نقد

كتاب الخميس (الحلقة الثامنة والستون) (ج:3) / محمد محسن السيد

اسم الكتاب : “ سردية النص المسرح العربي

الكاتب: بيداء محي الدين الدوسكي

الناشر: دار الشؤون الثقافيه العامة/ بغداد 2006.

 

***************

د– الزمن التاريخي:

ان هذا النمط من الزمن يقترن بموضوعة الدراما حيث زمن الاحداث ينتمي الى حقبة تاريخية معلومة، وهو يمثل زمن الخيال (الماضي) حيث استحضار الماضي وتكليفه بمهمة جديدة.

وهناك الزمن الاسطوري المندرج تحت زمن الخيال، وهذا الزمن دائري حيث ان الاشياء تتغير في نطاق ولكن دائما في نفس الاتجاه، وحيث يكون من الضروري التجديد، وان نضفي على الاشياء مسحة من الشباب، ان زمن الاسطورة هو حركة متجددة، دائرية مثل الفصول).

ان الزمنين التاريخي والاسطوري يمكن عزوهما الى زمن القصة، ومن خلال العلاقة بين زمني الخطاب والقصة يمكننا رصد التنافر الزمني الذي يتخلل بنية الاحداث، اما زمن الحوار (زمن الان – الحاضر) فهو الذي يمثل الطابع العام المهيمن على فحل السرد في النص المسرحي، اذ يتمفصل حاضره في ثلاث مظاهر هي: التوقع الذي يسميه حاضر المستقبل، والتذكر، الذي يسميه حاضر الماضي، والانتباه الذي حاضر الحاضر. من هنا يأتي تذبذب الزمان، بل يأتي تقطعه المتواصل) .

وحول الفرق بين الزمن السردي في المسرح وفي الزمن السردي في النص المسرحي نقرا : (اذا كان الزمن السردي في المسرح تراكميا يُعنى بالوصف، فينجز السرد ماديا على الخشبة، ويتلقى المتفرج سرديات النص في شكل مباشر او غير مباشر إبان واقعية حسية في الزمن وليس في اللغة الامر الذي يؤول بضمير السرد (هو) الى التنازل على وجوده للضمير (انا) الحاضر والحي دائما، فان كزمن السردي في النص المسرحي اللفظي لا يكون بالضرورة مشابها للزمن المعروض على الخشبة).

وهنا يصل بنا المطاف الى موضوع (الزمن في النص المسرحي الكلاسيكي) وهو اولى مواضيع هذا الفصل حيث جاء في مقدمته: (اذا كانت المقولة التي تقول ان السرد هو بنية اللغة التي يكون فيها الزمن مرجعها الاخير. نقول اذا كانت صائبة فان مقاربتها مع الداراما صحيحة، لكونها خطابا لغويا قائما على بنية الحكي المقترن بالفعل / الحدث).

اما عن التقنيات التي من خلالها يتبلور الزمن السردي في النص المسرحي الكلاسيكي نقرا: ( يتبلور الزمن السردي في النص المسرحي الكلاسيكي عبر تقنيات عدة من شانها خرق ذلك التتابع الكرونولوجي الخطي للزمن المسرحي الذي لا يمثل حصة مقتطعة من الزمن الذي نحياه بل هو ايضا من معروض. صورة لغوية في الخيال المسرحي. وهذا التنافر بين زمني الخطاب والقصة من حيث اليتا الاسترجاع والاستباق، والتناقض في ايقاعه من حيث السرعة والبطء المتمثل في المشهد، والخلاصة، والحذف، والوقفة) الى جانب انماط التواتر التي نستشفها من خلال العلاقة بين زمن السرد وزمن القصة يعمل في الدراما الكلاسيكية – تحديدا – على توفير اضاءات جانبية – وليست عرضية – تتخلل المشاهد المسرحية بين الحين والاخر لكي تعود بنا الى ايام خلت من الاسطورة عبر تمثل ما كان قد وقع، سواء عن طريق السرد، او الاخبار المتأتي من خلال الحوار، او يتجسّد في سرد ماحدث قبل بداية المسرحية، ليلقي ضوء على سير الاحداث) .

اما عن كيف تتجلى صيغ الزمن في الدراما فنقرا ما نصه: (تتجلى صيغ الزمن في الدراما عبر منافذ عدة بحسب انشائية التكوين الدرامي متخللة المشهد المسرحي الذي قد يكون حاثة عرضية او قد يكون قصة داخل قصة اوسع مرتبطة بالفعل الرئيس، ولكنها ليست جزءا متمما له، واذا ما ضمنت مثل هذه الحادثة العرضية، فمن المتحمل، والمهم ان تمسرح، وقد يكون المشهد استرجاعا للماضي، كما قد يكون حادثا خارجيا، والفكرة ذاتها يمكن ان تكون اسمى فعل) .

من هذه المنافذ المشهد الاستهلالي الذي يختزل زمن القصة الى مفردات وعبارات محددة، ليقدم لوحة بانورامية سابقة لما تتويق الدراما الى معالجته فكريا وفنيا في تضاعيفها تكون بمثابة حجر اساس لها.

وبالانتقال الى الاجراء التطبيقي تاخذنا الباحثة الى اولى العينات هي مسرحية (الفلسطينيات) لعلي عقلة عرسان، لنقرا :

النساء : عشرون عاما مرت الاعوام، ايقظت النيام عشرون عاما والخيام على الخيام  ومعابر الحارات والامصار وتغفو في الظلام

ويمر عام بعد عام ، وتهب موجات فتزداد الخيام وتعج ارصفة الشوارع بالنيام

-هذا بن فلاح اجير

-هذا ابن عاملة بلا ماوى ، وذلك من فلسطين السلبية

مرت الاعوام عام بعد عام

عشرون عاما .. والحطام على الحطام

عشرون عاما ندفن الاعراس والاجزان في قلب ذبيح).

حمّل المؤلف هذا المشهد موجزا اخباريا من شانه عرض اهم الحقائق التي طواها الزمن إبان اكثر من الية زمنية تحدد العلاقة بين زمني الخطاب والقصة، منها الخلاصة التي تعتمد في الحكي على سرد احداث ووقائع يفترض انها جرت في سنوات او اشهر او ساعات، واختزالها في صفحات او اسطر او كلمات قليلة دون التعرض للتفاصيل، كما في قوله (عشرون عاما) المتكررة تاكيده من خلال قوله “مرت الاعوام، ويمر عام بعد عام، ومرت الاعوام عاما بعد عام …) الية الحذف المعلن والذي يصدر عن اشارة محددة او غير محددة الى ردح الزمن الذي تحذفه، الامر الذي يماثلها مع مجملات سريعة جدا مشعرا باختزالية الزمن وسرعته المكثفة التي تؤمى الى انتفاء التجديد، انه تعبير عن سلبية الحدث وعدم فاعليته، حيث الوقائع متواترة فما زالت الحقوق مستلبة، والحرمات مستباحة، والخيرات منهوبة، والاراء مصادرة، والقدرات معطلة.

وفي نموذج اخر (هو اشطر من ابليس) لمحمود تيمور نرى ما يأتي:

القطب: اتذكر متى ارسلنا – سنابك – ؟

القطب: واعجبا ! عشرون عاما تنقضي في اغواء آدمي عُرف بالصلاح ، انحن حقا ابالسة؟!.

