نصوصنصوص مسرحية

نص مسرحي: ” هزة نبض…القيل والقال فيما سيقال في باب الهوى في زمن الزلازل”/ تأليف:عزيز ريان

الشخصيات:

  • العاشق قيس :شاب مفعم بالحياة. من هنا وهناك كما لو أن روميو اختلط بقيس الملوح ذات هيام. خريج جامعة آداب إنجليزية (ماستر لغة)
  • العاشقة ليلى: شابة مليحة بعذوبة وخفر. كما لو أن طيف جولييت رافق ليلى في غفلة من العشق (خريجة جامعية: ماستر مسرح: الفضاء الركحي في الفراغ المسرحي)
  • الصحفي: شاب بتفكير عجور. كلب الخبر مغلف بمحتوى هابط يمجد التفاهة المعاصرة. حاصل على بطاقة صحافي بتدخلات حزبية. مدير موقع إخباري ممول من جهات مشبوهة.
  • الفوتوغرافي: شاب مقبل على المساعدة بشكل يومي وبدون مقابل. فنان يعشق تأريخ القصص الإنسانية. منخرط نشيط في منظمة الهلال الأحمر يعشق مساعدة الناس في وضعية كوارث. خياط يمارس التصوير الضوئي بعد أن طور معارفه وتمرس بالكثير من الممارسات الفنية. مصور محترف وبارع في التقاط التفاصيل الدقيقة للنفس الانسانية وخصوصا في الكوارث الطبيعية.
  • الرسام: حاضر في الأزمات ويؤمن أن الفن الذي يقدمه ليس ترفا بل هو وسيلة للصمود وللنضال والمواجهة. قد يكون تكعيبيا أو انطباعيا أو هما معا.
  • عازفة البيانو: نرتجل موسيقى عالمية ومقاطع ألفتها خصيصا بمناسبة المصاب الجلل بالقرية. لا تعرف الهوان ولا الخمود بسبب آني تعمل بجد وتتدرب وتستمتع بكل مقاطعه الموسيقية.

 

برلوغ: للحب أكثر من اسم.

المكان: قد يكون بالمغرب أو بسوريا أو هما معا في نفس الآن، أو بأرض عربية أخرى. ركام مكان تعرض لزلزال حاد. صوت الغربان يمنح المكان مشهده الجنائزي. تدخل بلقيس كمصابة بمس من الجنون. ملابسها رثة وحالتها يرثى لها.

