انا وحدي من رأى الخطيئة ! (هاملت في المدينة)/ د. عبد الكريم سلمان

تأليف: منير راضي
تمثيل: جاسم محمد
إخراج: دكتور عبد الرضا جاسم
زمن العرض: 6-7-8/ آب 2025م
سينوغرافيا العرض/ مدير الإنتاج : سهيل البياتي
توليف وتنفيذ الموسيقى : حسين زنكنة
تنفيذ الإضاءة: ياسر فاضل
الإدارة المسرحية: رسول إياد
تجاوز شكسبير قانون الوحدات الثلاثة التي وضعها أرسطو والتي اعتبرها أساساً في كتابة النص المسرحي وتلك هي وحدة الفعل ووحدة الزمان ثم وحدة المكان أي يجب أن يكون الفعل الحدث، في فعل واحد وعدم التعدد الى احداث غير الفعل الرئيسي أما بالنسبة للزمان فيجب أن تكون الأحداث خلال (24) ساعة وكذلك مكان حدوث الفعل يجب أن يكون مكان واحد.
“… في رؤى تولستوي في رواية (الحرب والسلام) فضلاً عن ارتباط النص الشكسبيري بالثورة على التقاليد الكلاسيكية الارسطية وذلك عبر قراءة (الروائي ستندل) وهو يفاضل بين (راسين وشكسبير) كما كتب (فكتور هيجو) أن عبقرية شكسبير تتجلى في كسر عمود (ارسطو) (1).
ورغم كل هذا نجد أن شكسبير ظل يستعير من الأساطير القديمة لتاريخ الإنسانية وطبعها في نصوصه التراجيدي كما فعل ذلك في ماكبث والساحرات والشبح في هاملت هذا غير أن شكسبير كان يقتبس الحكاية أو المأساة كفكرة أو حدث ويضع عليها صبغة زمانه واللغة الشعرية بالإضافة والحذف وتشظي خطوط الاحداث التي تشتغل لرفد الحدث الرئيسي في مدونات تراجيدياته الأخيرة.
“أما هاملت فربما أخذها شكسبير عن مسرحية ثأر قديمة، وتأثر فيها (بأورستية اسخيلوس)، ولكنه طبعها بطابعهِ وجعل من أمير الدنمارك انساناً لكل زمان ومكان وكان نجاحها سريعاً وساحقاً.. فقد تتغير مكانة غيرها من التراجيديات تبعاً لتغيرات الذوق والمودة في كل عصر إلا هاملت”(2).
ونحن مازلنا نعرف الكثير من مصادر مسرحية هاملت من أين جاءت الفكرة ومن تناول كتابة نصوص لها كثير الشبهة بنص هاملت شكسبير.
“هناك احتمال كبير أن موضعها مأخوذة عن مؤلف للشاعر (بيلفورست) وعن قصة قديمة عن (تاريخ الدنمارك) مكتوبة باللاتينية الذي ألفه المؤرخ الدنيماركي (ساكسو غرامانيكسو) في القرن الثاني عشر.. وهناك تشابه كبير بين مسرحية (توماس كيد ومسرحية هاملت).. ويثبت تاريخ تسجيل المسرحية بعام 1602 باعتبار تاريخ تسجيل النص رسمياً”(3).
– ان نص الكاتب المجدد (منير راضي) قد اقترب أكثر من موضوعة نص مسرحية هاملت حيث ركز على الثيمة الزمكانية الدائمية في كل زمان ومكان وفي رأس أي انسان يوسوس لهُ شيطان السلطة أو المال وأي امرأة أو زوجة يتلوث عقلها بسموم الخيانة غير مبالية لما تؤول لهُ أمور العائلة التي تنتمي لها سواء كانت تمتلك السلطة أو غيرها. المهم لديها الاستعداد للقيام بأي عمل (خيانة) لحب الذات أو لأسباب أخرى ضاغطة قد تختفي باختفاء الفعل الآثم الذي تسعى إليه – ونرى أن المؤلف الراضي قد اختصر العرض بحدث واحد مركزي مهم تتجمع فيه كل ذلك أعلاه (خيانة – سلطة – قتل.. الخ) مما جعل كل ذلك وأكثر وضغطها المؤلف المبدع منير راضي في أن يبدا عرضه من حيث انتهى النص الشكبيري، باحثاً المؤلف في هذا الزمن الآن وبعد مرور أكثر من أربعة قرون ونصف فيجعل من نصهِ زبدة المعاناة والصراعات واشتباك المؤامرات والحب الضائع المنتحر فجعل الانتقام والعدل هو السبيل الوحيد لتعويض الصراع النفسي الذي أسر قلبه وعقله.
