نقد

تشكلات البناء الدرامي في النص المسرحي قيء للكاتب علي العبادي/ بقلم: د.عمار إبراهيم الياسري

إن العديد من كتاب الدراما السابقين والمتأخرين اتفقوا على عناصر البناء الدرامي بمسميات عديدة لكنها جميعاً خرجت من تنظيرات الفيلسوف اليوناني (أرسطو) في كتابه (فن الشعر) الذي ترجم له وقدمه الكثيرون، فمنهم من عدها خمسة عناصر ومنهم من عدها خمسة وآخرون أزادوا أو انقصوا كل حسب اجتهاده وطريقته التحليلية التي تميزه، وقد عرف البناء الدرامي بتعريفات تكاد تكون متشابهة في مجملها ومنها تعريف (مارتن أسلن) الذي عده “توازن دقيق جداً بين عناصر عديدة جداً، يجب أن تسهم كلها في النسيج العام، وأن يعتمد بعضها على بعض”، أي أن النص الدرامي يتكون من عدة عناصر متوازنة دقيقة تسهم في نسيجه، والنص المسرحي (قيء) توافرت فيه عناصر البناء الدرامي بطريقة متوازنة عمد الكاتب فيها إلى التنويع الدرامي في موجودات كل عنصر، ولو تأملنا بنية الصراع في النص نلحظ تجسد الصراع على نسقين، الأول عمودي داخلي والثاني خارجي أفقي، فالشخصية الأولى شخصية المرأة تنوع الصراع لديها مع تمرحلات النص من صراع داخلي عمودي إلى خارجي أفقي ثم من خارجي إلى داخلي، وقد تنوع الصراع الداخلي في مواضع عدة منها ما جاء في الصفحة السابعة من مجموعة (براد الموتى) للكاتب “على مدى شهر وأنا أتقيأ كل القيم الزائفة، كل القيم الزائفة التي كانت مقدسة لي ذات يوم”، أما الصراع الخارجي فقد تجسد في مواضع أخرى كما في حوارها مع الحارس الذي جاء في الصفحة العاشرة:

المرأة: حقا انه وحل.

الحارس: ألا ترين.

المرأة: أراه عكس ذلك. ثم شهد الصراع الخارجي تحولات دلالية ارتبطت مع ثيمات اجتماعية مثل صراع الأم مع الحارس الذي أصبح من الشباب الذين ينقذون الجرحى كما نقرا في الصفحة الحادية عشرة:

المرأة: الله يخليك خاله ما شفت ابني.

الحارس:خالة مو سهلة نتعرف عليه.

ثم تحولات الحارس إلى شخصية احد الشباب ثم إلى شخصية صاحب المنزل ثم إلى السياسي ثم رجل الدين المدعي ثم عودته إلى شخصيته الأصلية، إن هذه التحولات العمودية الداخلية والأفقية الخارجية وظفت الصراع العقلي والنفسي وساهمت في خلق صيرورة ضمنية في بنية النص تداخلت مع نقطة انطلاق الفعل فالأزمة فالذروة وصولا إلى الانفراج مما جعلت من النص متوهجا من خلال التدرج التصاعدي للصراع المتنوع، وقد ارتبطت التحولات الجمالية للصراع مع شخصيتي الرجل والمرأة، فالمرأة لازالت متمسكة بالقيم السامية جميعها بالرغم من القهر السلطوي الذي حاق بها مما أدى إلى فقدانها للوطن والبيت الذي يؤويها والابن الذي تتكئ عليه قبالة هذا الزمن الموحش، ساعدتها أبعاد الشخصية بكل تشكلاتها النفسية والجسدية في تأجيج ذلك، وقد كان وجود المرأة في الشارع مبررا من خلال بحثها عن جثة ابنها وطردها من البيت وفقدان مصدر معيشتها، في حين عبرت الشطائر الحياتية التي قدمتها شخصية الرجل مثل الحارس أو صاحب البيت أو رجل الدين أو السياسي عن تمظهرات الفساد وعهر السياسة وإرهاصات الحروب بالرغم من اعتمادها على الصراع الأفقي دون أي توظيف للتداعيات النفسية التي قد تكشف لنا الأسباب التي دفعته لارتداء تلك الأقنعة.

وقد تنوع الحوار الذي وظفه الكاتب في نصه المسرحي ما بين الحوار الفردي والثنائي كما اتضح ذلك على لسان المرأة والحوار الثنائي على لسان الرجل مما ساهم في كشف أبعاد الشخصيات وتأجيج الصراع ودفعه نحو النهايات المفترضة ودفع الأحداث إلى أمام وخلق الجو العام من خلال اعتماد الكاتب على لغة تشي بفلسفة عميقة يقع على المتلقي قراءة حمولاتها الدلالية، وقد تنوعت الحمولات الفلسفية للغة المستخدمة في الحوار على انساق عدة، منها تجسيد الصراع بين الفلسفة المادية والمثالية كما نقرأ في الصفحتين الثامنة والتاسعة:

المرأة : الآن عرفت جحيم الأربعين عاما التي قضيتها في الوحل.

الحارس : عرفت الآن كم أنت مغفلة. أو تجسيد الفلسفة ما بين المقدس والمدنس كما نقرا في الصفحة الثلاثين:

الحارس : عليكم اجتناب الفواحش…

المرأة : بل انتم الفواحش بعينها على هيئة وكلاء الرب. أو تجسيد فلسفة المتسيد والمهمش كما نقرأ في الصفحة السابعة عشرة:

المرأة : أمهلني بضعة وقت.

الحارس : البيت أصبح بحيازة شخص أخر.

إن التعالق البنيوي ما بين الشخصيات والحوار والصراع وارتباطها بنمو الفعل الذي تنوع ما بين استهلال ومقدمة تنبؤية للأحداث ثم تدفق الأزمات التي تنوعت إلى أنواع عدة مثل الصراع مع الحارس وصاحب البيت ورجل الدين والسياسي وصولا إلى ذروة الأحداث التي مهدت إلى سقوط المطر ثم الانفراج المتزامن مع سقوط المطر، ساهم في خلق حبكة ذات معمار درامي مبني على أساس السبب والنتيجة، وقد ساهمت التحولات في بنية النص المسرحي على جعل هذه الحبكة من النوع المعقد، فقد رافق هذه التحولات صياغة حبكات فرعية اتسقت جماليا داخل الحبكة الرئيسة مما جعل النص برمته متسقا دراميا، يعد النص المسرحي (قيء) نصا احتجاجيا ساخرا فكك من خلاله الكاتب (علي العبادي) المنظومة القهرية التسلطية التي حاقت بالشعب العراقي ووجه ضرباته لها من اجل تقويضها من الداخل كي يستيد المهمش والمنزوي والقابع على حواف التحقير مكان المتسيد القهري، فهي صرخة ما بعد الحداثة على السرديات الكبرى التي خلقت لنفسها قداسة موضوعة غير راسخة برع في صياغتها الكاتب حينما جعل من بنائه الدرامي منظومة متسقة متعالقة جماليا وفلسفيا.

النص المسرحي (قيء) منشور ضمن المجموعة المسرحية (براد الموتى) الصادرة عن دار ابن النفيس الأردنية للطباعة والنشر والتوزيع 2019.

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button