العام، لأنه يطرح قضية التأميم للمصانع الخاصة، وأحقية العاملين فيها لها، دعما لعملية التأميم التي قامت بها الدولة للمصانع بداية من يوليو 1961 وتمليكها لعمالها .
تألق حضور “دياب” في الستينيات، بثلاثة نصوص طويلة هي: (الزوبعة) و(ليالي الحصاد) بالعاصمة و(الهلافيت) بالأقاليم، وثلاثة نصوص قصيرة : (الضيوف) و(البيانو) و(الغريب)، ثم كتب (باب الفتوح) عام 1971 ، عقب رحيل “عبد الناصر” الذي مثل لجيل الستينيات نموذجا للقائد الزعيم المتماهي بعسكريته ونضاله وقوته وحلمه في استعادة فلسطين المحتلة، مع (الناصر) “صلاح الدين الأيوبى” القائد المنتصر في التاريخ البعيد، غير أن صورة هذا القائد قد اهتزت بهزيمة 67 ، ثم رحل لتتوقف معه حرب استنزاف العدو الإسرائيلي، فيثور الشارع ضد هذا التوقف، ويكتب “دياب” نصه وقتذاك مستدعيا نموذج الماضي البعيد ليحرك مياه الحاضر شبه الساكنة، ويشرع “سعد أردش” في إخراج نصه عام 1971 ، في نفس عام تخرج مخرج اليوم “فهمي الخولي” في المعهد العالي للفنون المسرحية، غير أن الرقابة تصادر العرض وهو يقترب من فتح الستار عليه، ويتأجل حتى يلتقي بجماهيره عام 1976، ثم يصبح واحدا من النصوص المتجدد حضورها في مسارح الجامعة والأقاليم لوضوح هدفه وحدة صوته وتمرد كلماته .
وها هو “فهمي الخولى” يقدم لنا رؤيته الراهنة لهذا النص السبعينى، ورغم معرفتنا بأن النص الدرامي المتميز ينفلت دوما من زمن إبداعه ليخاطب المجتمع في أزمنة لاحقة، إلا أن النص يظل مرتبطا بروابط وثيقة بلحظة إبداعه وحال مجتمعه وقتها ورسائل المؤلف التي بثها في بنيته الدرامية، خاصة هذا النص، فهو الأكثر التصاقا بعقل مجتمعه زمن كتابته، مما يجعل المتعرض له اليوم يقف كثيرا أمام تعدد أزمنته، حيث ينطلق العرض من تجمع سبعة من شباب الوطن المثقف المتمرد أوائل سبعينيات القرن الماضي، يعانون التمزق بين الإحباط في ثورة قادتها أجيال سابقة عليه، حققت له بعض من أحلامه، لكنها تركته في مفترق طرق بعد هزيمة جيشه ورحيل زعيمه، وبين حلمه بزعيم جديد يزيح عنه مرارة الهزيمة، ويعيد له كبرياء الوطن الجريح .
على حين أن هذه المجموعة قد صارت اليوم تمثل شبابا مختلف الطموح والرؤية؛ شبابا ثار على هزيمته السياسية والاقتصادية، وتمرد على أية زعامة يمكن أن تقوده للنصر، ورفع في الشارع وعلى المسرح شعارات (الحرية والكرامة والعدل الاجتماعى)، دون أن يجد تحققا ملموسا لها على أرض الواقع، فسرى الإحباط بداخله، وذابت من بين يديه طموحاته، وفجع في زعماء جيله وزعماء الأجيال السابقة الذين تعلق عقله حينا بهم، فاستكان بزعيم جديد، يعاود فكرة التماهى مع الناصر القديم والحديث، بنظرة متعلقة بالماضي وعاجزة عن النظر للمستقبل .
كان “فهمى الخولى” موفقا في اختياره لهذا النص الرصين، وإعادة قراءته وتقديمه على ضوء الواقع، ودرسا لمن يهيل التراب على تراثنا الرائع من نصوصنا الدرامية المتميزة، وأن لم يوفق في تحقيق التماس بين موضوعه وبنيته الدرامية ورسائله القديمة ومثيلتها اليوم، فضلا عن تغييره لموطن المفكر الحالم به شباب الأمس واليوم من أشبيلية بالأندلس المزعزع حكم العرب بها، إلى مصر الساعية للاستقرار، مغيرا من اسم بطل المسرحية المفترض من “أسامة أبن يعقوب” إلى “أسامة أبن منصور”، إلى جانب امتهان روح النص التراجيدي بافتعال الكوميديا الساخرة من شخصياته وعالمه .