“هناك من يقول أن المسرحية مثلت عام 1601، ومن المعروف أن موضوعة المسرحية تدور حول فكرة (عدالة الانتقام) وهي فكرة اعتمدها الكاتب الاغريقي (اسخيلوس) في ثلاثية (الاورستيا) والتي كان لها تأثيرها على مسرحية كيد”(4).
ان مدونة المؤلف في القرن الحادي والعشرون (هاملت في المدينة) يؤسس الى نقطة انطلاق لما هو بعد وقوع الجريمة والخيانة والمؤامرة وأسس لنصه محكمة فردية يقودها هاملت بعد ان طبع فيها طبعة اللامعقول والعبث الذي يجعل من الصفات التي اتهم فيها هاملت الأمير تلك وهي الجنون والعزلة ونوى العشق لحبيبته أوفيليا التي انتحرت أو بالأحرى دفعها الآخرون لليأس وتوقف باقي سعادتها وأمل هاملت في احياء صبرهِ وتريثه.. وهنا فعلاً تحقق اللامعقول انتقام عادل حتى أسس لنفسه محكمة وعدة العذاب الإلهي في الحياة الدنيا.
انها صورة متميزة بالغة الشعور بالعبث صورة يرى الانسان فيها ذاته وأفعاله وما عملت يديه في حياتهِ.. ان هاملت في المدينة رغم ادانة البشرية والإنسانية كل الأفعال فالجرائم التي أقدمت عليها كتيبة شخصيات شكسبير بداية من العم القاتل ومغتصب العرش وخيانة الأم الملكة وجعلت من سرير الملك المغدور مخدعاً للدنس الشقي الذي تفوح منهُ رائحة قمة المؤامرات فالذي لم يعرفه الجميع أصبح واضحاً بالخطوة الأخيرة والتي كانت محاولة للخلاص من الأمير (هاملت) ولكن الله لا يخفى عليه غزل منقطع ولونه أسود ظاهر وسط بحر من وفر الثلج في المدينة آنذاك الدنمارك.
كل هذا وما خفي كان أعظم بأن المؤلف (منير راضي) كتب نصه وهو يعرف عذاب الرب لهؤلاء أنصاف البشر وكل ذلك الغضب الكامن عند الأمير الفتى هاملت كلما ضاق صدره يبعث بزفيره الساخن ويشعل الجحيم في قفص الانتقام العادل.
المعالجات الإخراجية لمسرحية هاملت:
أولاً: عرض الفنان الأستاذ (حميد محمد جواد)
وقد قدم هذه المعالجة في عرضين، العرض الأول في عام (1967) وعلى مسرح معهد الفنون الجميلة (الحالي قسم الفنون المسرحية) وكان الكادر الذي قدم العرض هم طلبة معهد الفنون الجميلة في حينها.
“ان بعض السمات التقليدية ظلت سائدة ولاسيما ما يتعلق بمنصة العرض التي استخدمها والتي كانت تقترب في شكلها من منصة العرض الاليزابيثي حيث مد لساناً خشبياً يبدأ من خشبة المسرح الى داخل الصالة وقدم العديد من المشاهد على ذلك اللسان”(5). والعرض الثاني في عام 1982 على مسرح صغير في كلية الفنون الجميلة.
ويذكر أن مخرج العمل (حميد محمد جواد) هو الذي قام بتصميم الديكور وقام المخرج أيضاً نفسه بتمثيل دور هاملت حيث لم يتلائم بين ذاته الشخصية وشخصية هاملت الفتى، مما أدى الى عدم مقدرته بعامل الاقتناع.
“لم يحاول (حميد محمد جواد) تأكيد العنصر العربي الذي أورده شكسبير في نصه ألا وهو (رقصة الفرس) المقتبسة عن الفلكلور العربي حيث انه لم يضع في ذهنه مثل هذا الأمر بل كان يفكر كثيراً في الصفات الأوربية التي تهيمن على الشكل والأسلوب وان يظهر (هاملت) متمرداً على واقعه كصدى لتمرد المخرج على الواقع العربي”(6).