بلقيس: (وهي تتفحص المكان) لا شيء هنا إلا الدمار والخراب. الدمار عنوان..ولا آثر لروح إنسان. قلبت القرية رأسا على عقب ولا ناجي غيري. لماذا بالذات أنا؟ أهي لعنة السماء عقابا لي حتى أعيش الألم بقية حياتي. وماذا أفعل هنا؟ لماذا عدت؟ وكيف تمكنت من الوصول إلى هنا؟ (تنبش الأنقاض وتزكمها رائحة الموت وتتراجع) كل عائلتي قضت..كل جيراني..كل معارفي بقريتي دفنوا تحت هذه الأنقاض اللعينة. حتى نوح، حبيبي رحل قبل أن أزفه الخبر. يا إلهي كيف لي أن أتحمل كل هذا الموت وهذا الخراب وهذا اللامعنى. لماذا عدت إذن؟ أنا مغلفة ولم أجد من يمنعني من الوصول إلى هنا.(صوت فرس) هيا اقترب يا عزيزي لولاك لما نجحت في تخطي كل هذه الحواجز. ورحم الله جدتي التي علمتني فنون الفروسية مثل رجل وأحسن. (تخرج بعض الكلأ من كيس في عنق الفرس وتطعمه وهي تدندن لحن موال شعبي) أعرف أنك ستبقى وحدك. لكني واثق من قدرتك على النجاة برغم ما جرى للتضاريس..(صمت) لن أتعب نفسي في تفكير فارغ الآن. كل الأمور وضحت أمامي ولا مجال لأي أمل.سأنفذ المأمورية وأريح وأستريح. لو عاش نوح كان سيغير رأيي أو يقنعني برأي آخر كعادته. لكنه الآن تحت التراب ولا أستطيع أن أمنع نفسي من تخيل شكله تحت الأنقاض.كم أحبه بأكثر من اسم للهوى. يا ربي. صبرك وقوتك أنا عبدة ضعيفة أمام قدرتك.(تبحث عن شجرة فتجدها في الجهة اليمنى، تعد حبلا بعناية استعداد لتنفيذ طقوس انتحارها) كل الشخصيات المسرحية تجيد وضع تفاصيل لأمر درامي مثل هذا إلا. أنا ضائعة أمام هذا الزلزال الرهيب ولا شيء يتحرك داخلي غير الخواء أو الموت أو التراب. لعلي لم أنجح في كتابة نص مسرحي لأني لا أجيد اقتناص الأحداث الدرامية. هل أكتب نصي قبل النهاية. ولو كان نوحا حيا لحكيت له تفاصيل خروجي من القرية الذي تبعه الزلزال.(تبحث عن مذكرة بحقيبة وقلم ظهر على سرج الفرس) حبيبي الذي لم أره. إليك أينما كنت. لا يمكنني أن افعل أمرا عظيما مثل هذا دون أن أخبرك أو أعلمك. أكتب إليك من فوق أنقاض قريتنا التي جمعتنا والتي عشنا فيها قصصا وذكريات لا تنسى.(صمت) ماذا أفعل؟ ظننت أنني سأكتب نصي الأول قبل أن أغادر وها أنا أخاطب مخلوقا عزيزا فقدته (صمت) قريتنا التي كانت والآن صارت إلى زوال. نعم عزيزي كحلم سريع تبخرت من الخريطة وضاعت جغرافية المكان. قلبت فوق رؤوسكم في رمشة زلزال. رحلت كما رحلت عائلتي وأحبائي في وداع صامت لم نتمكن فيه من النبس بأي كلمة أمام قدرة الطبيعة وقدر الله العظيم. جئت ألهث كي ألتقيك، غير أنني لم أجد غير الموت متربصا من بين ثنايا كل الخراب والأنقاض. توقف حلمي وحلمك في لحظة. فلا مركزك اللغوي سيتحقق ولا يمكنني تأسيس مدرستي لتعليم المسرح. كل القصص والأمنيات طارت على وقع هزات أليمة هزتني أنا الناجية الوحيدة صدفة من كارثة رمت بكل مخالبها على ارضنا في غفلة منا. هنا كان بيتنا.. هناك كان بيتنا. وبيوتا أخرى لأرواح بشرية أخرى.(صمت) أين أنت؟ لماذا لم تسافر معي ونتأكد معا من الخبر اللعين الذي وترني وجعلني كالممسوسة لا أدري ما أفعل. حتى الممرضة اللعينة ساهمت في تعجيل خروجي من القرية والابتعاد دونك كما لو أنتقم منك ومن وقاحتك أو عدم تصديقك لي أو لإشاراتك الضمنية التي استفزتني. أقول لك يا حبيبي كنت على حق وكنت خاطئة .أنا غبية وأنفعل بسرعة ولا أجيد التصرف. محق كلما قلت لي أنني لا أريد النضوج، وأنني طفلة. أنا طفلتك. أين أنت ؟يا ليتك كنت لكي أبكيك أمي وأسرتي وكل عائلتي. لكنني أبكيك كشاعر جاهلي على الأطلال يوقع معلقته الطويلة (تسمع وقع أقدام وترى توجس فرسها وهدوئها) من هنا؟ (لفرسها) لعلك تعرفين هذا الغريب؟

(تستعد بجلب حقيبتها والبحث عن آلة حادة بها للدفاع عن نفسها. يدخل نوح تراه تتأكد منه فتسقط مغشيا عليها من هول المفاجأة. يقترب نوح ويحاول ايقاظها ويمددها بعناية فوق حجرة وهو يمسد شعرها ويدندن بموال شعبي حزين. في نفس اللحظة يدخل رسام بعدة الرسم ويضع رافعته في جانب أيسر على الأنقاض ويستعد للرسم وهو يولي ظهره للجمهور)

 

هوى أول:

المكان: مسجد القرية الذي سلم وحده من الزلزال.

الزمان: بعيد الفجر بلحظات. أو ما بعد الهزة الأولى. صوت العصافير تعلن بقرب موعد انقشاع الصبح في الأفق.

 

بلقيس: يا لتعاستي،حتى الموت يتمنع عني. لماذا عدت؟ لماذا لم تمت؟

نوح: قدرنا أن نجتمع مرة اخرى فوق هذا الخراب. ويا للمصادفة، كما لو أننا خرجنا من القرية بموعد.

