نص مسرحية:” توبة” / عباس منعثر
المكان (سحريّ للغاية تنتفي فيه قوانين الفيزياء.. ولا يسع الخيال أن يصفه..)
الزمان (لا ملامح للزمن)
وصف ( يستطيع الكائن (هو) الطيران والاختفاء، يمكن أن يوجد في أكثر من مكان في اللّحظة نفسها، وأن يتكلم وهو صامت أو يتخذ ألف شكل وشكل وألف وضع ووضع..)
هو: أمامي لحظاتٌ، لحظاتٌ فقط .. أعواني سيحضرون.. وعليّ – قبلَ ذلك- أنْ أحزمَ أمري. كم هو محرجٌ هذا الموقف! (يكور نفسه) ضعِ الكائناتِ جميعاً في أقسى اختبارٍ وسيكونُ هيناً، بسيطاً إذا ما قورنَ بالاختبارِ الذّي وضِعتُ فيه. (ينقسم إلى سبعة) مشكلتي أنني ( السبعة في صوت واحد) أنا الشّيطان (تتقاطع الكائنات السّبعة) يُرعبني أسمي. أخافُهُ أحيانا، أخشى إغواءه.. يُخيّل لي أنني مرعب، رهيب، مخيف، بألف مرّة مما ترسمُني المخيلة (وكأنهُ في سيرك) أقدِرُ أن أطيرَ، أن اختفي، أن ألجَ أبعد الأمكنةِ وأكثرِها صعوبة.. أملكُ مفاتيحَ المغلقِ والعَصي (يتحول إلى مثلث ضخم) أنا مطواع، شفّاف، زَلِق.. مثلَ رعشةٍ في نشوة، مثلَ وخزةِ فكرةٍ خاطفة (ينحني ظهره وتتباعد ساقاه) قمتُ بملايين الإغواءات، حرّفتُ بلايينَ الطّرق، وارتكبتُ ملياراتِ المعاصي.. لكنّني قد أُضْحي ذكرى تنساها الذّاكرة إنْ أخطأتُ الاختيار (يتبدل قناع وجهه بسرعة لآلاف المرّات) لستُ أخافُ على الإنسان، أظنّهُ يعرفُ كيفَ يَصيرُ شيطاناً وهو مرتاح الضّمير.. أنا خائفٌ على نفسي! بنو آدم يقومونَ بالمطلوبِ من غيرٍ حاجةٍ إليّ.. هاكم الحروب، أَلَمْ تهلِكْ ملايينَ الضّحايا؟ هاكم القتل، ألا ينتشرُ كالهواءِ ولأتفهِ الأسباب؟ هاكم الجشع، أَلَمْ يهدِمْ نفوساً وأحلاماً وبيوتْ؟ هاكم الكذب، أليسَ أكثر انتشاراً من الهواء؟! الرّجلُ يكذبُ على المرأة، والمرأةُ على الرّجل؟! الزّوجُ يخادعُ الزّوجةَ وهي تفعلُ مثلَه.. الصّديقُ يغدرُ، الحبيبُ يخونُ، الجارُ يسرِقُ، الصّالحُ يحقدُ والعفيفُ يزني.. وها هو شيطانٌ من لحمٍ ودمٍ يقبعُ في الأرواح، ويتوارى في الزّوايا (ينطرح على أرجوحة هوائية) كنتُ مرتاحاً .. في المائة سنة الماضية قضيتُ الكثيرَ من الإجازاتِ وأبليتُ وقتي في الاستجمام (يأخذ شكل أفعى) آه! آه! آه! (يأخذ شكل تفاحة) المشكلةُ.. المشكلةُ أنّ اللّه لم يتركْني في حالي، بل أرسلَ إليّ قائلاً ” سأتوبُ عليك، إنْ توقفتَ عن أعمالِك!!! ” يقبلُ توبتي؟ أتوّقفُ عن أعمالي؟ يعني أن أكفَّ عن كوني شيطاناً.. وأعودَ رئيساً على الجان .. سيُسامحني؟! (تظهر سلاسل كبيرة مشدودة إلى رؤوس حديدية ضخمة) في الحياة، من يرفضُ وظيفةً كهذه؟ من يرفضُ أن يكونَ رئيسا؟! يأمرُ فيُطاع.. لهُ مكانةٌ سامقةٌ محترمة.. من يرفض؟! (يجلس على عرش كبير وعالٍ جدا) غيرَ أنني رئيسٌ أيضاً.. أنا كبيرُ الأبالسة، وكبيرُ الشّياطين.. فرّختُ ما لا يُحصى من الأبناء، وهم طوعُ بناني.. قبل إصدارِ الأمرِ أجدُهُ قد نُفّذَ بدقةٍ متناهية.. أنا الرّب بالنسبة إلى أتباعي. فأيهما أفضل لي.. موقعي الآن.. أمْ ما يُغريني اللّهُ أنْ أكونَه؟! (تظهر له نظارتان قطرهما ألف متر) إذا رجعتُ رئيساً للجان، ستُعادُ القيودُ نفسُها. سأفعلُ الخيرَ فقط، وستكونُ مجرّد وظيفة.. أجلسُ صباحاً وأتعبّدُ ثم أتعبّدُ ثم أتعبّد.. إلى لا ما نهاية.. يا لها من مهنةٍ ليسَ فيها إبداع! سأتحرّكُ كآلة.. الأشياءُ مرسومةٌ بدقةٍ من قِبَلِ عليمٍ خبير.. ولن يكونَ دوري إلا كدولابٍ في ساعة أدورُ أدورُ أدور(يتحول إلى ماء ملون ينزل من غيمة بيضاء) أما أنا الآن.. فحرّ.. لا يوجدُ من يرسمُ الدّور سوى ما أريدُ أنا أنْ أمثلّه.. أنا.. أنا صانعُ ذاتي.. مساحةُ فعلي البشر.. وسلطاني لا يُحدّ.. حتى إنْ استرحتُ قليلاً فهي استراحةُ محارب.. لأنني أعودُ أكثرَ رغبةً وعنفوانا.. وكلّما تعقدت الحياة، أصبحَ دوري أكثرَ أثراً وأهمية (يتحول إلى قطعة قماش بيضاء) يريدُ اللّهُ أن يتوبَ علي.. لا بأس .. هل أُريدُ حقّاً أن أتوب؟! لي في كلّ لحظةٍ حكاية، أستمعُ في كلّ ثانيةٍ إلى قصّةٍ مثيرة.. ديمومتي تنهلُ من حبِّ الفضول.. ما ترى يفعلُ هذا؟ بماذا تفكّرُ تلك؟ ما هيَ مصيبةٌ هؤلاء، والى أينَ يسوقُ القدرُ أولئك. يومي مفعمٌ بالجديدِ، ولا مثيلَ له! (يتحول إلى أنف عملاق) ثمَّ .. كرامتي .. كرامتي (يصبح حمارا ملونا) أبعدَ أنْ طردَني وأهانني.. وسلبَني حقّي.. ها هو يندمُ ويطلبُ الصّلح.. ألمْ يصبَّ اللعنةَ على رأسي.. ألمْ يرسمْ موعداً نهائياً لبقائي.. لماذا غيّرَ من فكرتِهِ؟! وهل مسامحتُهُ لي تُلغي تلكَ الإهانةَ الأولى حينما طردَني من الجنّة.. هل أعدّهُ انتصاراً لي أن أعودَ إلى الجنّةِ أم ذلّاً جديداً! (يصبح عدة طيور ترفرف وتسقط على الأرض ميتة) وهل أنا قادرٌ أن أعودَ كما كنت؟ أبعدَ بحارِ الدّمِ والخرابِ والتحطيم؟! هل أستطيعُ الرجوعَ ملاكا؟! الإثم سيعذبُني.. وستظلُّ وجوهُ الضّحايا تُطاردُني وتعذّبُ ضميري إن صحا!! أيكونُ ما فعلتُهُ لقرون هباءً؟! كيفَ لي البقاء صادقاً مع نفسي وارتدي ثوبَ التّقوى وقد غرقتُ بالإثمِ حتى رأسي؟! (يتحوّل إلى ميزان مليء بالدم من كفتيه) ثمَّ أينَ العدالةُ في مسامحتي؟! إذا كانَ ما فعلتُ شيطانيّاً، فهل للشيطانِ من توبة؟! ما الحكمةُ إذن؟! لأنني كنتُ الشّر المطلق؛ يحقّ لي الانحناء للخيرِ المطلق؟! أيظلّ خيراً مطلقاً وهو يُصالحُ الشّرَّ المطلق؟! (تنمو له لحية طويلة بيضاء وشاربان أخضران) هل خشيتَ أن لا يبقى أحدٌ في صفّكَ؟! هل خذلكَ الصّالحون ولم يعدْ أحدٌ يؤمن بكَ أو يكاد؟! (يطلع له ذيل يلتف على رقبته) أم أنها خدعة.. فما أن أُعلنَ عن توبتي حتى ينفضَّ أعواني عنّي ويتركونني حيثُ لا تُقبل توبتي! فأكونُ قد خسرتُ الماضي والمستقبلَ معا! (يلتصق في السّقف وتخرج منه ريح شديد) لو كنتَ موظفاً.. وعصيتَ ربَّ العمل.. قلتَ له ” لا لن أفعلَ ما تأمرُني به”.. ثم طردَكَ من رحمتِهِ.. فَرُحْتَ توغلُ في العصيان.. فهل تنتظرُ منهُ أن يسامحَكَ أو يرقّيكَ أو يُعيدكَ إلى الوظيفةِ بِلا سبب.. إنكَ لم تندمْ، ولم تطلبْ الصّفحَ ولم تَعِدْ بأن لا تُكررُها ثانية؟! بالتأكيد: لا.(لوجهه يطلع ألف وجه، وكلها تتحدث في الوقت نفسه) ولو آمنا بالفنطازيا وفعلَ ربُّ العملِ ذلك.. هل تصدّقُه؟ ألا تُروادكَ الشّكوكُ وتظنُّ مؤامرةً تُحاكُ للايقاعِ بك؟ (من جسده يتشكل سلّم يرتفع ويرتفع) وما هو موقفي مع زبانيتي وأتباعي؟! لن يكونَ منظري أمامَهم لطيفا. بالتأكيد، سيخرجُ عن طوعي بعضُهم.. وسيشمتُ البعضُ الآخر ويثورُ عليّ أصحابُ النفوسِ الضعيفةِ حالما يهجسونَ ضَعفاً في موقفي.. لن يتبعني إلا الخلّص.. حينها سأرجعُ إلى مرتبةٍ دُنيا في سلّمِ الوجود.. سيَحتلُ صغار أتباعي مكاني، وأُرمى إلى الصفوفِ الخلفية! (ينهار مثل عجينة تصبح سائلاً ينتشر) لكنني لستُ سعيداً بدورِ الملعون.. ولا يُعجبني أن أغدو شمّاعةً لأخطائهم.. بي حنانٌ إلى الشّعورِ بالاطمئنان.. لستُ بقادرٍ على رؤيةِ عذاباتِ البشرِ الهائلة مع وَهَنِ أجسادِهم وطراوةِ أرواحِهم.. لا يُبهجُني اليائسُ حينَ يرمي بنفسِهِ إلى البحر، ولا الطّفلُ حينَ تشويهِ النّار، ولا العجوزُ تنتظرُ ابنَها الذّي لن يعود. (ينقسم إلى سبعة) أمامي عدّةُ ثوانٍ فقط..الثواني قططٌ وكلاب! نعم…لا. نعم أم لا؟ لا…نعم. لا أم نعم؟ (يلملم أجزاءه) يجب أن أقرر. قراري هو .. قراري هو. (دخول الشّياطين والأبالسة يحدث ضجيجا غريبا جدا يطغى على أي صوت مع ضباب شديد يعدم أية رؤية.. بينما الإضاءة تكشف ممثل دور الشّيطان وهو يخلع القناع. يتقدم إلى أعلى المسرح، ينحني للجمهور ويبتسم ابتسامة عريضة ماكرة)
نهايـــــة