رغم انه أراد التجديد في العرضين إلا أنه لم يستطع أن يغير أو يقدم ما يجعله متغايراً أو مؤلفاً جديداً للنص مع انه اختزل الكثير من النص الأصلي وقام بتغيرات وحذف مشاهد عديدة.. سوى انه كان كل جهده الخاص الاهتمام بالاضاءة واستخدام الدلالات الرمزية للون أكثر من الكشف عن الشكل والإظهار.
ثانياً: صلاح القصب 1980
يعد نص هاملت النص الأول عالمياً وأفضل ما أنتجه شكسبير من التراجيديات.
لقد عمد المخرج صلاح القصب ان يقدم هذا النص بداية من خارج الصالة ثم الوصول الى خشبة المسرح.. وكأنه طقس افريقي أسود فاحم اللون (الجدران).
“رسوم فقط لا تنحدر عن مرجعية في صناعة الديكور.. يعد واحد من أجواء وعوامل كأنها جاءت من عقل استمنائي يصرع في جموح الخيال وانطلاقه تسقط في هوة سحيقة لا قرار فيها، تواشيح عمل السينوغرافيا مع التمرين المسرحي إذ كان التمرين مستمراً لا وقت محدد لهُ، الجميع في انذار من الصباح وحتى الصباح التالي”(7).
هكذا كان عرض القصب كونهُ يفعل ما يراهُ هو ذاته ومن يفهم تحاليل الصورة والتوجهات الموجودة في الصورة هي بالأساس مأخوذة من النص المعروف مسبقاً انه مجرد أن تقول هذه مسرحية هاملت فأن النخبة المسرحية يجب أن يعرفون جيداً جداً ماذا دار في هذا النص وماذا كانت العقدة وأين انتهت.
اذن نحن إزاء فنان حالم تجاوزه في حينها للتقليد أو النسخ أو إعادة القوالب الجاهزة وتحويلها الى صور بالإمكان ترتيبها عند النخبة لتكون نصاً صورياً كاملاً.
“ان أهم تمظهرات شكسبير عند صلاح القصب في مدونة هاملت أنهُ قرأها عبر ابتكار واكتشاف واستحضار اللاوعي والحلم وعناصر الشعر التي تعج بها المدونة لذا فانه يحذف كل ما يراه غير صالح لتكوين الصورة لأن منهج القصب في تأسيسه لمسرح الصورة قائم على إخضاع كل العناصر الجمالية بما فيها النص لهيمنة الصورة وقدرتها على البوح وتفجير المعنى”(8).
ثالثاً: سامي عبد الحميد (هاملت عربياً)
إني أرى أن شكسبير تكمن عبقريته واختياراته من الحكايات والأساطير ما يجعلهُ ويمكنه من إدامة واتساع الجمهور وذلك من خلال اختياره للشخصيات التي تروي أحداث أعماله (التراجيدية) حيث انه يجمع عدداً ليس بالقليل من صفات ومميزات الشخصية الرئيسية في عمله ثم يضع على شكل ووجه ذلك البطل القناع الذي سوف يبتز به جمهوره وعلى سبيل الذكر لا التعيين أننا ممكن أن نقرأ بعض المواصفات بين هاملت وعطيل والنصين هما لذات الكاتب شكسبير.
ومثال ذلك المقارنة بين صفات واختيار البطلين في نصي شكسبير في مسرحية عطيل ومسرحية هاملت.. ولو انقلب البطلين في العرض يكون عطيل هو شخصية هاملت في حين يكون هاملت هو شخصية عطيل لحدث ما يلي:
في نص عطيل لو كانت صفات هاملت هي الصفات الموجودة في مسرحية هاملت.. عند ذاك لم يقتل دزدمونه.. لأنهُ في بيئة تختلف عن صفات عطيل الذي هو بالأصل من بيئة عربية ذات صفات قبلية.
وان عطيل لو كانت شخصيته وصفاتها في نص مسرحية هاملت لكان أقدم على قتل عمه في أول مشهد بعد مشهد الشبح مع أبيه.
هنا تكمن اختيارات شكسبير التي يعد الآخر استقاها من التاريخ والأساطير والحكايات التي يجمع بين أحداثها ويصوغ منه.