بلقيس: لو كنت أعرف ما سيقع لما خرجت (تبكي).

نوح: (يقترب منها لكنها تمنعه من الاقتراب) هوني عليك، ولنفكر في حل يناسبنا في هذه المرحلة.

بلقيس: أي حل وعن أي مرحلة تتحدث، ألا تر الأطلال وما تركه الزلزال من دمار؟ كأنك تتحدث عن جنة سندخلها قريبا. انظر إلى هذا، كما لو أننا في حلم، أو في كواليس فيلم ما. ألا ترى أنك سبب مغاردتي أرضي لكنت دفنت بهدوء مع بقية بيتنا واسترحت؟

نوح: أنت متوترة وفي حالة صدمة يا عزيزتي، كلنا في الهم سواء كما يقال. لهذا لا داعي للانفعال ولا للتوتر أكثر.  هيا بنا نستريح. انت تعبة فرجاء لنستريح قليلا. ولا تجلدي نفسك وتعاتبينها. لست مسؤولة عن شيء كل ما وقع مقدر ومكتوب ولن تمنعي القدر أو المكتوب مهما فعلت وأينما كنت يا عزيزتي بلقيس.

يتمددان فوق سرير زربية المسجد ويغفوان. صوت هذيان. وقع أقدام تقترب وصوت آلة تصوير. تستيقظ بلقيس في حالة هلع من كواليسها وتفاجأ بوجود غريب بالمكان. تلكز نوح الذي يقف فزعا ويهم بالخروج السريع تمنعه.

بلقيس: من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟

نوح: ماذا جرى يا حبيبتي..من هذا الرجل؟

الصحفي: أهلا بكما: بلقيس ونوح. أنا سأساعدكما على تخطي كل هذا الخراب المحيط بكما.

بلقيس: ماذا تقول ولماذا ستساعدنا؟ من تكون يا هذا؟ قل أو أرحل أرجوك. لا قوة لنا لتحمل خزعبلات كيفما كانت ومن أي كان.

الصحفي: لا بأس أحس بكما وأعرف فيما تفكران الآن.

نوح: كيف عرفت أسمينا؟ ومن تكون بالله عليك؟ و فيما نفكر أيها العالم الكبير؟ قل من أنت ولا تماطل أو دعنا نستريح فقلوبنا لم تتمكن من استيعاب ما جرى بعد. ولا الوقت مناسب للمزاح أو السخرية.

الصحفي: آه، أولا عظم الله أجركم في سكان قريتكم وفي كل عائلتكم التي فقدتموها في هذا المصاب الجلل. (يسلم عليهما) البقاء لله. كأنني هدية السماء لكما فلا داعي للتوجس أو الخوف مني. أنا صديق ولست عدو.

بلقيس: لم يعد الخوف مستحضرا اللحظة، فليس لدينا ما نخسره يا هذا أكثر مما خسرناه في ليلة أو في أقل من ساعات.

الصحفي: (متحمسا وبخطابة) لا لا بالعكس يا أصدقائي، فلكما أهم كنز.

نوح: وما هو هذا الكنز؟

الصحفي: حياتكما، الحياة كنز في ظل هذا الخراب ورائحة الموت الكثيفة.

بلقيس:قل ما تريده مباشرة أو غادر.

الصحفي: ههه لست في بيتكما أنا في بيت الله الذي تبقى من هذه الأطلال. فكلنا سواء في البحث عن سقف يجمعنا في انتظار تحسن الظروف.

نوح: المساجد يزروها عابري سبيل فلا تقلق لن نطردك ولم تقصد ما فهمته.

بلقيس: ماذا تقصد يا نوح؟ أنني جننت؟

نوح: لا صدقيني أنت تؤولين كل معنى إلى مسار مختلف. لم أقصد أنك جننت بل أشرح له ما كنت تحاولين قوله له.

الصحفي: (يتمدد في ركن فارغ بشكل مبالغ فيه) سأنام بدوري أنا متعب.(ينام) تصبحان على خير، أقصد تصبحان على حب.

يقف نوح وبلقيس معا ويتهامسان ثم يتمددان بشكل متلاصق حماية لبلقيس من أي مكروه. صوت العصافير وصوت انفجار ماء نبع جديد، قرب الشجرة. تدخل عازفة البيانو الكلاسيكي وتوضع آلتها في مواجهة الرسامة. تبدأ بعزف مقاطع باخ مرتجلة.

