طقوس الحطب بردائه الواقعية..طقوس الحطب صرخة لعبثية الحرب / د. ميادة الباجلان

المسرح رمز ديمومة الحياة ومتغيراته بكل تجلياته الفكرية, فهو يخاطب الحياة, يخاطب الانسان خطاباً فنياً حضارياً قادراً على تغيير المجتمع نحو الأفضل والاحسن وذلك من خلال صناعة خطاب معرفي ثقافي منتج لمفاهيم وأفكار جديدة لها القابلية على التأثير في المتلقي بتلبية حاجاته النفسية والعقلية والاجتماعية وما الى ذلك .. وتفتح آفاقا جديدة قادرة على مواجهة الحياة وصعوباتها لتحقق هذه الثقافة المتجددة في تغيير المجتمع..
مسرحية “طقوس الحطب” نص واقعي رسم بصورة تعبيرية للصورة الجمالية ودلالات مغايرة لحكاية الانسان والوطن, استلهم الكاتب(ابراهيم كوران) من الأحداث التي شهدتها مدينة (الموصل) احدى المدن العراقية في الآونة الأخيرة من ويلات الاحتلال والتهجير والقتل, المتشدد في الفكر تحت وطأة (اسم الدين) يستبيحون الناس عبيدا ومساجين حكاية عن وطن فيه الكثير من الخيرات, حكاية مدينة وتلاحم الأطياف لمختلف ثقافاته, مدينة احتلت وسلبت, وانتهكت حرماتها, وقتلت بأسم الدين خوف, رعب, موت, قمع, قهر, ظلم, جوع, وتهجير قصري, غضب, ترقب, اغتصاب, اقتحام, سلب, تعذيب.. ويلات وطمس الانسانية, غلو واستهتار وانتهاك حرمات العوائل, مخاض صعب لصرخات موجعة تريد التخلص من كل الالام والمصاعب التي ادت بالبلد الى الهاوية والبحث عن ملاذ آمن, والعيش بسلام, كيف الخلاص هل سيأتي اليوم الذي نتخلص به من كل الحروب والمآسي .. انه الوطن يا سادة..
شاكس المخرج (نشأت مبارك) في طرح بيئة النص الى بيئة واقعية للفلكلور الموصلي, رسالة أرادها المخرج خطابا بصريا عبر تنقلات ايقاعية تبادلية بتصاعد درامي للنسق الادائي في وضع سلطة الحرب عبر ايقونات رمزية, واشارية و(كوريغراف), بمنظومة بصرية موازية للمنظومة السمعية, أحداثا وصلت الينا بطابعها الجمعي الذي ينتمي اليها الانسان للوجود الجمعي المتعدد والمتنوع بلغة مناسبة لبناء تتابع واقعي للحدث الدرامي المتصاعد عبر شخصياته الواقعية للدخول عبر مسار الفعل الدرامي وفق الحبكة لمسار الحدث لأصوات تتعالى وتتشابك وسط فضاء سينوغرافي, عبر كرنفال اعتمد في انتاج طقوس تمزج بين أصوات المآذن, والصوامع, والكنائس, طقوس دينية شعائرية للنواة التي بنيت عليها المسرحية, حوارات ثنائية للبوح عن المأساة والكوارث ليجعل المتلقي جزءا مشاركا من اللعبة المسرحية, والخروج من الطريقة التقليدية الى طريقة الخطاب الحضاري حداثوية بتنوع الرؤى والذات وتلاقح الأفكار والرؤى المتجددة للوعي الجمعي .
ترجم المخرج من خلال سينوغرافيا العرض النص الدرامي صورة موجعة لمشهدية وطريقة الاداء للمدرك الحسي والجمالي بين شعرية الاداء وجمالية المعنى ل(المكان, الزمان, الحدث ) صورة واقعية \ تعبيرية هيمنت على الذاكرة الجمعية, وحشية العالم وصورة الحياة وعبثتيها, متنفذا من ستار الدين مشاهد مأساوية مؤلمة لمصير الانسان المحتوم بالموت, في ظل ايقاع التخريب والتدمير والضغط النفسي اللامتناهي, مأساة بشرية معاصرة لمدينة محتومة بالتأزم والقسوة وأشكال الموت والاستباحة والاستهتار, حقوق سلبت وانتهكت , صبايا هتكت أعراضهن وهن يلطمن, ودروشة الامهات الثكلى, تحت غطاء سلطة الدين المزيفة أفسدوا وقتلوا وهجروا, أرادو التفريق بين أطياف الوطن الواحد, ولكنهم لم يعلموا ان للوطن ارادة قوية, انه الوطن يا سادة ..
خلق الفضاء المسرحي وما عليه من اكسسوارات تحمل المعطيات الدلالية الفكرية بالأيقونات المناسبة لرؤية العرض المسرحي حيث تم تغطية المسرح كله باللون الأسود يتدلى من الأعلى قطعا من النسيج أشبه ما يكون ب (السجادة) الصلاة وعليها أرقام مختلفة ربما كان لعدد سنوات الاحتلال, متدلية منها حبال, (حبال المشانق) حملت دلالات واقعية لما عانته هذه المدينة من ويلات, هذا ما عكسه في المشهد الاستهلالي حيث تعالت أصوات المآذن والكنائس, وشخصيات موزعة على خشبة المسرح, ودخول نساء ثكلى من جوانب الركح وهن يلطمن على ما أصابهم من قمع, واغتصاب, وتهجير, رافضات للظلم والاحتلال, تميز هذا المشهد بتداخل تعبيري للطقس الدرامي الشعائري للمشاهد السمعية والبصرية والحركية وميزانسينها بإيقاعات متناغمة خلقت فضاءات سينوغرافيا العرض أجواء عبرت ترقب الشخصيات أمام أصوات مختلفة ومتداخلة في معركة الحياة التي تعيشها هذه المدينة مما جعلت من المتلقي جزءا من الحدث المسرحية في حالة من القلق والترقب, امتزجت الشعائر الدينة للكنائس والمآذن للتعبير الجمالي في الصورة الحسية المعبرة بنسج عن وحدة تفاعلية ما بين الأديان والأطياف, ولحمة الوطن وشعبه تمثل صرخة واحدة ضد (المحتل) في سلب هويته, عبرت خطابا تفتح على الأمل في حياة أفضل تستحق أن تعيشها هذه المدينة .