“كانت مقاربة سامي عبد الحميد لمسرحية (هاملت) تختلف كل الاختلاف عمّا فعله (حميد محمد جواد) وذلك عندما أخرجها بعنوان (هاملت عربياً).. فقد حاول أن يعطي لشخصية هاملت سمات عربية استناداً الى الفرضية التي تقول: فيما لو ظهر شخص مثل هاملت في بلد عربي يقع على سواحل الخليج العربي حيث تسود أعراف المجتمع القبلي وفي زمن مقارب لزمان وقوع أحداث مسرحية شكسبير فماذا يحدث؟”(9).
رابعاً: هاملت الجديد للكاتب منير راضي
الزمان في نص (راضي) هو اليوم وليس قبل قرون والجنون هو الصواب الذي يريد هاملت أن يحققه في الانتقام من أعداءه (الملك القاتل عمه مع أمه الخائنة) وثأر (ابيه الملك) الحق الذي قُتل غدراً.
اذن نحن إزاء زمن جديد وبالضرورة يكون المكان أيضاً يتبعه مكان غير ذلك العصر.
هاملت: “كنت لا أكلم الفراغ بجنوني كما تزعمون لأن وحدي من رأى الخطيئة في تلك المحنة”(10).
لقد تمكن وببراعة الإمساك بخيط التجديد أن يدون لنا المؤلف (منير راضي) نصاً جديداً لا فيه غشاوة أو تناص أو حذف أو إضافة عما درجنا عليه من سنين في نص هاملت لشكسبير. من الواجد الواجب أن نقدر للكاتب الإنكليزي شكسبير أنه عبقري وشاعر يمسك جمهوره بعدد من العقد والمآسي وخاصة في هاملت التي جميع أفكارها وخيوطها من نصوص وحكايات وأساطير قد نوهنا عنها في مقدمة هذا البحث. إلا أنه كان كل هذا في زمن بعيد زمن الأشباح والساحرات والسيوف.. كل ذلك لا ينطلي على جمهور المسرح اليوم سواءً أنه ذكرى لابد أن نضع حكايات جديدة وان لامست الحقيقة القديمة إلا أنها لابد أن تكون بأسلوب وصياغة عصرية تواكب التغيير السريع فيما يحدث للكون من حولنا.
منير راضي بدأ كعادته نصهُ الحالي (هاملت في المدينة) من حيث انتهى شكسبير.. دون أن نعرف ماذا حدث بعد نهاية (ماكبث) ونهاية (الملك لير).
واليوم هو يفتح عيني (الأمير هاملت) ليرى اعداءه وحبيبته في عالم آخر حيث أجاز لهُ المؤلف حق الانتقام من القاتل والخائنة ووالد حبيبته (أوفيليا) انه (يولونيوس) كبير مستشاري الملك (كلوديوس).
هاملت: “يولونيوس أيها الواشي، أيها المتهافت على بلاط الملوك هاهي طفلتك الجميلة، يا من طعنتها خناجرك قبل أن يبتلعها الماء.. هل ترى الآن ثمن خيانتك؟”(11).
وبهذا النص يكون المؤلف قد هيأ كل عوامل الاحتمالات والتصرف المنطقي في كيفية الانتقام والعدل وتنفيذ العذاب على الخونة والمتآمرين والقتلة.. الخ في زمن (نحن هنا الآن).
وكانت هذه الفسحة الواسعة الكبيرة في نص المؤلف جواز الجديد ؟؟؟ على أن يستخدم مصمم السينوغرافيا للعرض الأستاذ والخبير في تصميم السينوغرافيا
(سهل البياتي) وبما يوافق أي أسلوب أو طبيعة حياتية للانتقام الذي يوفر للبطل هاملت.. ما يراه يناسب في العرض الحديث.
وكذلك مكان النص قدر الإمكان أن يسمح للمبدع (حسين زنكنة) أن يضع مجموعة من التوليفات التي تتوافق مع العرض.. فكان موفقاً حسب ما عُرف عنهُ في عروض عديدة سابقة.
(المعالجة الإخراجية) في مسرحية (هاملت في المدينة)
المخرج الدكتور عبد الرضا جاسم
“ينبغي أن يكون التأسيس الفكري في الإطار النظري لهُ علاقة وطيدة في تحليل العينة، لكي تخرج النتائج صحيحة.. القاعدة تقول: كلما كانت المقدمات صحيحة كانت النتائج صحيحة”(12).