 

هوى ثاني:

فوق الأطلال يقف كل من نوح وبلقيس بحسرة.

بلقيس: هنا عشت. وهنا قضت أسرتي. من سأبكي؟ رحيلكم أدمى قلبي.

نوح: الموت في كل الكوارث عنوان واحد. وهناك غير بعيد قضت أسرتي وانهارت كل أحلامي. جردني الزلزال من عائلتي ومن أمكنتي العزيزة ومن الذكريات. التهم كل تاريخي. كلنا في الفقدان سواء.

بلقيس: ما أقسى أن تنال شرف الحياة في ظل هذه الظروف. قبل أن أراك ظننت أنك لو كنت حيا سأحب الحياة أكثر، لكنني لازلت أحس بنفس الخواء بأحشائي.

نوح: عزيزتي،..

بلقيس: لا تقل ما يزيد انكساري. لن أتراجع عن قراري لو جبنت يمكنك الانسحاب كعادتك. كأن الحياة تلفظني.

نوح: لم أقصد التراجع أنا أحاول المناقشة ومعرفة حيثيات الأمر.

بلقيس: عجيب أمر هذا، انظر إلى هناك تفجرت ينابيع جديدة.

نوح: لعل نبع القرية غيرته الهزات بقسوة ليصبح هنا. حتى مجاري المياه تتعرض لنقلات في مساراتها وتكمل سيرها.

بلقيس: لعل النبع ناجي من الخراب مثلنا.

نوح: أنت محقة يا للسخرية الأقدار.

بلقيس: (تنبش بين الأنقاض) لعل هنا ناجي أو ناجية، لم تصل القوات بعد.

نوح: لا الطرق ولا المسالك تسهل عملية الوصول. فهيا بنا رائحة الموت تزكم أنفي.

بلقيس: (باستهزاء) أنا ضاعت حاسة شمي، وكأن الموت أصبح حاستي. أنا من سأذهب إلى الموت ولن أظل قابعة هنا أنتظره (تصرخ وهي تكتشف بقايا جثة) هذا رأس أمي نعم هي ذي. كيف وصلت لمنزل عمتي وهما في خصام طويل؟

نوح: (بتقزز) أمك؟كيف عرفت؟

بلقيس:من جدائل شعرها، هي المرأة الوحيدة بالقرية لها هذه القصة، أنا من حلقت لها. تصور الشعر لم يتعرض لأي ضرر. شعر كثيف ويقترب من الذهبي (تنفض الغبار على الرأس وتمسح الغبار عنه بعناية) أأفزعك الزلزال يا عزيزتي، ولجأت إلى منزل العمة العنيدة؟ يا لهذا الزلزال اللعين، زلزل الكثير من الحقائق والمثل وليس كله شر. لم تتصور أن تقتربا لتموتا معا وتحت سقف واحد أقصد أنقاض واحد.(تمشط شعر الرأس ولا تبالي بالدم السائل،وهي تغني أغنية لنوم الأطفال)

نوح: (يبكي،وينبش بجنون في الأنقاض) لعلي أعثر على رأس أبي أو أمي أو أخواتي. أيها الموت، أنا..أنا أكرهك (لا يستطيع البحث ويسقط متهالكا)

بلقيس: (تكمل طقوس تمشيطها في هدوء وتضع الرأس فوق صخرة قريبة) للأسف أبي كان أصلعا.

صوت الحوامة يقترب من الأجواء.

نوح: ستمتلئ القرية بالمسؤولين، لقد اكتشفوا الطريقة المثلى للوصول للاحتفال بالموت والخراب.

بلقيس: عن أي قرية تتكلم، أجننت، بل قل خرابها أو أطلالها. من سيذكرها بعد سنوات؟ علينا أن ننفذ ما اتفقنا عليه هذه الليلة.

نوح: أنت محقة. تصور؟ لقد أحسست بالحسد وأنا أراك تعتنين بشعر والدتك. لعلك أحسست براحة ما أليس كذلك؟

بلقيس: حسد على العثور على بعض الجثث؟ ما هذا الجنون؟ أي راحة تقصد؟ أمع الموت راحة؟

نوح: لا راحة مع الموت. لا راحة مع الموت. هيا بنا.

بلقيس: تذكرت عابر السبيل؟ لا أثر له؟

نوح: لعله تاه بهذه الأرض الوعرة التي لا يعرف السير بها.