حقق المصمم الديكور البسيط بقطع ديكوريه بسيطة متحركة لبيئة العرض بطابعها الواقعي, واقتربت الأزياء الى واقعية لفلكلور الموروث للتراث السرياني لتلك المدينة حققت وظيفتها الدرامية التعبيرية, تكاثفت بوعي متبادل ما بين الاضاءة والموسيقى ومؤثراتها الصوتية والأناشيد والتراتيل ألوانا صورية, معادلا حسيا في وضوح الأحداث والشخصيات, قربت المسافة الجمالية فأعطت اللون الأحمر مع طبول الحرب دلالة واضحة لترقب الموت والخطر, اذ صاحبت الموسيقى والأناشيد, حركة الممثلين التعبيرية, للرقصات والحركات الايقاعية الميكانيكية بغية اتضاح الرؤية للشكل والمضمون بوعي تراتبي جمعي توثيقا لما جرى لهذه المدينة من ويلات بإيقاع جمالي لهندسة الصورة والصوت, فقد واكب البناء السمعي والبصري للموسيقى والتراتيل للفضاء التخيلي عزز بها (مبارك) للرؤية الاخراجية مما زاد من قوة الشد والتأثير وهواجس الترقب لدى المتلقي .
جسد شخصية الأب المارشال(بطريريك شوقي حكمت) العسكري المتقاعد المتغطرس وسلطته العقائدي يدعو ابناءه الى الحرب.. مرتديا(البيجاما) وبيده العصا عصا السلطة, وقد تحولت مفردة العصا الى بندقية, شموع, بخور.., يتكلم احيانا باللغة السريالية في بعض المشاهد, عملية تداخل العرض المسرحي والطقسي باللغة العربية والسريالية .. ثيمات متعددة للأب المتمرد (حرب, صلاة, تمرد, احتجاج…) خطاب مباشر للأب :.. الاعداء على الأبواب… الناس تذهب وقودا للحرب لرغبات رجال الدين… ربما ربط المخرج(مبارك) بين التعبيرية من خلال سلطة الأب المتقاعد وضمير الابن الرافض للحرب وبين الواقعية في نقل معاناة ما جرى في مدينة الموصل .
ابهر اداء الممثل (وسام بربر) صراعا في الاداء الجسدي والصوتي والحركي بكل معطياته الفكرية والجمالية شكلا ومضمونا للموقف الدرامي, اتسم بالشد والتصاعد مسايرا لهذا الألم والانتماء الروحي في اثبات وجوده الانساني الابن الرافض والعارض للحرب والاحتلال والدمار, والوحشية لما مارسه هؤلاء الطغاة بحق البشرية وقتله وحرمة انتهاكه شخصية منتفضة للحرب ونكباته وآثاره التي تهتك بجدران الوطن واستقراره الانساني منتفضا لوحشية صناع الحروب والدين المزيف, وتمرده على سطوة وقسوة الواقع المرير رافعا يده للسماء للخلاص من الظلم ومصيره المجهول, اذ امتلك شخصية(بربر) العزيمة لمواجهة الخوف والوهم بنسق درامي ذهني وجمالي وفق رؤية المخرج ووحداته الايقاعية التحريضية .
أما الشخصية الثانية ( صدام سالم) الأخ- والشخصية المستحضرة للضمير الحي التي عبر عن ذات شخصية(بربر) من خلال مناشدته من شدة الألم والضغط من قبل شخصية(الوالد) المتغطرس(لا للظلم .. لا للاستبداد) لا يريد أن يكون عبدا خانعا مستسلما ينتظر مصيرا مجهولا محتوما بالموت, بل يريد أن تعيش مدينته بحرية وأمان وتحرره من الاحتلال والاستلاب, يأمل أن يتزوج محبوبته لكنه أصبح كالإنسان الآلي(الروبرت) الذي لابد أن يطيع أباه المتغطرس وهوسه ودعواته للحرب التي لا تنتهي, وما تخلفه من ويلات ودمار وآلام انها غياب العقل وسلب ارادة ..لسان حال الشخصية (لسنا لعبة بأيديكم)..
لحظة الوصول الى منتهى الزمني للمسرحية رجع المخرج الى نفس الدائرة المغلقة كنا نتمنى ان يعطينا(مبارك) بصيصا من الامل وكسرا للطوق والخروج من دائرة الحرب والظلم والاستبداد, أمام ديمومة حالة القلق والحيرة, والخروج من الأزمة للطقوس الوحشية والتحرر من القيود لا ان يعيدنا الى نفس الدائرة, لينتهي بالاستقرار الانساني والطمأنينة ..ربما.. رقم صفر.. لا زلنا نعيش في حروب حياتية. اجتماعية.. اقتصادية.. نفسية…وجع مأساة وطن.. إنه الوطن يا سادة…