ان فكرة المسرحية بالنص الجديد للمؤلف منير راضي تمتلك مقومات صحيحة كون أن الأحداث التي تجري في هاملت (شكسبير) هي معظمها اسطورية أو أحداث تمتلك الكثير من الخطوط الدرامية واشتباك المؤامرات التي تؤدي الى هلاك الجميع تقريباً.
هذا فضلاً عن أن النص الشكسبيري تصدى لهُ العديد من المخرجين دون تحديث او تغيير موقف أو مكتمل.. فجاءت فكرة المؤلف (منير راضي) لكتابة (هاملت في المدينة) من حيث نهاية نص شكسبير.. وهنا استفاد المخرج (عبد الرضا جاسم) من توظيف السينوغرافيا في الزمن الجديد (الآن) وإسقاط كل العقد الشكسبيرية في النص الجديد.. مثل (الخيانة، الانتقام، القتل، المؤامرة، الانتحار، موت هاملت.. الخ).
كل ذلك وفّر فكرة جديدة تقول ماذا حقق المخرج من النص الجديد مرة واحدة مع وجود كل تلك العقد.
– كانت الفكرة مكثفة ونص مفتوح أمام المخرج وباستطاعتهِ توظيف المكان الجديد (القفص الحديد) الذي يجمع جماجم أهم الرموز التي كانت تشغل فكر وسلوك (هاملت) بين الجنون المفتعل والانتقام العادل.
اذن الفكرة متوفرة وواضحة.
أما (العاطفة) التي هي واحدة من ثلاثية العرض فكانت متوفرة مسبقاً، كون أن الجمهور المتلقي بمجموعهِ كان من النخبة الذين عاصر بعضهم عروض وتجارب اشتغالات هاملت بنص شكسبير ويعرفون جيداً ماذا حدث وإن لم يحضروا تلك التجارب فأن النص الشكسبيري هو الشاغل الأهم لدى الكثير من أساتذة وطلبة المسرح ممن حضر عرض (هاملت في المدينة).
وهنا بالضرورة وجدنا بالفعل هناك تعاطف كبير بين حضور النخبة والجمهور بكل ما كان يفعله ويقولهُ هاملت على لسانهِ ولكن بنص المؤلف الجديد (منير راضي).
وهذان العاملان المتولدان من توفر الفكرة والعاطفة لدى المخرج كانت أفضل صياغة لتحقيق جمالية العرض.
“القيمة الجمالية في العرض المسرحي تتضمن توافر القيم الفكرية إضافة الى القيم العاطفية.. وهناك اتجاهان أساسيان يقيمان العمل الفني وهما.. الاتجاه (الذاتي) وهو ما أفرزته الصالة من انفعالات من الجمهور والاتجاه الآخر (انطباعي) وهو انطباع الموضوع على ذاكرة المتلقي”(13).
– ان المشغل الحديدي (القفص) الذي يعمل به هاملت بشكل شبه دائمي وهو يخرج من أحد الأبواب باتجاه ذلك المشغل قد جعل منهُ المخرج إحدى المهن الحاضرة في زمن اليوم تلك هي مهنة الحدادة التي تتوافر فيها عدة اللحام والقطع والأقنعة الحديدية.
وجعل من هاملت يتحرك داخل هذا المشغل وكأنه يحاكي قطع حديدية (جماجم) ويعالج بعض الأعمال معها وكأنهُ يمارس صناعة الأقنعة أو السيقان بين القطع والاضافة.
هذا فضلاً عن أن المخرج هو الآخر ليس بعيداً عن نص هاملت ومع من يتعامل فهو أستاذ في الإخراج المسرحي المخرج (عبد الرضا جاسم) وظف حركات ممثله وتوقفاته عند كل قناع أو شكل حديدي وكيف يتعامل معهُ.. فوضع قناع الملكة الخائنة على يمين الممثل عند الحوار الذي يدل على أفعالها في حين وضع قناع وهيكل الملك المقاتل على اليسار متقابلين وتصدر عنهم أصوات الآهات والتي تؤثر عليهم من شغل وفعل هاملت في الورشة التي عمل بها.