بلقيس: لا أعلم، لكنني لا أثق به. وجهه محمل بالشرور والشره والطمع.

(يخرجان. صوت ناي يختلط بعزف العازفة في تمازج ساحر يوحي بالحزن والاحتفال بالموت. الرسام يعتني بلوحته ويدور حولها ويتفنن في ضربات الريشة على وقع الموسيقى المصاحبة).

 

هوى ثالث:

المكان: بقايا شجرة قرب أطلال منزل. يجلس نوح وبلقيس ظهرا لظهرا في حالة حزن.

بلقيس: مغفل أو أبله أو ذكي، فماذا أنعتك؟

نوح: عاشقك الجميل الذي سيمنع الموت عنك ولو مات هو.

بلقيس: أي موت ستمنع والموت يطغى بالأمكنة. لماذا فعلت ذلك؟

نوح: لم أفعل شيئا، كل ما في الأمر أن الحبل لم يكن متينا، ولم أشتره أو هو ليس حبلي.

بلقيس: إذن لم تمنع عني أي موت؟ الموت لا يريدني، حاولت قبل وصولك وحاولت اللحظة وبدون فائدة.

نوح: ولماذا الموت؟ أي اختيار هذا يا بلقيس؟

بلقيس: قل ولما الحياة؟ كل أحبابنا رحلوا. وأنا شاهدة موت لموت قريب.

نوح: وأنا؟ وأنت؟ ألسنا شاهدين حياة؟ سنحكي قصتنا للأجيال القادمة. ألا ترين حكمة بقائنا على قيد الحياة لنبقى على قيد الحب؟ سارت علاقتنا في تذبذبات حياتية متوترة وجاء الزلزال ليعدلها ويغير مجرى نبعها وعلينا التقاط الرسالة والمضي قدما بشغف للحياة.

بلقيس: اي أجيال يا عزيزي، ونحن آخر الأجيال. كل الأجيال أقبرت تحت الأنقاض. لنبحث عن وسيلة أخرى أسهل أو أضمن. نحن بشر يا نوح ولسنا ماء.

نوح: لا لن أدعك هذه المرة تقررين أنا أريد الحياة معك. سأمنعك بالقوة هذه المرة. لن نرد على الموت بموت، سنرد عليها بحياة أقوى.

بلقيس: أنت مجنون. وماذا سنفعل وما نفعنا بهذه الأطلال؟

نوح: سنحقق أحلامنا. هذه أطلالنا (يضع عمامة ويمثل دور شاعر جاهلي، يتقمص دور امرؤ القيس، ويلقي ملعقته على وقع موسيقى مصاحبة مع العازفة) قفا نبك..قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل..بسقط اللوى بين الدخول وحومل. (صمت، ثم دور عنترة ابن شداد) وإن شفائي عبرة إن سفحتها..وهل عند رسم دارس من معول (صمت) هل غادر الشعراء من متردم…أم عرفت الدار بعد توهم..أعياك رسم الدار لم يتكلم…حتى تكلم كالأصم الأعجمي (صمت) ألا ترين أن هذه الرسالة من السماء لنحيا. ففي حياتنا فوائد يريدها الله لمن سيأتي. لنعش بكل روح الأمل. يكفي حاولنا وفشلنا، لنفكر في طريقة للحياة وبشكل أحسن.

بلقيس:(بهدوء) أهذا وقت الشعر؟ يا عزيزي؟

نوح: هذا هو وقته وزمنه.

بلقيس: ظننتك ستلقي شعر شكسبير بلغته التي تعشقها.

نوح: للأسف لم يبك على الأطلال غير شعرائنا. تخيلت أني عنترة أو أمرؤ القيس هههه (يمسح دمعتها) بلقيس..أنا أحبك.

بلقيس: نوح…وأنا كذلك.

نوح: أحبك في كل الظروف وعلى وقع كل الزلازل والكوارث والأوبئة.

بلقيس: وأنا أحبك وكفى.

(موسيقى صامتة رومانسية من البيانو، تتحرك العازفة وتراقصهما).

 

هوى رابع:

(صوت مروحية تقترب من نفس مكان المشهد السابق. تحاول العازفة العزف لكن صوت عزفها يضيع مع ضجيج طيران المروحية. لا تتوقف برغم ذلك).

