عزت العلايلى الذي يكرمه مهرجان دبي السينمائي هذا الأسبوع/ د. حسن عطية
ثقافة الفنان ووعيه تدعمان موهبته
ولد الطفل “عزت” أبن السيد “حسن أفندى العلايلى حسن” في الخامس عشر من سبتمبر عام 1934 ، وأن سجل تاريخ مولده في الثالث والعشرين من ذاك الشهر ، ربما لأن مصادفة موضوعية دفعت أهله لتسجيله في نفس اليوم الذي سجل فيه باليوم والشهر والسنة مولد النجمة الإيطالية الشهيرة “صوفيا لورين” والذي سيعجب بها أيما إعجاب عندما يكبر، وقد فضلت الأقدار للطفل “عزت” أن يهبط لحياتنا في درب الملاح بحي باب الشعرية، فبدأ يتلمس حياته في هذا الحي العتيق، منتقلا فيما بعد مع أسرته إلى الإسكندرية، ليعيش عدة سنوات بشارع الرصافة بحي (محرم بك)، حيث كانت تقع دائرة (سيف الدين باشا) التي كان يعمل بها والده موظفا للحسابات، وهناك بدأ يقرأ العالم من حوله، ويدرك قيمة الموظف القريب من أصحاب النفوذ، المتميز في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه بلقب (أفندي) ومرتب شهري ثابت لا يهتز بل يزيد سنويا .
غير أن الحرب المشتعلة على شاطئ الإسكندرية تعيده وأسرته إلى القاهرة، والى حي السيدة زينب المتاخم لحى باب الشعرية مسقط رأسه، وليسكن بمنطقة (بركة الفيل) الواقعة بين شعبية حي السيدة زينب وأرستقراطية حي (الحلمية الجديدة)، فيدرك حقيقة التفاوت الاجتماعي وأثره على الطبيعة الإنسانية السمحة، ويتطور وعى الفتى في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، ويتعلق بثورة يوليو كانتفاضة طليعية قادت الشعب نحو تحقيق أحلامه التي عبرت عنها أجيال ذاك الزمان، وقاده التمثيل بالمدرسة إلى القيام بدور صغير يهتف به ضمن الهاتفين ب “الجلاء التام أو الموت الزؤام” في مظاهرة ضد المحتل الإنجليزي بفيلم (يسقط الاستعمار) 1952 تأليف وإخراج وبطولة حسين صدقي، وأوصلته موهبته للالتحاق بالمعهد العالي للتمثيل العربي عام 1955 .
تخرج في المعهد، وخرج للحياة الفنية يبحث عن تحقيق وجوده في الحياة الفنية، فلم يجد له مكانا بفرقة المسرح القومي، فرقة الدولة الوحيدة في ذاك الوقت، فتوجه لفرقة “يوسف وهبي”، التي كان يعيد صاحبها تكوينها عام 1960 ، منتهزا ظهور التليفزيون وحاجته لمادة درامية جاهزة التكوين، غير أن الشاب المتحمس “عزت” تركها بعد شهرين فقط، عمل خلالهما في مسرحيتين هما (راسبوتين) و(الدفاع) بسبب هيمنة النجم صاحب الفرقة وديكتاتور التأليف والإخراج فيها “يوسف بك” .
عشق “العلايلي” القراءة، جنبا إلى جنب التمثيل، فراح ينكب علي الآداب والفنون الدرامية، ويزود عقله بالمعارف والأفكار المختلفة المنتشرة على صفحات الكتب والدوريات الصحفية ، وقد أثارته قصة للصحفي “محمد التابعي”، تماشت وقت ذاك مع التوجهات الثورية في المجتمع، وكانت تحمل عنوان (ثورة فلاح)، فقام بإعدادها باسم (ثورة قرية)، ناقلا فكرة الثورة من الفرد إلى الجماعة، وقدمتها فرقة (المسرح الحديث) من إخراج “حسين كمال”، وهو ما شجعه على مواصلة اقتحام عالم الكتابة، حيث قام بإعداد قصة “محمد عبد الحليم عبد الله” (بعد الغروب) مسرحيا، كما كتب مسرحية باسم (الطوفان)، وفيما بعد حلقات تليفزيونية باسم (أعرف عدوك) 22 حلقة دارت حول نشأة الحركة الصهيونية حتى 1936 .