اذ اخترقت الية الخلاصة الحوار الدرامي المتبادل بين الشخصيتين، فاجتمع زمنان: زمن الخطاب (الحوار)، وزمن الخطاب المتشخص بـ(عشرون عاما) الذي اخترق زمن الخطاب الآني، ليشير الى مدى الزمن المستغرق للقيام بهذه المهمة، وليثير انتباه القارئ الى مغزى النص، وهو ما نلمسه كذلك في (حفلة سمر من اجل 5 حزيران) لسعد الله ونوس، اذ تخلل الاسترجاع الخارجي الذي تم عبر السرد التقليدي للحوار المتبادل بين المخرج وعبد الغني لغاية تعليمية :

عبد الغني: اسمع اذن. مرة اندلعت في قطر شقيق ثورة، فتحمس لها شباب كثيرون هنا ، وقرر بعضهم السفر فعلا للمشاركة فيها، وكان بين الذين سافروا شاب يحلم بان يكون كاتبا او زعيما سياسيا او نجما سينمائيا لا فرق. وقد صار فيما بعد واحدا من احلامه. هذا الشاب حين وصل ورفاقه عاصمة القطر الشقيق حجز معهم في الفندق، ودخل فورا الى غرفته، خلع ثيابه، لبس بيجامته، وانكب على طاولته بضع ساعات كتب فيها ثلاثة عشر سطرا عن الثورة، ثم خرج بعدئذ يقرا على رفاقه ما كتب، وهو يتساءل بانبهار ودهشة، فيما اذا لم تكن الثورة قد اندلعت فقط ليكتب هذه السطور، ويبدو انه ظل فترة طويلة بعد ذلك يقرأ على اصحابه وسطوره ويطرح مندهشا سؤاله).

لقد تبلورت المفارقة الزمنية في خطاب الشخصية وهي تحكي وقائع قصة لشاب طموح ضمنتها خطابها المباشر مع المخرج من خلال الية الخلاصة التي يبدو – كما ذكرنا سلفا – ان النص المسرحي يعتمدها غالبا مع الية الحذف عندما يتطلب المشهد استرجاعا الى الماضي، لطبيعة بناء زمنه الذي يروم توجيه الاحداث كلها نحو الحاضر، أو اشعارنا بآنيتها، وفي كونها مجربة معيشة. وفي النص نطلع على آلية الاستباق التي تدل على كل حركة سردية تقوم على ان يروى حدث لاحق او يذكر مقدما، اذ نقف عند الاستباق المشهدي الذي تتنحى فيه الشخصية – السارد – وهو المخرج تاركا صوته للشخصيات التي نسجها خياله وهي تقول وتعمل .. الامر الذي يكسبها حضورا زمنيا آنيا :

(المخرج: تبدأ معركة، تصبح المعركة جحيما .

الجندي3 : خذوا …

الجندي2 : خذوا .. خذوا ..

الجندي3 : لا تنسوا امانتي .

المخرج: وتسقط شظية غادرة. (يقع الجندي الثالث على سلاحه)

الجندي1 : خدوا .

الجندي4 : فليمروا على الجثث .. على الجثث فحسب ).

لقد اتكأ المخرج على مخيلته التي ما انفكت ترفده بصور واخيلة حول المعركة في استشراف تمهيدي اتخذ فيه الاستباق صيغة تطلعات مجردة تقوم بها الشخصية لمستقبلها الخاص فتكون المناسبة سانحة لاطلاق الحنان ومعانقة المجهول واستشراف آفاقه) .

وحول موضوع (الرؤيا) وهي من منافذ الارتداد الى الوراء نقرا : (.. المفارقة الزمنية التي اخترقت الخطاب المباشر المعروض في الدراما لا تقتصر على ما جئنا به في انساق بنائية، فهناك – الرؤيا – التي تعد منفذا من منافذ الارتداد الى الوراء وان حملت في طياتها امكانية التنبؤ والتهكن بما سيحدث لاحقا، حيث ان الاسترجاع يكمن في عملية رواية الحلم من الشخصية – السارد – نفسه، اما ماينضوي ضمنه من ارهاصات فتمثل استباقا ارصاديا تنبؤيا، وهذا ما نلمسه في مسرحية (رؤيا الملك) لمحيي الدين زه نكنه، فالرؤيا تشكل الثيمة الرئيسية التي تتمحور حولها المسرحية :

(الكاهن: وتدفقت المياه مرة اخرى من الغرفة نفسها (يشرع في اعداد دواءه).

الملك: بل اندلق الطين .. طين لزج دبق .. زحف نحوي على هيئة ضفائر او ثعابين سود، احاطت بقوائم كرسي العرش هذا، واخذ الطين يعلو ويعلو، بلغ ركبتي وانا في جلستي هذه، وبلغ منتصفي وهو لا يتوقف. لامس الطين الاسود القبيح الذي شابته حمرة قانية، عنقي .. وامتلأ حلقي بطعمه النتن. تقطعت انفاسي، فرحت الهث وانا اوشك ان اختنق، والتاج فوق راسي يهتز، كأن عواصف الدنيا وزوابعها تعصف به ..

الملك:  تشبثت به بعناد  .. بكل مافي اليائس المتشبث بالحياة الهاربة من فتحات جسمه ، من عناد وقوة وضراوة .

الكاهن: آه .

الملك: (مستمرا) رحت اشربه .. اشرب الطين ، آكله ، اقضمه ، اهرسه باسناني .. لا ادري ماذا اسمي الفعل الذي كنت امارسه بهم وشراهة .. حتى امتلأ بطني وانتفخ على نحو فظيع .. وراح يكبر ويكبر طرد هواء الغرفة، ملأ كل فراغها وفضائها .. ضغط على الجدران، مزحزحا اياها .. والجدران صامدة، لا تتزحزح ولا تهتز. فضاق بها واوشك ان ينفجر).

وهنا كانت الرؤيا استباقا داخليا تكميليا للاحداث وبمثابة تنوير لما تؤول اليه الوقائع في النص. وفي الوقت ذاته تعد استرجاعا لسرد متكرر، اذ تستحضر عدة خطابات حدثا واحدا بعينه، وهي الرؤيا التي استحالت وحشا كاسرا ظل يطارد الملك ويؤرقه، ويزعزع ثقته باخته (ماندانا) والاخرين ، ويهدد عرشه.

وهناك (الرسالة) وهي وسيلة اخرى من وسائل السرد تنوب عن كاتبها في تشخيص مجموعة احداث كانت قد المت به، كالاسترجاع الخارجي الذي نستشفه من مسرحية (في انتظار عودة الابناء الذين لن يعود ما الى الوطن ثانية) لجليل القيسي، اذ يقرأ (روبرت) على مسامع زوجه اهيلينا، رسالة ابنهما الذي ذهب اسيرا، وهي الرسالة قبل الاخيرة الذي احتفظ بها والده، ليعبد قراءتها كلما اشتاق اليه :

(هيلينا): .. اقرأها كما تقرأ قصيدة فيرلنكيتي .

روبرت: (يخرج مظروفا من جيب سترته يسحب الرسالة ويقرأ كما رددّ قصيدة فيرلنكيتي .. ثق هنا يا بابا في الادغال لا يستطيع حتى الشيخ الهروب من الموت عندما تبدأ المعارك .. لا اعرف كم من الساعات قضينا في مستنقع طيني .

هيلنيا : (تقاطعه) لماذا تعاكسني ، وتزيد شجاني. يا روبرت … لا تقرا هذا المقطع الحزين الدامي .

روبرت: لماذا ؟

هيلينا : اتخليه وهو في المستنقع حتى عنقه .