يلجأ العقل المجهد دوما للتاريخ بحثا عن الطمأنينة ومعرفة النتائج التي وصلها حال مشابه لما يعيشه اليوم، وشباب مسرحيتنا لا يلجأ فقط للتاريخ الرسمي بحثا عما يريد، بل هو يعيد صياغته وفقا لما يتصور أنه التاريخ الحقيقي. وهم حين يستدعون زمنا ينتصر فيه الأجداد عسكريا، يرونه من منظور الحاضر ممهدا لفقد انتصاراته هذه لغياب التأسيس الإيديولوجي له، كما حدث بالفعل في الماضي، فيعودون للزمن الذي يبدأ بالهزيمة لينتهي بالنصر، حيث تتداعى في بدايته دولة الفتوحات، ويسيطر الأوربيون باسم الصليب على قلب أراضيهم، وفى مقدمته القدس، وتتخلخل الأندلس وتبدأ في طريق الانهيار، وحكام المسلمين مشغولون بتأمين أنفسهم، ثم يظهر “صلاح الدين” ليقود جيشه المصري لصد الصليبيين وتحرير المدن المحتلة، تاركا البلاد بيد الفاسدين، ولا يكتفي شباب المسرحية باستعادة قائدهم العسكري التاريخي المنتصر، بل يختلقون في بنية درامية خيالية من يمثلهم ويمنحونه اسم “أسامة” (محمد رياض)، مثقفا قادما ي النص من الأندلس، الذي شكل واحة ثقافية تمسك رمزها الأشهر “أبن رشد” بالعقل والعلم والمعرفة ، أو عقلا مصريا في العرض يملك أفكارا ثورية عن الحرية والعدل، مطلقينه في الدراما باحثا عن سبل الوصول بكتابه هذا المعنون ب (باب الفتوح) لقائدهم العسكري في حومة الوغي ، عله يدعم قوة سيفه بفكر اجتماعي عادل ومستنير، ودالفين معه للتاريخ المستدعى لدعمه .
أنها ذات الفكرة التي طرحها الفكر العربي خلال القرن الماضي، فكرة الحاكم الحازم العادل، والتي حملت عنوانا بغيضا هو (المستبد العادل)، ولذلك لا يفكر المثقف “أسامة” في قيادة الأمة، بل يكتفى بالسفر خلف القائد المنتصر ليرشده نحو ما ينبغي عليه فعله بعد انتصاره متصادما، أمام معسكر القائد المنتصر في إحدى جولاته، بالمؤرخ الشيخ عماد الدين” (محمد محمود)، الذي يمثل في النص قوة مؤرخ السلطة الغاشمة، والتي تداعت في العرض بعد أن صارت شخصية مائعة، تلقى بإفيهات ساذجة، وتتواصل مع القائد عبر التليفون المحمول !! .
يطرح “دياب” في مسرحيته موضوع المثقف والسلطة، ولا يطالب بأكثر من أن يكون لهذا المثقف دور في توعية عقل السلطة بما يجب أن تفعله لبسطاء الوطن، ولهذا يحمل كتابه أحلام الشباب في مجتمع عادل، يكون لكل فرد في الأمة حق معلوم في المأكل والملبس والمسكن والعلم، ومجتمع ديموقراطي، تختار فيه الأمة حاكمها بحرية، وهى نفس الأحلام التي عبرت عنها مواثيق ثورة يوليو ، ونجحت إلى حد كبير في تحقيق حلم العدل، وأخفقت في حلم الديموقراطية بالمعنى الليبرالي، وغير المتسق بالضرورة مع حلم العدل لمجتمع نام، ولذلك فدعوة شباب السبعينيات المسرحية لم تأت بالجديد فكريا، بقدر ما أعادت المطالبة بتحقيق ما تم الاتفاق عليه دستوريا، وهى مطالبة متجددة نتجت عن هذا الإدراك منهم بأن مركب المجتمع في السبعينيات “توشك أن تغرق”، واستشعارا من “محمود دياب” بعودة أهل كهف ما قبل الثورة للهيمنة على مقدرات الوطن .