صوت: يا نوح البويحياوي ويا بلقيس الغزواني. عليكما الرحيل. ابتعدا عن المكان وإياكما أن تكررا ما فعلتماه قرب الشجرة. هيا ارحلا إلى أقرب مركز. معكم الدرك. وإلا سنقوم بالإجراءات القانونية اللازمة وعليكما تحمل المسؤولية الكاملة في كل هذا. يا نوح ويا بلقيس هيا غادرا المكان، ممنوع الوقوف هناك في ظل هذه الأحداث الكارثية. نرجوكما بالابتعاد هي بلقيس: هيا ساعدونا!

بلقيس: من أخبرهما بإسمينا بالكامل؟

نوح: كيف عرفوا بتواجدنا هنا؟ عين السلطة لا تموت ولو في ظل الكارثة

(تبتعد الحوامة، ويدخل الصحفي).

الصحفي: أهلا بكما.

بلقيس: أنت مرة أخرى.

نوح: من أنت بالضبط؟

الصحفي: أنا صحفي من موقع العرافة. ألا تعرفان الموقع؟ لقد فاز بأحسن موقع بالبلاد لمرات عديدة، وهو من أنجح المواقع التي تقدما محتوى ضخم.

بلقيس: آه، ومن لا يعرفه. الصحافة الصفراء تجيد الحضور في الوقت لالتقاط الفضائح. ورائحتها تسبقها حتى قرب أسراب الغربان.

نوح: وتجيد التعاون مع الجهات السرية في كل منطقة. ماذا تفعل هنا؟

الصحفي: تهزأن؟ لا بأس أنا فكرت فيكما وفي حياتكما.

بلقيس: ومن أنت لتفكر فينا؟ أنت تفكر في نفسك. وماذا تريد منا؟

نوح: وفي الخبر أو في القصص التي ستنقلها لجمهور يعشق التفاهة أو يشجعها.

بلقيس: إذن فتشت في جيوبنا ليلا وتعرفت على أسمائنا أيها اللعين.أنت خبير في جمع الأخبار والنبش في الفضائح لتقدمها للجمهور المتلهف الذي أغشته التفاهة حد الموت (يحاول نوح أن يهاجمه لكنها تمنعه) لا تلوث يدك في هذه النماذج فهي تجيد هذه المناوشات. لا وقت لدينا لها. لعله يبيع اللقطة ويربح بها لو تمكن من تصويرها ورفعها بموقعه التافه.

الصحفي: حاولت أن أنقذكما من أنفسكما، وتقابلان خيري بكل هذا الرفض؟ لا بأس، أنتما تحت وطء الصدمة ولا تعرفان ما تقرران.

نوح: طبعا طبعا أنت ملاك الرحمة. منقذ البشرية.

بلقيس: كم ستقبض هيا اعترف؟ ولمن سترسل مادتك من تحت الأنقاض؟

الصحفي: لا أريد مالا. سأنشر حواري معكما أردتما ذلك أو رفضتما. أنا ناقل للخبر هذه مهتنتي التي أجيدها.

نوح: إذن سيكون محرفا في كل الأحوال: سواء قبلنا المحاورة أو رفضناها.

بلقيس: كل الأخبار صالحة في معجمك التافه ولن ترهبنا بتهديدك كل العالم لا يهمه الآن إلا صحة وحياة من بقي على قيد الحياة. تريد موافقتنا لكي تكمل نهشك في الأعراض.

الصحفي: لكني أعرف أنكما هربتما قبل الزلزال وقصتكما ستكون طبقا شهيا للكثيرين. الحيب في زمن الزلزال. قصة العاشقان الهاربان من الموت. الحب منقذ الحب. ال..

بلقيس: (تقاطعه) على رسلك يا هذا. دعك من كل هذا. ونحن لم نهرب ولا داعي لكي تؤلف الكثير من الخزعبلات. لم يهرب أحد، وقصتنا ملكنا يا بائع الأخبار ومروج الفضائح.

نوح: من أخبرك بكل هذه الأكاذيب؟

بلقيس: ابتعد ودعنا في أشلاء قريتنا نفعل ما نشاء.

الصحفي: صدقاني لو سمعتما مقترحاتي لتمكنتما من الحصول على كنز تضمنان مستقبلكما.

نوح: يعني نستغل المأساة لكي نركب على موجة التسول.

بلقيس: أسلوبك رخيص مثلك ومثل موقعك الأرخص.