روبرت: (يقرا) كنا داخل طائرة عمودية ضخمة .. بدت الارض القائد الطائرة، ولنا جميعا صلبة بلون التراب الاحمر لكن ما ان حطت الطائرة عليها، غطست حتى مروحتها .. آه يا له من كمين مضلل وذكي، ومخيف .. اختنق البعض، ومات البعض الاخر تحت ستارة كثيفة من الرصاص السريع) .

لقد استحضر المؤلف  صوت الشخصية – السارد – في خطاب ذاتي مسرود، ليشدنا الى الاحداث، وليوهمنا بحضوريتها وكأنها جزء من الخطاب المباشر المعروض مداخلا بين زمنين على مستوى الملفوظ : زمن الرسالة وهو زمن ماض، وزمن الخطاب (الحوار) وهو زمن آني حاضر تغلب عليه الرتابة والجمود مجسدا حالة الانتظار التي تعيشها الشخصيتان، لذا صيغ – كما ترى – ليؤطر الزمن الداخلي الذي اضفى على الزمن العام. ديناميكية وحيوية).

وبخصوص المناجاة الفردية – الحوار الذاتي –  جاء ما نصه: (.. لعل المناجاة الفردية – الحوار الذاتي- الذي يعد تكوينا كلاميا يلقى، او يكتب. وهو يمثل كلام متحدث واحد. وقد يشير المنولوج الى التجنيب – المحادثة الداخلية – دراما الممثل الواحد. المناجاة الفردية … الخ .

تمثل التقنية الاكثر حضورا في النص المسرحي بوصفه متنفسا يشي بقدرة الكاتب على استنطاق الذات او اتاحة المجال لها لكي تفشي اسرارها للقارئ. ان الكاتب غالبا ما يركز اهتمامه في تجسيد البعد النفسي للشخصية – السارد التي تعهد اليه هذه المهمة، فقد تعبر المناجاة عن حالة اختلال التوازن النفسي، والقلق الداخلي، والخوف من المجهول المنتظر، حيث الشخصية تصور للمتلقي وهي حبيسة آثامها واوزارها كما في (الحسين شهيدا) لعبد الرحمن الشرقاوي، اذ يتراعى لنا (وحشي) هائما في الصحراء مردّدا ما قام به في معركة احد :

(وحشي: وقتلت حمزة في احُد !.

. . . .

ودفعت جثته لهند وهي ترقص في النساء

ورأيتها في مزحة هو جاء تنتزع الكبد (يدور في المكان)

ووقفت منتظر العليّ اقتضي ثمن الدماء .

وحشي: (مستمرا) دفعت مكافأتي اليّ فما انتفعت بما اخذت وغدوت حرا غير أني صرت عبدا للندم

وحشي: (بمرارة واسى وخوف)يا للندم !

وحشي: (مستمرا): حتى اذا ما كان يوم الفتح جئت الى الرسول

ووقفت ابكي لا اقول ولا يقول

وبكى الرسول وقد تذكر سيد الشهداء حمزة

ثم نحنيت فما التفت

عطرت راسي بالتراب فما التفت

ادميت راسي فوق جدران الصوامع والجوامع

ما زال صوت المصطفى كالرعد في اذني إيان اتجهت !

(انا لن ارى وجه الذي قتل الاحبة !).

يا للشقاء الدنيوي ويا لخوفي من عذاب الاخرة .

ان الزمن في المناجاة الفردية ذاتي – نفسي جاء يخرق زمن الخطاب الآني لكي يعيدنا من خلال الاسترجاع المقترن بالتذكر والتداعي الى لحظات تبلور الازمة الداخلية المرافقة للشخصية امداً بعيدا كاشفا عن حيثياتها، فكانت اذا ما نظرنا الى النص جميعه. بمثابة محطة تخشص مرحلة زمنية متداخلة الابعاد فهي الماضي بحدثه، والحاضر والمستقبل. بمدى صلته بهذا الماضي الذي ظلت الشخصية اسيرة له .

وحول تحديد طبيعة الزمن. الذي يوشح الارشادات المسرحية نقرا: (لا ينبغي لنا تجاوز تحديد طبيعة الزمن الذي يوشح الارشادات المسرحية ولاسيما التي تفتتح بداية كل مشهد، اذ يهيمن عليها الوصف ذو الوظيفة التفسيرية والتزينية، فنكون بازاء الية الوقفة، ومن الواضح ان الزمن في هذا النمط من الحكي الذي يعزى الى المؤلف الضمني هو زمن تأطيري لزمن الخطاب ومتضمن له ايضا، لكونه جزءا من المبنى الحكائي الذي لا يمكن تخطيه او حذفه. هذا ما نعهده في (الجراد) لمحيي الذين زه نكنه – مثلا – (صالة متوسطة يرتفع من الجانب الايمن منها سلم ؤدي الى الطابق العلوي من المنزل، حزمة الضوء قوية تملأ السلم بينما الجوانب الاخرى يغطيها الظل، منضدة خلفها كرسي، فوقها مجموعة من الكتب والمجلات غير المرتبة، بعضها مغلق وبعضها مفتوح، اوراق ممزقة مدعوكة .. برميل كبير، كتب عليه بحروف واضحة – قاتل الحشرات – ملقى على الارض. نافذة حديدية عريضة، يمكن للنظارة ان يشاهدوا عبرها اسرابا من الجراد، تتطاير، يتخذ طيرانها شكل غارات متتالية، مفاجئة سريعة، تبدو فتاة خلف المنضدة، تقرا في كتاب، واضح انها لا تقصد القراءة الحقة بقدر ما تقصد عملا تنشغل به. تترقب الطابق العلوي الذي تأتي منه اصوات صاخبة).

فالمؤلف الضمني قد انهمل في وصف القضاء الذي يجري فيه جانب من احداث المسرحية محدثا توقفا في الزمن، او ما يمكن ان نسميه بـ(تسطيح الزمن) وهذا الوصف لا يصلح فقط لعرض الواقع للعيان، فهو لا يصور العالم المرئي بقدر ما يعرف بالقضاء الداخلي، ودلالته سياقية بمقدار ماهي مرجعية).

وحول لغة الحوار في مسرح اللامعقول فنجدها في مسرحية (عندما تموت الثعالب) للكاتبة ملحة عبدالله اذ نقرا: (..حيث الاسترجاع الزمني إبان الحوارات المتقطعة والمتبادلة بين الشخصيات، وعلى الرغم من المشهدية المهيمنة على الحوارات الا ان ما تتضمنه من اخبار يوحي بالتنافر الزمني بين زمن الخطاب وزمن القصة، ان الزمن في هذا النمط من المسرحيات زمن تجريدي قار، وستاتيكي :

(الجرسون: هددت بقتلي؟

الشاب: لم اكن انوي القتل .

الجرسون: على الثلج بدت خطواتك واضحة الاثر .

الشاب: ملأ الطين قدماي رغما عني فقد التصق بحذائي .

الجرسون: اين رايتك آخر مرة؟

الشاب: في مصنع النسيج والحلوى .

الجرسون: كيف تقتلني وقد كنت اعاملك كابني؟

الشاب : لم تكن رحيما بي .

الجرسون: كنت تتقاضى راتبا مجزيا يقضي احتياجات قرية باكملها .

الشاب:  لم احصل على سنت طوال واحد خدمتي في هذه المؤسسة العملاقة .

الجرسون: لماذا تنكر ؟

الشاب: لم اسرق .

الجرسون: انت احمق سرقت دولاراتي . فلم يعد هناك عملة غيرها .

الشاب: انا لن افعل .. لم افعل) .