بينما مجتمع اليوم يعانى من تخبط وعدم حسم قضايا العدل لتعاظم دور الشرائح الرأسمالية التي تقاوم كل خطوة نحو العدل الاجتماعي ، وهى الدعوة الأكثر إلحاحا اليوم عند بسطاء الأمة، من الدعوة إلى الحرية التي مازالت النخبة المثقفة متعلقة بها دون إدراك عميق بالعلاقة بين حرية الرأي المتعلقة بلقمة العيش، وحرية الاقتصاد المؤثرة في لقمة العيش هذه، ولهذا عندما يؤكد “أسامة” في نهاية الجزء الأول من العرض على أن “المركب توشك أن تغرق”، لا يستبين الأمر أمام الجمهور عن أية مركب يتحدث : هل هي مركب زمن “صلاح الدين” المنتصر داخل النص المستدعية تفاصيله من التاريخ ؟ ، أم زمن “أسامة” الممثل لشباب السبعينيات المرتبك أمام حالة اللاحرب واللاسلم؟ ، أم هو الزمن الراهن الصامد في مواجهة الإرهاب ؟، وهى أسئلة عجزت رؤية العرض الحالية عن الإجابة عليها .
تتعمد المسرحية عدم ظهور القائد “صلاح الدين “، مبرزة دور المثقف اللاهث خلفه، منذ انفلاته من الشرطة حتى وصوله إلى أحد معسكراته، فتطارده شرطة وزيره “سيف الدين” (أشرف سيف)، ويكفره مؤرخه الرسمي، فيفر منهما ليلتقي بالبسطاء أمام أبواب حطين وعكا المستعيدتين من أيدي الفرنجة ، يساعده فى الانفلات من الشرطة كاتب المؤرخ الشاب “زياد” الجاد والذي تمس أفكاره عقله، وأن عمل العرض على تقديمه بصورة ساخرة تجعلك ترفضه ولا تصدق أنه سيؤمن بأفكار المثقف الثوري ويتحالف معه. يلتقي “أسامة” في طريقه للقدس بأسرة “أبو الفضل” (يوسف شعبان) الفرحة بالعودة لأرضها الموشك “صلاح الدين” على تحريرها بقوة سيفه، رافضين عودتها بالنصر الهزيل والمقايضة، وهو ما حدث، ونحن نرى القدس قد تحررت من الفرنجة، لكن تقف الشرطة على أبوابها، مانعة فقرائها من دخولها، سامحة للسادة والتجار فقط بالولوج إليها، ويخرج شبابا من القدس يلتفون مع أسرة “أبو الفضل” حول “أسامة” ويسهلون له أمر دخوله القدس، وهناك يودع “أسامة” أفكار كتابه بأفئدة الشباب كي يحافظون عليه، بل ويحفظه الفتى “زياد” عن ظهر قلب، وكأنه أحد شخصيات فيلم المخرج “فرانسوا تريفو” (451 فهرنهايت) الذين حاملوا أفكار الكتب المصادرة للاحتراق بعقولهم، وخرج كل واحد من شباب العرب إلى مدينته ناقلا أفكار الكتاب، وكأنهم رسل “أبن رشد” الذين خرجوا لجنوب وشمال المتوسط يحملون أفكاره المصادرة للاحتراق في فيلم “يوسف” شاهين” اللاحق (المصير)، غير أن “أسامة” مازال مصرا على لقاء القائد، رغم الظروف المتغيرة حوله، فبيت الرجل الطيب “أبو الفضل” قد صار ماخورا، بعد أن استوطنت به يهودية عاهرة وابنتها الخليعة، وحرص العرض على إبراز تهتك المستوطنة وابنتها تأكيدا للصورة النمطية عن اليهوديات وخلاعتهن، على عكس النص الدرامي الذي أكد على أن الطبقة الرأسمالية التي يدينها النص وكاتبه هي التي مكنت هذه المرأة من استيطان بيوت العرب .
لا نستطيع في عرض كهذا، أفجعنا برؤيته ومستواه، أن نتكلم عن ديكور أشبه ب (فانوس رمضان) حين تتجمع أجزائه، ولا يحمل أية دلالات تاريخية أو فكرية حين يتفرق في فضاء المسرح، ولا عن أداء تمثيلي لنجوم أثبتوا قدراتهم في عروض سابقة، وظهروا اليوم في عرض راهن على الارتجال ، فبهتت معالمه والشخصيات التي يؤدونها، ولا عن رجع صدى لدى جمهور لم يلتقط من النص المتميز غير نكات وأغان ورقصات لا علاقة لها البتة بموضوع المسرحية وغاية تقديمها في المسرح الحديث .