الصحفي: لكن التفكير في القضاء على حياتكما لن يفيد بشيء. موتكما الاختياري جبن واضح وتخلي على كل القرية والأحباب وتاريخ القرية.

نوح: كيف سيفيدها يا عالم تاريخ؟ موتنا في هذه اللحظة سواء.

بلقيس: تفكر في اصطياد قصصك النتنة. ولا نحتاج لموت يسكننا فدع محاضراتك لموقعك الرديء.

(يخرجان ويقترب منهما الصحفي ويدفعه نوح بعنف ويسقطه أرضا. يخرجان، وبعدها تسمع صوت هزة أرضية ثانية. تسقط بقايا الشجرة وبقايا المنزل. ويتحرك الرسام وعازفة البيانو ولكنها ينهضان ليكملا عملهما بتفان وبشكل أكثر حيوية. موسيقى بتهوفن من أنامل العازفة السعيدة).

 

هوى خامس:

(بقايا منزل. تخرج منه بلقيس كما لو كانت تقضي حاجتها بالخلاء. يلاحقها الصحفي، تعدل لباسها بسرعة وهي تراه يقترب منها).

الصحفي: كل هذا الجمال والعقل يضيع مع تافه لا يعرف مصلحته.

بلقيس: (بتوتر) ماذا؟ هل تلاحقني في كل مكان؟ ألا تخجل؟

الصحفي: أنا أنوي مساعدتك ودعمك. يحتاج موقعنا مراسلة بها مواصفاتك:الجمال، الذكاء والفطنة.

بلقيس: أنت ذكي، لكي تشغل معك من لا خبرة لها في مجال سمي بالسلطة الرابعة. لن أكون واجهتك للتفاهة فلا تضيع وقتك ودعني.

الصحفي: أنت مجنونة مثله، صدقيني الكنز بين أيديكم وأنتما ساذجان.

بلقيس: أكيد، ولن نفكر مثلك مهما حدث. ما تريده ليس هنا. هنا خراب وموت وأطلال.(تحاول الخروج، وتدفعه وهو يحاول اعتراض طريقها) ابتعد أيها الخسيس.تبتعد.

الصحفي: (يناولها شيكا) خذي.

بلقيس: ما هذا؟

الصحفي: شيك على بياض. ضعي الرقم الذي تريدينه.

بلقيس: مقابل؟

الصحفي: العمل معي كمديرة تحرير في عقد مفتوح ومريح. وعقد قراننا.

بلقيس: ماذا؟ أتطلب الزواج مني في هذه الظروف؟ يا خسيس.

الصحفي: الحلال ألا تحبين الحلال؟

بلقيس: ونوح؟ أتريدني أن أبيعه بدراهم معدودة؟ وزوجتك؟ وأبنائك؟ لا خير فيك صدقني. ابتعد عني.

(تخرج. ويجلس الصحفي القرفصاء على الركام وهو يتفحص هاتفه. يدخل الفوتوغرافي الذي يلتقط الصور في خشوع تام).

الصحفي: مرحبا، أنت هنا؟

الفوتوغرافي: أنت هنا؟ يا للعجب. كما وصلت وصلت الفرق في الهدف.

الصحفي: لكن هذه المرة أنت تحتاجني فلا تعاند. لنضع أيدينا في أيدي بعض ولننقل للناس وجبة طرية من السبق الصحفي المشوق.

الفوتوغرافي: بل قل وجبة التفاهة وما يليها من سلاطة العدم. لا تضيع وقتك معي كما تفعله مع الفتاة.

الصحفي: أكنت تسمع؟ أليس عيبا؟

الفوتوغرافي: نحن في الخلاء يا هذا والأرض أخرجت أثقالها. لا نحتاج للإنصات. الصوت يصل صداه في ظل هذا الفراغ الشامل.

الصحفي: إذن ساعدني على اقناعهما لكي نستفيد جميعا.

الفوتوغرافي:لن يستفيد غيرك فلست الشخص المناسب لمساعدتك. عملنا مختلف. ومبدأنا لن يتقارب مهما حصل.

الصحفي: ستضطرني لنشر ماضيك النتن؟ أمام الملأ.

الفوتوغرافي: لا أخجل من حياتي فأعلى ما في خيلك اركبه. أسلوبك رخيص مثلك. لا تحاول كما حاولت في كل مناسبة لم يتغير شيء.

(يدخل نوح وبلقيس).