فمن هذا المقطع نشعر باننا بازاء اقوال فقط تخلو من الفعل .. وبذلك تفتقر الى الديناميكية الحركية، انه يصور معاناة الانسان المعاصر في قلقه ويأسه وفقدانه هويته التي تحقق له الانتماء الفكري والمكاني، فالزمن لا يعتمد الترتيب الكرونوجي ولا يخضع له بذلك التحرر، تحرر الصورة من سلطة الزمن.. ان الزمن الماضي والزمن الذي لم يات زمنان خاضعان للشكل مثلهما في ذلك مثل المكان الداخلي …ان الزمن فيها ينطلق من زمن مجهول بعيد وليس هناك فروق حقيقية بين ما حدث ولم يحدث يحدث) .

وحول موضوع الاستفادة من تقنيات السينما في الدراما نقرا : (وليس بمنأى عن الدراما ان تستفيد. من تقنيات السينما  ولاسيما التوليف – المونتاج، و تقصد بالتوليف جمع عملية القطع والربط والتركيب وفق الاسس الفنية للحصول على التاثيرات الدرامية سواء من وحدات المشهد او مجموعة المشاهد، ومبدأ التركيب او التوليف تتفق فيه الفنون الدرامية جميعها على الرغم من اختلاف الاساليب الفنية، وهو ما سيتضح حليا في النص المسرحي الملحمي، اذ ترفده هذه التقنية التوليف – المونتاج، بالوسيلة التي تحقق له الخاصية المشهدية، فما ان تشرع الشخصية – السارد في سرد الحادثة حتى نراها تنسحب تدريجيا وتختفي تاركة الاحداث تعرض مشهديا إبان الخطاب المباشر الذي تضطلع به الشخصيات، كما في مسرحية(الزير سالم) لالفريد فرج، لنتأمل هذا المقطع :

(هجرس: ليس هنا رجل شهد الوقائع ولم تمسه بجنون احقادها؟

مرة : بل خاضها الجميع .

هجرس: فليتكلم كل عمار رأى إذن ..

. .. ..

جليلة: من اين نبدأ ؟

هجرس: ابدئي بالبداية يا أمي .

جليلة: ذات يوم كان ابوك في اهدأ حال ، كسماء صافية ، وكنا حوله هانئين ، فما ارق البداية !.

همام: (جانبا لجساس) ليس احسن من هذا القصر يا اخي جساس .

جساس: (جانبا لهمام) لا احب ما ليس لي .

كليب: (بصوت جهوري) امرائي ورجالي . ايعلم احدكم ان فوق هذه الارض او تحت قبة السماء فرسانا كرجالي او اميراً افرس من اخي سالم او نساء ابهى وأملح من زوجتي جليلة وابنتي يمامة . بساتين كبساتيني او عدلا كعدلي او قصرا كصقري ؟

مرة: ما تليق بك هذه المقالة ياولدي .

كليب: لِمَ؟

جساس:  مباهاة القياصرة والاكاسرة .

مرة : لا اقصد ، ولكنك اغفلت التباهي باولاد عمك همام وجساس وسلطان .

. . .

سالم: مكانكن !.

جليلة: لا يغضب ملك ويرمي اتباعه بفساد النفس الا بسبب ، للملوك حاسة تشعر ظل الغمام في الافق . ناهيك بالخيانة !.

ولكن من؟ من؟ من؟.

إبان النسق الزمني الهابط حيث الانتقال من زمن الحاضر الى الماضي ثم العودة الى الحاضر تشكل المبنى الحكائي للنص المسرحي، اذ تم الاسترجاع المزجي: (وهو نمط من انماط الاسترجاع الذي يجمع بين الاسترجاعين: الداخلي والخارجي في مقطع واحد). من خلال الحوارات الخالصة محققة الية المشهد التي يتساوى فيها زمن الخطاب مع زمن القصة، الامر الذي عمق عملية التوليف الاجرائية حيث الجمع بين اكثر من مشهد في آن واحد على الرغم من تقاطعهما زمنيا، لجعلها قريبة من القارئ وهو يطلع على الاحداث مباشرة في تصاعدها الحدثي، والزمني من دون ان تنتقل اليه رواية، وهو ما نلمسه في مسرحية (السجين95) لعلي عقلة عرسان، فبعد الاستهلال الذي يجمل فيه (عودة) تجارب حياة كاملة، حياة فلاح أفنى عمره في ارواء تربة وطنه من دمه، ليعيش الاخرون، يفرد عودة جانبا من سرده لزوجته التي شاطرته حياته المضنية هذه، يقول:

(وراحت .. دمعها في الحلق لا يشفي لها غلة

تجر عذابها ، دهراً ، وتعمل دون ان تشبع

اجل تذوي ولا تشبع

وكنا كلنا نذوي ولا نشبع

وناشدنا الفتى مروان ان نبني له سجنا

فصرح العدل لا يبنى ، اذ لم نفتتح سجنا

نسينا سجننا العالي ..

وصار العاثر المظلوم سجانا

وصدقا لا اراك الله مظلوما

اذا ما اصبح المظلوم سجانا

وضاق السجن بالشكوى

تصدع قلبه الحجر

وضاقت زوجتي بالسجن فقالت :

-تظهر زهرة –

زهرة : اننا بشر اذا بنيت سجون الحكم من حجر ، فهل تبنى صروح العدل من بشر؟ الا تفهم؟! أيا عودة

عودة : أنا يا زوجتي .

زهرة : سجان ياعودة ؟

عودة:  انا اعمل

…..

زهرة : لا هون ان يكون المرء مظلوما وفي سجن كهذا السجن ، من ان يصبح الانسان سجانا

انا – حرمة – وجوف السجن ارهقني

وتعرف اننا اعتدنا على الشمس

ولم نعتد على ان نحمل (الكرباج) او مفتاح زيزانة).

وهنا نرى ان الخطاب المباشر الذي هيمن على بنية الاسترجاع الخارجي رغبة من المؤلف في خرق نمطية الزمن من خلال الية المشهد له وظيفته في خلق الاستجابة والتفاعل مع المتلقين ولهذا فان استقطاب تقنية سينمائية، كالمونتاج عبر الياته: القطع، والربط، والتركيب له من الاهمية بمكان ولاسيما في محافظته على مشهدية الاحداث المفترض وقوعها في زمن ماض وكأنها تحدث الان في الزمن الحاضر مقدمة للمتلقي حية ومعيشة في استرجاع قد لا نكون مخطئين اذا دعوناه بالاسترجاع المشهدي إبان الحوارات المتبادلة بين الشخصيات حتى وان كان المراد استرجاعه حلما، فالمؤلف يحرص على عرض الحلم لصوت الشخص المتخيل الزائر في الحلم كما في (عراضة الخصوم) للمؤلف نفسه، اذ تسرد (ام سليم) حيثيات حلمها للقارئ قائلة : “نعم سمعت من ابني الشهيد .. من سليم. لقد زارني ليل امس وكان خائفا يلهث .. قال : ان الجنود من رفاقه خلفه يريدون منعه من تخطي الحدود الى … لانهم يخشون ان يوقظ فيّ .. فيكم .. شيئا ما ، يخشون ان يجرح ستار النسيان الذي اسدلوه بيننا وبينهم .. قال لي : لم نعد نطيق رائحة المساومة يا أمي .. قبل هذا اليوم .. صوت سليم (صادق ومؤثر) . كان الواحد منا روحا يبعث الوهج في كل ما يلامسه، ويبعث دمه الحياة في الرمال التي يصبغها. وسيناء كلها كانت مخضبة بحناء دمنا. وتنثر غدائرها في وهج الشمس بفخر .. وكلها ثقة بنا .. كان ذلك يبعث فينا زهورا شديدا فنمهرها الدم بسخاء، لتبقى حرة وواثقة وطليقة).