** عروبية الأب:
كان المسرح في الستينيات متوهجا ومثيرا للقضايا الاجتماعية والفكرية، فأسس “عزت” وجوده في فضائه وتألق فيه، وشارك في تقديم أعمال “برتولت بريشت” مع المخرج “سعد أردش”، فبرز في عرض (الإنسان الطيب)، وشارك في بطولة مسرحيات (أتفرج يا سلام) لرشاد رشدي، و(بيجماليون) لبرنارد شو، و(في سبيل الحرية) عن القصة التي قيل أن “جمال عبد الناصر” قد كتبها وهو فتى بالمرحلة الثانوية، وأعدها للمسرح “عبد الرحمن فهمي”، وشارك كذلك في عرض (وطني عكا) للشاعر “عبد الرحمن الشرقاوي”، وامتدت مشاركته في المسرح خلال العقود الثلاثة التالية، فقدم (دماء على ملابس السهرة) للإسباني “أنطونيو بويرو باييخو”(عنوانها الأصلي القصة المزدوجة للدكتور بالمى) مع المخرج “نبيل منيب”، و(العمر لحظة) عن قصة يوسف السباعي، وإعداد مسرحي لسعد الدين وهبه، ثم (ملك الشحاتين) ف (أهلا يابكوات) مع حسين فهمي عن نص للينين الرملي وإخراج عصام السيد، ثم مع فاروق الفيشاوي في (وداعا يا بكوات) لنفس الكاتب والمخرج، كما قدم مع المسرح الخاص (أولادنا في لندن) للكاتب على سالم مع الفنانين المتحدين، و(الزواج تأديب وتهذيب وإصلاح) لمحمد شرشر، إخراج محمد أبو داود .
وخلال هذه الستينيات بدأ “العلايلى” يؤكد وجوده على شاشة التليفزيون، وراحت كاميرات السينما تناديه، فقدمه المخرج “صلاح أبو سيف” لأول مرة في دور صغير، هو دور الطبيب في مشهد يتيم بفيلم (رسالة من امرأة مجهولة ) للفنان فريد الأطرش عام 1962 ، ثم في سبعة أفلام تالية هي: بين القصرين، والجاسوس 1964 ، والرجل المجهول 1965 ، ومعسكر البنات 1967 ، وقنديل أم هاشم 1968 ثم السيد البلطي ، و3 وجوه للحب 1969 ، إلى أن جاءت فرصته الكبرى مع “يوسف شاهين” الذي قدمه في دور الفلاح المناضل “عبد الهادي” في فيلمه الشهير (الأرض)، فصار نجما له موقعه المتميز بين نجوم كانت الوسامة و(الدون جوانية) أبرز سماتهم، سواء من سبقوه مثل عمر الشريف وأحمد رمزى ورشدى أباظة، أو من جاءوا معه وبعده كنور الشريف وحسين فهمي.
آمن “العلايلى” بمقولة “جمال حمدان” المؤكدة على أن “مصر فرعونية الجد عربية الأب”، فصار عاشقا لمصريته، باحثا عن سماتها في أدواره وساعيا لتجسيد تلك السمات عبر الشخصيات الدرامية التي يجسدها، وهو يجدل هذه المصرية بروح قومية ترى في المصرية ركيزة حياة، وفى العروبة مجمل ثقافة، وترى أن الفنان المصري هو سفير بلاده للوطن العربي، لذا يجب أن يكون على قدر هذه المهمة، وهو ما دفعه للعمل في عدة أفلام عربية الإنتاج والإخراج، بغض النظر عن نجاحها النقدي والجماهيري أو عدمه، وهى السوري (عملية فدائية) واللبناني (بيروت يا بيروت) والعراقي (القادسية) والمغربي (سأكتب اسمك على الرمال) والجزائري (طاحونة السيد فابر)، وأيضا الفيلم اللبناني (ذئاب لا تأكل اللحم) والذي أثار ضجة كبرى وقتذاك حول مشاهده الفاضحة.