نوح: ماذا تريد منه؟

بلقيس: يريد السبق الأصفر.

الفوتوغرافي: أهلا بكما.

الصحفي: هذا المصور الذي سيدعم قصتكما. وننطلق إلى باب النجومية والمال والأعمال بصفر درهم.

الفوتوغرافي: ماذا تقول يا هذا، لن أدعمك. وأنا هنا لنقل قصصا إنسانية لو اقتنع رواتها. لن أعمل معك قلت لك.

نوح: سبحان الله. الفرق شائع بين صحفي محترم وصحفي إلا رُبع..ونحن كما وعدناك سنحكي لك قصتنا. لقد تعلمنا الدرس، ولازال في هذه الحياة ما يستحق العيش. ومبارك صورتك التي نشرت في كل العالم.

الفوتوغرافي: شكرا لكما. سأدون المسودة وأرسلها لكما لتوافقا أو ترفضا. لن أنشر رغما عنكما. من حق القارئ أن يعرف  الحقيقة ومن حقكما أن ترفضا. أما التصوير سيكون طبيعيا قد نبدأه من اللحظة وبدون سابق إنذار.

الصحفي: إذن نجحت في اختطاف الخبر يا لعين ولن أسمح لك. يقترب يدفعه. سأقاضيك أمام القضاء لن تسلم من فعلتك يا سارق الحصريات. (يحمل هاتفه ويخرج)

(موسيقى بيانو متصاعدة وعنيفة).

 

هوى سادس:

(بمسجد القرية، يحكي نوح وبلقيس قصتهما ميما على صوت موسيقى مناسبة. الصحفي يطل من بين الأنقاض وهو يوجه هاتفه لهم. موسيقى بيانو قربهما، والرسام قرب المحراب).

الفوتوغرافي: سبحان الله تفاصيل دقيقة غيرت مجرى حياة كاملة.

بلقيس: نعم، كما لو الأمر كتب بسيناريو مشوق.

نوح: لكننا سعداء الآن ومفعمين بالحياة والأمل.

الفوتوغرافي: ما أحب في سرد القصص والحكايات هي حالة التطهير والبوح الجميل الذي يعالج أكثر وبشكل عفوي النفوس الكئيبة.

(موسيقى بيانو تتصاعد. ويكتمل المشهد الميمي على وقع اقتراب الرسام من لوحته).

 

هوى أخير:

(منزل رمم بشكل فني. يجلس نوح بالقرب من بلقيس و معهما الفوتوغرافي لاحتساء الشاي على وقع موسيقى هادئة).

نوح: سبحان الله الكوارث تعلم البشر الكثير ويمكن أن تغير موقفهم من الحياة بسهولة وبشكل كامل.

بلقيس: فعلا كنا في حالة يأس نكره الحياة ونكره أنفسنا. ما أحلى الحياة.

نوح: لعل الهزة الثانية أفاقتنا من سباتنا.

بلقيس: ولعل حضورك ساهم في أن نرى أنفسنا في المرآة. شكرا لك، ولا خوف على وطننا مادام ينجب أمثالك.

الفوتوغرافي: لا الشكر لكما لأنكما فتحتما قلبكما لي ليتعرف العالم على قصتكم.

نوح: ما أن نشرت حكايتنا حتى تهافت المساعدات والقوى الداعمة بين عشية وضحاها.

بلقيس: لولا لما تعاطف معنا العالم. طريقة سردك ساعدتنا. تحتاج للشكر وأكثر. كنت سأموت مرتان لكنني نجوت وكم أنا ممتنة على البقاء على قيد الحياة. سأحقق أحلامي ونعيش معا هنا في أرضنا التي نحبها.

الفوتوغرافي: لا شكر المهم أنني أنقذتكما من يأسكما. ومكتوب لكما الاستمرار في هذه الدنيا لسبب لا نعلمه حاليا. يقف مودعا. إلى لقاء قريب وشكرا لكما وحظ موفق لكما.

بلقيس: شكرا وموفق وسوف نلتقي.

(يخرج الفوتوغرافي وينهمك نوح وبلقيس في عمل دؤوب لتنقية وإصلاح المكان على وقع موسيقى سمفونية. يقترب الجميع من الرسام ولوحته ويشارك الجميع في عملية تقنية المكان)

إظــــــلام.

 

 

* عزيز ريان شفشاون / المغرب

 

Related Articles

Back to top button