ان المؤلف لكي يضفي على الرؤيا زمنيا آنيا – حاضرا لجأ الى اظهار صوت (سليم) متحدثا عن افكاره ورؤاه بنفسه على الرغم من تعكز (الام) / الشخصية – السارد على الاسلوب المنقول الذي يمكن عدّه مصدرا اضافيا ممهدا لتنحية الام واقصائها عن السرد تاركة (سليم) يتحدّث مباشرة من دونها، الامر الذي حقق ايضا الاسترجاع المشهدي عبر الصوت من دون التشخيص الفعلي، وهو مسوغ لانه حلم لاغير يشبه الهاتف وهو صوت ياتي الى سمع الانسان من العالم الخارجي، وكأنه ضمير الغيب للتذكير أو التحذير أو المواساة).

وحول موضوع توظيف الموضوع التاريخي او التراثي في بعض المسرحيات الكلاسيكية تذكر الباحثة (تحتضن بعض المسرحيات الكلاسيكية ذات الموضوع التاريخي او التراثي خاصية زمنية على مستوى الخطاب تميزها عما سواها من المسرحيات التي يتخذ فيها الزمن مسارا خطيا، اذ يتفاعل الزمنان (التاريخي، او التراثي، والزمن المعاصر ويأتلفان، ليقدما وعيا ايديولوجيا جديدا، وموقفا تقدميا من العالم. وهذا التوجه في بنائية الزمن يهدف الى إعادة التاريخ وبعث التراث في رؤية معاصرة تستبطن الماضي وتتقصى حقائقه) .

اما عن الدوافع التي تحدو بالكاتب المسرحي الى صياغة التاريخ دراميا فنقرا : ( هناك دوافع عدة تحدو بالكاتب المسرحي  الى صياغة التاريخ دراميا منها ما يكون ستارا او هروبا من قول كلام مباشر في الواقع الراهن او المعاش وتقديمه عبر لبوس تاريخية. يصل بها المبدع الى مبتغاه من دون ان يعرض نفسه للمساءلة المواجهة. كما ان العودة الى التاريخ ليست دائما ستارا او هروبا دائما هي في احيان كثيرة وعاء مناسب يرى فيه المبدع إطار المقولته ومراميه، يحقق له شكلا فنيا عاليا، وعلى هذا فان تطويع المبدع للمادة التاريخية او التراثية لا يمنع من ان تكون لديه رؤية فنية – فكرية إبان طريقة معالجة التي يرتأيها. كما ان ذلك قد يؤدي الى تشويه المدونة التاريخية وتعميتها وتغليطها، او يعمل على ثرائها واغناءها وتعميق مكوناتها وتجلية ابعادها).

اما كيف تتمظهر فنية الزمن في هذا النوع من النماذج الدرامية فنقرا: (تتمظهر فنية الزمن في هذا النوع من النماذج الدرامية في شكلين: تقريبا : اما ان تطرح ثيمة النص المسرحي البعد التاريخي او التراثي، وتقدمه موضوعا للمعالجة الدرامية، اي ان يقحمنا المبدع في التاريخ او التراث، وهنا يكون الانتقال من الزمن الحاضر – المعاصر الى الزمن الماضي الذي لا يتسم بنقائه – غالبا –  فقد تسلل اليه، او تخترقه لمسات الزمن الآني .

في مسرحيتي عز الدين المدني (ديوان الزنج) و(ثورة صاحب الحمار) يتجلى هذا النمط من فنية الزمن، في (ديوان الزنج) نلاحظ تلك الكلمات التي شاعت في القرن العشرين – تحديدا – إثر الحروب المصيرية المتتالية وما أفرزته من اتجاهات فكرية، ومفاهيم معرفية، كما في قولهم :

(سليمان بن جامع : نريد هاحرب انهاك !.

خليل بن إبان: حرب استنزاف !.

محمد بن مسلم : حرب انتهاك !.

يحيى بن محمد : حرب استنفار !.

ريحانة : حرب استهلاك وهلاك !.

وقول إبي جعفر الطبري عندما وفد مع جماعته الى مجلس ثورة الزنج: (نحن اناس عصريون ، تركنا مفهوم الحروب للقدامى  رحمهم الله ..).

لقد صرح المؤلف في مقصدتيه في عصرنة التاريخ قائلا : (انا مؤلف ديوان ثورة الزنج .. لقد الفت هذا الديوان المسرحي على ضوء الثورات، الانتفاضات، والانقلابات التي جرت .. في النصف الثاني من القرن العشرين وفي عدد من بلدان العالم الثالث).

وفي (ثورة صاحب الحمار) تتضح فنية التزامن من خلال الحوارات المتبادلة بين الشخصيات التي توشحها صيغة عصرية :

(شيخ قبيلة هوارة : لم نفز بعد ..

شيخ قبيلة زنانه: اتعرف كيف تكتب اوراق الزيارة؟

شيخ قبيلة بني كملان: لو نخاطبه بالهاتف؟

شيخ قبيلة بتي يفرن : لكن الهاتف لم يخترع بعد مع الاسف؟

شيخ قبيلة هوارة: والحاجب دائما حاجز بيننا وبينه .

شيخ قبيلة بني كملان: ولم لا نحتل الاذاعة ونخاطب الشعب؟

شيخ قبيلة بني يفرن : انت ضائع في التاريخ !.

شيخ قبيلة بني كملان: ولم لا نهجم عليه بالدبابات او ام وزارة الدفاع؟ .

شيخ قبيلة بني يفرن: إنك نقبت التاريخ يا هذا !. احترم ذهنية الناس من فضلك !.

لقد اعتمد عز الدين المدني فنية التزامن من خلال هذه القرائن في مسرحيته، ليكون الماضي اطار الطرح قضايا العصر الحاضر، فهي تقنية فنية لا تعتبر احترام التتابع الزماني امرا وضروريا بل اكثر من ذلك بدت هذه التقنية في شكل نظام ثابت يعمل على تجاوز هذا المنطق الزماني، الشيء الذي يعطي للحدث الوارد دلالات متعددة ويعطي للشخصية اكثر من وجه ويجعل العلاقة بالمتفرج او القارئ بعيدة عن البساطة، اذ يجبره على اعادة النظر في معطيات العصر، عصر الالة والتكنولوجيا واضعا اياها على المحك في موازنة تاريخية زمنية، او – ان صح التعبير – فوق الزمنية لانها تنشد المطلق وما يتمخذ عن هذا المطلق من دوال حسية فرضت حضورها، وسوف تفرضه حاضرا وماضيا ومستقبلا .

وفي (نهارات الليالي الالف) لعبد الخالق الركابي ينشطر البناء الزمني للمسرحية شطرين متوازيين يمثل كل منهما زمنا مغايرا للزمن الاخر اطنه يكملة فالعلاقة بينهما علاقة تضامن واحتواء، اذ تجسّد الشخصيتان الرئيسيتان (المحامية والمتهم) الزمن المعاصر :

(المحامية:  لقد احيت محاكمتك شهرتك من جديد ، فعدت كسالف زمن مجدل الغابر يشار اليك بالبنان .المتهم: (متهكما) شتان ما بين الشهرتين ، فآنذاك كنت ملكا مرهوب الجانب في حين انا الان صاحب دار نشر لا يطمح الى ان ينال عطف المعجبين .

المحامية: بذلك تمتاز شهرتك الجديدة على القديمة كامتياز راعي الفكر على الجلاد !.