ولم يغفل المخرج عن مدى تعبير الممثل وهو يضع بين يديه دمية حبيبته (أوفيليا) حتى ينفجر فجأة وهو يسحب سلسلة من أعلى القفص الى أسفل الخشبة ليسقط قناع يمثل جمجمة والد (أوفيليا) (بلونيوس) وينقض عليه هاملت بقسوة وهو يذكره بما فعل من وشاية ومؤامرة أدت الى انتحار ابنته (أوفيليا) غرقاً.
الورشة، المصنع الصغير، القفص، ساحة الانتقام نسميها ما نشاء كانت وسط باحة المنتدى التجريبي ذلك المكان الذي جعل من المخرج يقود العرض بكفاءة عالية ومواظبة ارشاد الممثل اين ومتى يقف أو يجلس.. ومتى يصمت.
ولعبت الإضاءة كفاءة عالية في تحديد أمكنة السكون أو الحركة التي حددها المخرج خاصة وأن مكان العرض وليس الصالة صغير جداً محدد بثمانية أضلع جوانبه مشغولة بالأقنعة والعدد اليدوية التي استخدمها الممثل.
بين الموسيقى والاضاءة والقفص الورشة.. تألق الممثل (جاسم محمد) وكان تألقه أكثر اعجاباً بما قدمه سابقاً في مسرحية (لير يُحاكم القدر) لذات المؤلف المخرج (منير راضي) كانت حركة وصمت وجلوس الممثل محسوبة بدقة وذات معاني فكرية مدروسة.. فهو رغم كل ما فعلته الملكة (الأم) كان يخاطبها بشكل وصوت غير الذي يحاكي فيه الملك القاتل (عمهُ) وكان يحاكي (بولونيوس) والد (أوفيليا) بقوة أكثر وقسوة بعد أن أسقطه من أعلى القفص، ورشة التعذيب أو الانتقام.
استطاع الممثل (جاسم محمد) أن يصنع توليفة شبه صعبة بين ثلاثة أعداء احكم عليهم الورشة وهو يعاود اشتغالاته معهم يومياً (التعذيب والتوبيخ) وكأنهُ يفتتح مشغل حدادة تعود على زيارتهِ يومياً..، وهناك وفي نهاية العرض فاجئنا المؤلف والمخرج والممثل بشخصية (هوراشيو) وهو يدور حول القفص الحديدي ثم يدخل ليرحب بهِ هاملت (الممثل الوحيد) وهو يقول:
هاملت: علينا الآن تدوير الحكاية من جديد في قلب عبارة “أكون أو لا أكون”.
** الهوامش
(1) قاسم حسين الصالح، الإبداع في الفن، العراق، بغداد، دار الرشيد للنشر، طبع 1981م، ص133.
(2) ينظر: فاطمة موسى، وليم شكسبير شاعر المسرح، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، المكتبة الثقافية، العدد 219، ابريل، سنة 1969 ، ص67.
(3) Wright, I bid, p.732.
(4) عثمان أحمد، المصادر الكلاسيكية لمسرح شكسبير، عالم الفكر، العدد 3، الكويت، وزارة الاعلام، سنة 1981، ص191.
(5) سامي عبد الحميد، العرب في مسرح شكسبير، دراسة مقارنة للمقاربتين النصية والاخراجية، بيروت – لبنان، 2011، مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي، ص169.
(6) سامي عبد الحميد، نفس المصدر السابق، ص170.
(7) شفيق المهدي، هكذا فسرت خلود القصب، مجلة الخشبة، بغداد، العراق، العدد الأول، 2013، ص74.
(8) شاكر عبد العظيم جعفر، حسن كاظم خضير، الخطاب الشكسبيري وتمظهراته في النص المسرحي العراقي، مجلة جامعة بابل، العدد9، بحث منشور، ص186.
(9) سامي عبد الحميد، العرب في مسرح شكسبير، مصدر سابق، ص170-171.
(10) نص منير راضي، هاملت في المدينة، ص2.
(11) نص منير راضي، المصدر السابق، ص8.
(12) حسين التكمه چي، محاضرة في الدراسات العليا/ الدكتوراه، إخراج مسرحي، 10/6/2011، ص1.
(13) حسين التكمه چي، محاضرة في الدراسات العليا/ الدكتوراه، إخراج مسرحي، 10/6/2011، ص2.