** الصدق والمعايشة:
تعلم “العلايلي” من أستاذه بالمعهد “فتوح نشاطي” ضرورة الاهتمام بالدراسة الدقيقة للبناء الدرامي والتاريخي والنفسي للنص، وتعلم من “عبد الرحيم الزرقاني” ارتباط المسرح بالقضايا الإنسانية للجماهير، كما تعلم من “نبيل الألفي” أن الالتزام السياسي لا يلغى إضفاء الشاعرية على واقعية العمل الفني، وأخضع كل هذا داخل فهمه لمنهج ستانسلافسكى الذي يرتكز على ركيزتين أساسيتين هما : النص الدرامي والممثل بصفته المسئول الأول عن نقل المحتوى الدلالي لهذا النص الدرامي إلى الجمهور عبر عرض مسرحي تصنعه عقول أخرى، ويقود إيقاعه داخل رؤية كلية مخرج واع بقيمة المسرح وفاعليته بالنسبة لجمهوره، غير أن أهم ما يميز أسلوب “عزت العلايلى” التمثيلي، والمعتمد على منهج ستانسلافسكى هو فكرة (لصدق) في التعبير عن الشخصية التي يقوم بها، معمقا الصدق في رسم التفاصيل الخارجية للشخصية من ملبس وحركة وارتعاشة صوت، بصدق داخلي يتأسس على نظرية التقمص أو الاندماج، والتي تعنى حلول الشخصية الفنية المفترضة محل شخصية “العلايلى” الحقيقية، بل وعلى قدرة هذه الشخصية المفترضة على نفى وجود الشخصية الحقيقية من فضاء المسرح وكواليسه، أو من أمام عيون الكاميرا، وذلك عبر سلسلة من التدريبات النفسية والجسدية، ومن ثم يشعر “العلايلى” أمام كل دور يقوم به أنه يمر باختيار جديد، ويواجه تحديا لذاته ولفكره، فلابد من أن يكون يقظا بالإحساس بمجتمعه وقضاياه، ومعبرا عنه، وهناك تواصل مستمر بينه ومجتمعه، وأن يعايش كل فئات المجتمع حتى يقدم الشخصية كما أختبرها وعرفها عن قرب، وليس من خلال تصور نظري عنها أو نتيجة لاستلهامها من أعمال فنية سابقة، فالبداية دائما تبدأ من الواقع، والاحتكاك بالخبرات واجب، مع التواضع أمام المعلومة، فضلا عن إيمانه بفكرة (المعايشة) حيث يحب دائما أن يعايش الشخصية التي يقوم بها بداية من مرحلة إبداعها على يد المؤلف، مرورا بعملية صياغتها في صورة مرئية سمعية مع بقية الممثلين أثناء الإخراج، وصولا لتجسيدها بالحركة والصوت بفضاء المسرح أو داخل البلاتوه، فمنذ اللحظة الأولى لموافقته على تجسيد شخصية ما، يبدأ في البحث عن تفاصيلها الإنسانية الصغيرة، ويرجع لما يسميه ستانسلافسكى بالذاكرة الانفعالية للممثل التي يختزن فيها مشاهداته وخبراته وتجاربه الحياتية .
بهذا الوعي بفاعلية الدور الذي يلعبه “العلايلى” في الفنون المرئية، وإدراكا منه بالعلاقة التفاعلية بين الفن والمجتمع، يفضل دائما اختيار شخصية المواطن المصري بسماته الأصيلة، فهو لا يهوى تقديم الشخصيات الأجنبية، حيث يرى أنها لا تتفق وتفاصيل وجهه المصري، ولا تقتنع مشاعره بقدرتها على تجسيدها، ولا يوافق عقله على أي قرار خارجي لتقديمها والتفاعل معها، وهو يعشق تقديم السمات النضالية في الشخصية المصرية، فضلا عن الشخصيات التاريخية والتي تتطلب منه دوما قدرا كبيرا من مراجعة المصادر التاريخية المتعلقة بالشخصية التي يجسدها، ليعيد تجميع سماتها (الواقعية) أمام نظره، مازجا إياها بالسمات الدرامية المتخلقة من خلال النص المسرحي أو السيناريو الذي تتبدى فيه هذه الشخصية في سياق فني خاص .
هو حقا نموذج للفنان الملتزم بقضايا مجتمعه، المؤمن بأن الموهبة وحدها لا تصنع فنانا مستمرا بالتأثير في الحياة، بل لابد من دعمها بالثقافة العميقة والوعي بدور الفن وسط أهله، ينحاز إليهم لأنه منهم وفنه موجه لعقولهم عبر أفئدتهم الحية .