المتهم: او تظنين الملك امراً يسهل نسيانه؟ يكفي المرء ان يغدو ملكا يوما واحدا ليبقى كذلك الى الابد، إنه كالوشم، لا سبيل الى ازالته يا شهرزاد !.

المحامية: وهذا ايضا أنسه . أنس اسمي القديم شهرزاد . وتذكر فقط انني الان محاميتك .

المتهم: (يضحك بمرارة) محاميتي !. هه ! مهنة مستحدثة لم تكن بنا حاجة اليها آنذاك ، كانت ايماءة مني تكفي للاطاحة براس !).

ويمثل شهريار وشهرزاد الزمن التاريخي المستوحى من حكايات الف ليلة وليلة، اذ يتم السرد في نسق متناوب بين الاحداث المجسمة للزمنين (حاضر – ماضي) ثم (ماضي – حاضر) فالاحداث متداخلة، والزمنان احدهما يخدم الاخر، فالزمن التاريخي ذو وظيفة تفسيرية، وتوثيقية، مرجعية، وتوضيحية تخدم القصة الاساس، كما جاء في هذا المقطع الذي تستفسر فيه شهرزاد من والدها عما اذا كان شهريار ذا رغبة في السمر والانصات الى الحكايات العجيبة :

(ابي:  في شهريار رغبة في السمر والاستماع الى الحكايات العجيبة والاخبار الغريبة؟

الوزير : هل لهذا السؤال علاقة بما تكبتين؟ .

شهرزاد : ستعرف ذلك في الوقت المناسب .

……

الوزير : انه من اكثر الملوك شغفا بالسمر ، بل انه من اكثر الناس بر ما بيوم يمر به من دون سمر .

شهرزاد : عظيم .. معنى ذلك انني في سبيلي لوضع العلاج الناجح له !.

الوزير: علاج من؟!.

شهرزاد: ومن يكون غير شهريار ؟!.

لقد بحثت هذه النماذج المسرحية بنمطيها الزمنيين عما يسمى بـ (ارخنة النصوص) او (تنصيص التاريخ) ولا احد بجادل اليوم حول ما قد قاله (جوته) من قبل عن ان التاريخ البشري يحتاج الى من يعيد كتابته من وقت لاخر، مما يجعل التاريخ نصاً قابلاً للتجدد، وكانما نبحث هنا عن ماض قابل للاستخدام في الحاضر).

وهنا نصل الى موضوع (الزمن في النص المسرحي الملحمي) وفيه مقدمته نقرا : (نأيا عن التكرار سيتم تركيزنا على التنافر الزمني المتمخض عن العلاقة بين الراوي بوصفه تقنية نصية، ومستوى احداث المسرحية لما يخلقه من تمريرات زمنية لاحداث التغريب، او ما يسمى بـ(التبعيد) أو (الاثر الخاص)، اما الاليات الزمنية الاخرى التي تطرقنا اليها في المسرحية الكلاسيكية فسنشير اليها ضمنا لايماننا في كونها لا تختلف في بنيتها الداخلية عما استنبطناه من المسرحية الكلاسيكية، ان تقنية المونتاج (التوليف) قد اتضحت في النص المسرحي الملحمي بل ترسخت فيه اكثر من سواه، اذ ان التركيب هي تشكيل جديدة مركبة لمقاطع وموضوعات منتزعة من ظروفها الاصلية في تشكيل متكافئ مع الظاهرة العلاقات الموجودة في الواقع، الي جانب التجاور بين زمنين متباعدين، والذي نفترض تسميته بـ(التوليف الزمني) حيث الجمع بين مشهدين او اكثر متباينين في الزمان، اذ تفصل بين زمن الاحداث. التي يجسدها الراوي، وزمن الاحداث التي تمثلها الشخصيات مديات واسعة تتمفصل فيها فنية التنافر الزمني بين الماضي والحاضر المعاصر، فتتكفل شخصيات القصة بالزمن التاريخي (الماضي) في حين تتكفل الراوي السرد في زمن معاصر حاضر، وما هذا الانشطار البنائي الا لتحقيق التغريب والحيلولة دون اندماج القارئ بالقضية او الفكرة المطروحة في المسرحية، بل يدعوه الى التفكير فيها وهو متيقظ الفكر ..

ان التغريب ليس بالشيء الجديد فكل كاتب يستخدم التغريب عندما يظهر جمهوره اوجها لدنيانا وطبيعتنا الانسانية على نحو تذهلنا جدته).

من النماذج المسرحية ذات البناء المسرحي الملحمي مسرحية (المفتاح) ليوسف العاني، اذ استهلها المؤلف بالرواية الذي تعهد بالسرد الاحداثة (الحكاية الشعبية).

الرواية: عندنا حكاية حلوة محناة .

هي الحكاية لكنها ليست حكاية .

هي سالوفة لكنها غير مألوفة !.

وبعدها يبدا بالحكي على طريقة الحكواتي او السامر :

(كان يا ماكان) في سالف العصر وحاضر الزمان، ان وقعت احداث قصة المفتاح كالوهم او الحلم اذا ما الظلام نجلى وانزاح، وكالحقيقة ان اشرقت شمس الصباح، المفتاح تعتمد على احدوثة شعبية عرفناها، وحكاية طريفة حفظناها، تبدأ بالترديد بلا ابطاء، وتنتهي بالتساؤل والمناشدة والدعاء). فوظيفة الراوية اقتصرت على تقديم ملخص لاحداث المسرحية من شأنه تهيئة ذهن القارئ وشحذ ذاكرته بثيمات سابقة لتحقيق الاتصال بما يتلاءم وافق توقع المتلقي، ووظيفة تفسيرية في توضيح الاحداث والتعليق عليها. والزمن في هذا النص يتمحور حول ثلاث ازمنة: زمن الراوية وهو زمن خارج نصي زمن مطلق، وزمن الاحدوثة الشعبية وهو زمن اسطوري دائري متنام في ايحائاته الدلالية، وزمن الاحداث وهو زمن ذو شقين يحمل بين طياته افرازات العصر الحالي ممتزحة بزمن الأسطورة الغيبي، اذ تمثل الشخصيات الرئيسة (حيران وحيرة ونوار) رموزا تحمل ابعاد الزمن الحاضر، اما الجدود فهم رموز الزمن الماضي .

كما اشار الدكتور جميل نصيف فان لجوء الكاتب الى الفولكلور الشعبي بحثا عن شكل ذي طابع ملحمي لمسرحيته. قد ساعد على تركيز انتباه المتلقي حول هذا المضمون الذي لم يجد فيه صعوبة في الفصل بين الجو الاسطوري للمسرحية، والمضمون الحياتي والانساني لها مؤكدا ذلك الالتزام الصارم في الرؤية والتصور والموقف ايديولوجيا وتاريخيا) .

ومن الثابت ان وظيفة المسرح الملحمي تتبلور في اكتشاف الواقع لا نسخه، وهذا لا يتم الا بمقاطعة وتيرة الاحداث، الامر الذي يسهم في ارساء دعائم التوليف الزمني الناجم عن الربط، بين حدثين او مشهدين متغايرين زمنيا في آن واحد.

