الفيلم المرشح لتمثيل الأردن في ترشيحات جائزة الاوسكار 2016 / رسمي محاسنة
فيلم”ذيب” علامة فارقة في مسيرة السينما الأردنية
بعد حضور عالمي ملفت للنظر، وجولة في عواصم المهرجانات من فينيسيا إلى القاهرة، إلى أبو ظبي إلى لندن، وكندا والهند وقرطاج، وغيرها، يعود فيلم ذيب للمخرج ناجي أبو نوار إلى عمان، بعد أن حقق نجاحا كبيرا تمثل في الجوائز، وفي السجاد الأحمر الذي مشى عليه أشخاص مغمورين لا يعرفهم أحد، ليكونوا إلى جانب نجوم العالم في مهرجان فينيسيا، ولتتسابق وسائل الإعلام العربية والعالمية لتكتب باحترام عن الفيلم وصانعيه، وكتابات نقدية متخصصة أشادت بالتجربة، إلى جانب الحضور الجماهيري الكبير في حدوده المتاحة بالمهرجانات، لدرجة أن مهرجان القاهرة السينما مدد العروض الجماهيرية بسبب الضغط على صالة العرض.
هذه حالة غير مسبوقة في السينما الأردنية، وهذا يشكل انجازا في مسيرة هذه السينما، حيث الحكاية المحلية، شديدة الخصوصية، تأخذ هذا البعد العالمي، وهذه الحالة الاستثنائية من التلقي عند الجمهور وعند النقاد والمهتمين، في معادلة ذهبية من الصعب أن يتم الجمع بينهما بشكل عام. وهذه دلالة هامة جدا إن تستطيع السينما الأردنية المزاحمة في المهرجانات والصالات، في فيلم ينتمي تماما للبيئة الأردنية بكل بساطتها وعفويتها وجماليتها، وفي حكاية بسيطة، وتنفيذ مبدع أعطى للمكان والشخصيات والحكاية أبعادا تنتمي إلى البيئة الصحراوية بكل قيمها وعاداتها وتفاصيل حياتها.
“ذيب” حكاية الطفل الجنوبي الذي خرج في مغامرة وسط الصحراء الأردنية ليلحق بشقيقه حسين ، ليدل الجندي الانجليزي على الطريق، وهما أبناء شيخ المنطقة المشهود له بالشجاعة والمرؤة والكرم، ولذلك تمت تلبية مساعدة الجندي الغريب، حيث الأجواء مع انطلاقة الثورة العربية الكبرى، والصدام مع الأتراك العثمانيين، والرحلة هي مغامرة حقيقية مفتوحة على احتمالات مواجهات مابين الأضداد، إلى جانب قطاع الطرق حيث كثير من أجزاء المنطقة خارج سيطرة القانون.
ورحلة”ذيب” هي رحلة نحو النضوج، بعد أن خرج الفتى ليواجه أهوال الصحراء، سواء بقسوة الطبيعة من حر وظمأ، أو قسوة الرجال الذين يجوبون أرجائها كل واحد له غايته، ويده على الزناد، فكان أن خرج ذيب من تجربة قاسية، لتكتمل رجولته في الوقت الذي خرج به الأتراك، ووضعت الثورة العربية أساسات للدولة الأردنية.
الأشعار البدوية التي تنتمي للصحراء، والأمثال حاضرة في الفيلم، ذلك أن هذا التراث الشفوي هو جزء من الذاكرة الجمعية، واحد مكونات الشخصية البدوية،و”ذيب” هو الذي سيلفحة حر الصحراء وبردها، وهو الذي سيكتوي بحسرة مقتل أخيه، والذي سيدفنه بيديه، ولاحقا مواجهة مع آخر رجال العصابة، إلى أن وصل للنهاية بعد أن قتل أحد قتلة أخيه، ليقف بعدها على مفترق طرق، لكن تكون شخصيته قد نضجت، واكتسبت الصلابة التي تؤهلها لحماية ذاتها والسير للأمام بثقة أكبر
ذلك أن الصحراء وكثبانها وكهوفها، كانت مسرح صراع، بين الشخصيات، تمت فيه تصفية الشقيق الأكبر حسين، والجندي الانجليزي، وكل أفراد العصابة ما عدا واحدا قتله ذيب أمام مركز الأمن العثماني.والصراع حول جهاز تفجير ألغام، يراد له أن يصل إلى المقاتلين في الثورة العربية الكبرى، ليقطعوا الطرق على العثمانيين والتفوق عليهم بهذه التقنية.
وإذا كانت المشاهد الأخيرة اللاهثة التي نفذها ابونوار، بعد وصول ذيب، وآخر رجال العصابة إلى المركز الأمني التركي، وما رافق ذلك من أحداث متسارعة انتهت بقتل ذيب للرجل انتقاما لشقيقه حسين، فإن مجمل الفيلم تم تصويره بمنظور جمالي، وتوظيف المكان، واستخراج مكنونات الصحراء من غموض وجمال، وإذا كان البعض يرى فيه ملامح من أفلام الكاوبوي، والساموراي، فإن اعتناء أبو نوار بتفاصيل البيئة أعطى للفيلم نكهة لها خصوصية الصحراء الأردنية، التي كانت واضحا أنها عنصر أساسي شكلت غواية للمخرج ولصانعيه لسبر غور هذه الصحراء، وملامسة مكنوناتها الجمالية في دلالات لها الخصوصية الأردنية.وبالرغم من الميزانية المحدودة للفيلم إلا أنه يستحضر مرحلة من تاريخ الأردن، وبدلا من أن تبقى الصحراء الأردنية جاذبة للمخرجين الأجانب فقط، فإن أبو نوار وبذكاء يدخل إلى حيث مفردات الجمال، ليتسلل إلى وجدان المتلقي بعمل قام ببطولته أشخاص لم يسبق لهم أن وقفوا أمام الكاميرا من أهل المنطقة، ورغم أنه لم يؤلف موسيقى خاصة للفيلم إلا أن هناك ثيمة موسيقية تعطي الإحساس بالمكان، وكذلك أداء الممثلين مع تفوق جاسر عيد وحسين سلامة وحسن مطلق، ويضعنا الفيلم أمام نهاية مفتوحة على التأويل عندما يقف الجمل بين قضبان سكة الحديد وقفة فيها الكثير من التحدي، ثم يتنحى جانبا، وتغلق الستارة.