في (منمنمات تاريخية) لسعد الله ونوس يُعهد الحكي الى (المؤرخ القديم) الذي دأب على رصد اخبار التاريخ تسجيليا :

(مؤرخ قديم : ثم دخلت سنة ثلاث وثمانمائة والخليفة امير المؤمنين المتوكل على الله والسلطان الناصر فرج بن برقوق، وكان سعر غزارة القمح خمسين درهما، والشعير والفول بثلاثين فما دونها، والارز بمائة وخمسين درهما، وهذا الغلاء في المصر والشام لم يعهد من قبل. وفي التاسع من محرم قدم البريد من دمشق بان تيمورلنك نزل على سيواس … وفي خامس عشره وصل بريد الى دمشق ومعه بطاقة بكسرة العسكر الشامي، وسقوط مدينة حلب في يد تيمور لنك).

انشغل المؤرخ القديم في سرده ذي الوظيفة التوثيقية). لمرجعية من خلال آلية الاسترجاع موضحا الزمن التاريخي الموثق بتحديد الاعوام والاشهر والايام . ثم يردف كلام المؤرخ القديم الخطاب المباشر المعروض الذي تنهض به شخصيات المسرحية حيث الانتقال الى زمن الاحداث المشهدي، وعلى الرغم من سيطرة الزمن الماضي على هذا العمل المسرحي بوصفه عملا تاريخيا، الا ان الكاتب حاول ان يقيم نوعا من العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر وهذا لا يعني ان التاريخ عند (ونوس) قد اصبح قناعا، او محرد اسقاطات رؤيوية لواقع الحاضر بقدر ماهو رؤية مكتملة لعلاقة الماضي بالحاضر) .

ومن المعلوم ومما ينبغي التوكيد عليه هنا: ان التوظيف الزمني يقترب من (التوليف الايديولوجي) او (التوليف التعبيري) الذي نلمسه في فن السينما، فهو مؤسس على تراكب اللقطات تراكبا هدفه احداث تاثير مباشر دقيق، نتيجة لصدمة صورتين، والتوليف هنا يهدف الى التعبير بذاته عن عاطفة او فكرة، إنه بذلك لم يعد وسيلة، بل غاية ثم يعد هدفه المثالي ان يمحى امام تسلسل الحكاية المروية، بل على العكس من ذلك، ان يحدث في ذهن النتفرج باستمرار مؤثرات قائمة على القطع لا الارتباط، اي ان يجعل المتفرج يتعثر ذهنيا ويجعل تاثير الفكرة اكثر حيوية في نفسه). ان هذا النمط من التوليف يتوخى نقل وجهة نظر خاصة الى المتلقي ينقلها ذهنيا إبان العلاقات التي يخلقها بين الاحداث، او المفردات، او الشخصيات، او بينها جميعها، ولاسيما التوازي وهذا هو التوليف الايديولوجي الحقيقي، فان ربط اللقطات فيه ليس مبنيا على علاقة مادية بطريقة عملية وقابلة للتفسير المباشر، بل ان الارتباط يحدث في ذهن المتفرج الذي يسعه ان يرفض هذا الارتباط،  فالراوي ( او ما يقوم مقامه)يتعهد بمهمة التوفيق بين الاحداث المروية والاحداث المعروضة، وهو في تنقلاته بين الماضي – الحاضر، والحاضر – الماضي يسهم في تفتيت الزمن، وتشتيته، وهدم تتابعيته كي يستفز المتلقي، ويغر به عما يتلقاه من وقائع وهنا ننتقل الى الموضوع الاخير في هذا الفصل وهو (الزمن في النص المسرحي المونودرامي) ومن المعروف ان الزمن في المونودراما داخلي نفسي تقبع فيه الشخصية المونودرامية خلف عالمها الخاص الذي يعج بالهواجس الذاتية، فالزمن كما يبدو في الخبرة الانسانية الذاتية وكما تحسه وتراه الشخصيات في ضوء الموقف الذي هي فيه .

ومما تؤكده الباحثة هنا: (ان آلية الزمن المونودرامي قد اتخذت مسارا دائريا حيث الحاضر الذي تحيا فيه الشخصية – الراوي يتدفق من خلاله الماضي، ويخترقه التنبؤ المستقبلي والتكهن بما سيكون – اي السرد السابق: (وهو الحكاية التكهنية، بصيغة المستقبل عموما، ولكن لا شيء يمنع. انجازها بصيغة الحاضر). فهو بعيد عن منطقية الزمن التعاقبي، الزمن هنا توقف في لحظة ما، او أنه جريان متصل للحظة واحدة ممدودة او متشظية، فالمونودراما اعادة تاسيس الماضي وفق وعي الحاضر او لاوعيه المتحكم) .

ففي (مذكرات ميم) لسعدون العبيدي يخترق السرد المتزامن استرجاعا بلورت من خلاله الشخصية – الراوي حدثا مرت به قبل سنوات .

(صدقوني، حدث لي هذا فعلا قبل سنوات، لا اتذكر التاريخ بالضبط، لقد صورت لكم ذلك الموقف فقط . لم اتكلم مع احد الان ادرت رقما وهميا وعكست لكم الحديث الذي دار بيني وبين ذلك الشخص العامل في دائرة البريد قبل سنتين). ولم تكتف بسرد ما حدث لها مع عامل البريد بل تجاوزته الى سرد احداث اخرى كانت قد واجهت الشخصية. في اعوامها الماضية، كما دل على ذلك عنوان المسرحية الذي اوحى الى تلك التداعيات ، وحالات التذكر).

وفي (حال الدنيا) لممدوح عدوان، حيث نرى الارتداد الى الوراء، اذ تحاور الشخصية نفسها فتجيء الكلمات الملقاة او المؤداة في المسرح تعبيرا عن فلقات الشعور او شطحات للاشعور بشكل ابعد ما يكون او هكذا يجب ان يبدو وعلى الاقل عن الصنعة والاتقان اللذان يميزان مسرحية الفعل الدرامي الصاعد في بناء مرسوم، فالاسترجاع جاء مكملا للحدث الرئيس في اغناءه بالمعلومات التي تطور عقدته، وقد اقتحمته آليتا الحذف المعلن، والخلاصة، يقول الزوج آثر فقدانه زوجته :

(ثلاثون سنة وهي تعمل داخل البيت لم تكن تخرج منه الا ساعات قليلة عند الضرورة ثم تعود لتعمل فيه، وكنت اتساءل دائما : ما هذا المخلوق العجيب الذي إسمه المرأة، اذ تستطيع ان تجد ما تشتغله دائما دائما وكل يوم خلال ثلاثين عاما وفي مكان واحد، صارت هي البيت والبيت هي. البيت آلان دون وجودها ضاو وواسع فعلا، كأنه تحول الى غابة او صحراء … طالما انا نائم يكون همها الوحيد في الدنيا راحتي واستمرار نومي. لا جرس باب ولا ضيوف. كانت تفصل الكهرباء عن المنزل وتسحب سلك الهاتف من مكانه. وكان عادل يقول لها : يا امي لا يجوز. ان تسحبي السلك، ربما جاءتنا مكالمة لأمر طارئ، وكانت رحمها الله، تقول له : وماهو الامر الطارئ الذي لا تستطيع الانتظار حتى يستيقظ ابوك … طوال عمرها وهي حريصة عليَّ اكثر من حرص عادل ، تعرف انني اكون متعبا او ثائر الاعصاب من العمل او من الشارع وما ان اطلب الطعام حتى يكون امامي خلال دقيقة، طعام طري وساخن وشهي ).

هذا ما كنت احدث ابا ياسين به ونحن في المقبرة). حيث يقع السرد المسرحي – هنا – بوصفه فعلا داخل الحدث المسرحي .

فيقيم روابط زمنية بين الحدث الآني ، وبما حدث في الماضي).

وفي العينة الاخيرة من هذا الموضوع وهي مونودراما (ليلة دفن الممثلة جيم) لجمال ابو حمدان نقف عند تقنية زمنية جديدة، حيث الصراع الحقيقي والمواجهة المباشرة بين الممثلة جيم والنساء اللواتي قامت بأدوارهن طوال مسيرة حياتها المسرحية، تسترجع من خلالها مقتطفات من ادوارها التي ادتها على خشبة المسرح، وهي بهذا الاسترجاع الزمني تنتقل بين الحاضر والماضي. المتماهيين في زمن واحد، الزمن الذي اختارته الممثلة جيم نهاية لحياتها :

اقلت: هذا الصندوق .

قالوا : لكنه ليس صندوقا ، إنه قبر .

قلت: اعرف انه قبر ، لكن لننسى ذلك ، إن كانت هناك قدرة على النسيان .

قلت لهم : المسرحية الغيت .. منعت من العرض .. ولن تعرض ابدا .

فلماذا تريدين هذا الصندوق القبر إذن !.

لانه قبر ، ولانني سادفن فيه ، لو عرضت المسرحية ، وإني اريده ، لا تذكر دوري فيها ، دوري الاخير ، في ختام حياتي المسرحية).

والمونودراما نسيج متداخل من الاسترجاع إنان الاقنعة للادوار التي قامت بها الممثلة جيم، والزمن الحاضر الذي يعكس موقف (جيم) بازاء هذا الادوار – اي الموقف الانتقادي – وهو ما يمثل موقف المؤلف في انتقاده الاساليب العقيمة، والجامدة في الافادة من هذا الموروث، وتوظيفه. ويدعو – صراحة – الى اعادة النظر في هذا التراث، وفي علاقة الانسان المعاصر به. وتتجسد هذه الفكرة بوضوح من خلال تركيزه على الشخصية (زرقاء اليمامة) والاتجاه لاضفاء الطابع العصري عليها .

على طريق الربط بين العدوان وتاليه، وبين النبوءة والهزيمة، وعن طريق الاشارة الى منع الرقابة عرض المسرحية التي تناولت زرقاء اليمامة، ومع انها وافقت على عروض اخرى كثيرة).

واخر مواضيع الكتاب هو الاستنتاجات ونلخصها بالاتي :

ان الزمن في المسرحية – المونودرامية وهو زمن الشخصية الداخلية تنصهر فيه الابعاد الزمنية جميعها من ذكريات الماضي وتداعياته الى الحاضر الذي لم يزل يعيش على انقاض الماضي وتبعاته في جذور ممتدة تزداد متانة وقوة كلما استحضرت المفيلة احداثه وصولا الى المستقبل في ارهاصاته وقلقه. ان الشخصية المونودرامية تعيش لحظات تخترق فيها الزمن، لتنكفئ على نفسها في زمن خاص ترسمه هي، والشخصية فيما بين هذين الزمنين تعيش صراع نفسي يحدده مدى علاقتها بالزمنين، ومدى علاقتها بالزمن الآني – الحاضر وكيفية تلقيها واستجابتها لمعطياته، فنلمس حالات اجهاض عدة في تحقيق الهوية، وعلى هذا فزمن الخطاب يعادل زمن القصة في تشظيه المتعدد، لان زمن القصة هو الزمن الداخلي للشخصية الذي لا يخضع لتلك الضوابط التي يمكن ان نستجليها من خطابات حكائية اخرى .

لقد منحت المسرحية المونودرامية اللاوعي فرصة تبئير الاحداث الانسان وتجاربه داخليا في سرد ذاتي يبعث فيه ما يعتمل داخل الذهن افكار، اذ ان الفاعل الذاتي (الشخصية /السارد) قد اتخذ اكثر من مواقع لتبئير تجاربه مبدلا في الضمائر ما بين المتكلم والمخاطب والغائب، ومتبينا وظائف عدة توزعت على الوظيفة التوثيقية، والتفسيرية، والتنبيهية والايديولوجية، وهذه الذاتية في المونودراما لم تمنع بعض النماذج من الاكتفاء بالتبئير الخارجي ذي السرد الموضوعي .

-ان الصيغتين (العرض والسرد) قد اخترقنا النص المسرحي في تبدلات حكائية متعددة هيمن فيها الخطاب المباشر المتمثل بالحوار، لكونه الركيزة التي استند اليها الخطاب المسرحي تخللته الاساليب التعبيرية الاخرى التي تعددت باختلاف تقنيات النص المسرحي، فهناك الخطاب المباشر، والخطاب الذاتي المباشر، والخطاب المسرود الذي تضمن تنوعات حكائية داخلية ما بين الخطاب المحول، والخطاب المسرد الذي انعكست آلية عمله في بعض النماذج المسرحية حيث حيث الفعل وقد تحول الى حوار يسرد الافعال والذي اقترحنا تسميته بـ(تخطيب الفعل او الحدث)، والخطاب المنقول، واخيرا الخطاب الذاتي المسرود، وقد برزت نماذج اخرى تباينت بتباين الراوي او الشخصية – السارد – اذ نجمت عنها اساليب حكائية كالسرد المتقطع او المتناوب وسوى ذلك مما يمكن التعرف عليه في تضاعيف الفصل الثاني، والمسرحية في ذلك كله قد حافظت على مشهديتها وتجسيد الفعل على الرغم من وجود بعض الاشارة الى النماذج التي تخللها سرد تقليدي فيه تتابع للحدث وان لم يخل كليا من المحاكاة او التمثيل .

ان تحيين او ترهين الزمن في الدراما وآنيته حيث التساوي بين زمني الخطاب والقصة لم ينف وجود المفارقة الزمنية ، او التنافر الزمني المتحقق من خلال الانساق الزمنية السردية المتمثلة بـ (الترتيب، والمدة، والتواتر). والذي يخترق العلاقات بين زمن الخطاب، وزمن القصة وزمن السرد .

-ان ما استجد او تمخض عن هذه العلاقات في النص المسرحي هو (الاسترجاع المشهدي) و (الاستباق المشهدي)، اذ نلاحظ ذلك الجذب الزمني القوي نحو الحاضر / الآن، فيعمد الراوي، او الشخصية .. السارد الى قطع السرد واستحضار المشهد. في تفاصيل خطابه (حواره) وافعاله، وهناك الاسترجاع والاستباق اللذان يتمان في المسرحية عبر السرد المتقطع والمتناوب بين الشخصيات في هيئة المشهد الحواري .

-تتمظهر فنية الزمن في بعض المسرحيات الكلاسيكية ذات الموضوعات التاريخية او التراثية في شكلين – تقريبا – اما ان  يقحمنا المبدع في التاريخ او التراث وهنا يكون الانتقال من الزمن الحاضر – المعاصر الى الزمن الماضي، او العكس تماما حيث الانتقال من التاريخ الى الزمن الآني، ليعيد بناء الاحداث في شكل، وافكار معاصرين جديدين .

-لقد استقطبت المسرحية ولاسيما النمط الملحمي من الفن السابع (السينما) تقنية المونتاج (التوليف)، اذ تمخض عنه (التوليف الزمني) حيث الجمع بين مشهدين او اكثر متباينين في الزمان، اذ تفصل بين زمن الاحداث التي يجسدها (الراوي)، وزمن الاحداث التي تمثلها (الشخصيات) مديات واسعة تتمفصل فيها فنية التنافر الزمني بين الماضي والحاضر المعاصر، فتتكفل شخصيات القصة بالزمن التاريخي (الماضي) في حين يتكفل الراوي السرد في زمن معاصر حاضر .

تم والحمد لله رب العالمين .

Related Articles

Back to top button