مأتم السيد الوالد.. مأتم السلطة / ياسر بن أسلم

قُدِّم عرض “مأتم السيد الوالد” ضمن الدورة السادسة عشر من مهرجان المسرح العربي، من تأليف وإخراج مهند هادي، وبأداء تمثيلي شارك فيه كل من باسم الطيب، مرتضى حبيب، إسراء رفعت، وريهام البياتي، وبحضور ضيف الشرف طارق هاشم.
عرضٌ يشتغل على بنية عائلية مغلقة، ومنذ اللحظة الأولى، يُدخل العرض الجمهور في قلب هذه العائلة، حين يجلس الممثلون أسفل المسرح كاسرين الجدار الرابع، ويحوّلون المتلقي من شاهد إلى فرد داخل البيت. عائلة صُنعت بإرادة الوالد منذ نطفتها الأولى، وقادها بوصفه السيّد الذي يحرّك أفرادها، ويعيد تشكيلهم، ويقرّر مصائرهم. سلطة غير مرئية، لكنها حاضرة ومتغيّرة طوال العرض، تفرض وجودها حتى بعد الوفاة، وتُبقي نفوذها ممتدًا في كل تفصيلة. نحن أمام مأتمٍ لا يشبه المآتم التي عرفناها سابقًا؛ مأتم تتكشّف فيه الحقائق، وتخرج الكلمات التي عاشت طويلًا من صدور أصحابها. إذ تتحرّك الشخصيات خارج صمتها المعتاد، وتبدأ لحظة انفلات مؤقتة من سجن داخلي ظلّ مغلقًا لسنوات.
في المشهد الافتتاحي، تدخل الشخصيات في حالة جمود شبه كامل. أجساد جالسة على الكراسي، نظرات ثابتة، وكأن الزمن توقّف عند لحظة واحدة. هذا الثبات لا يستمر على وتيرة واحدة؛ فمع حضور صوت الوالد، تنفلت حركات جسدية مفاجئة تكسر الجمود ثم تعود سريعًا إلى السكون، وتتزامن أحيانًا مع التفاتة حادّة نحو الباب، كأن السلطة الغائبة أو الحضور المنتظَر يملكان القدرة نفسها على استدعاء الجسد. حركة مشروطة، تستجيب لإيقاع تعلّمه الجسد طويلًا، وتؤكد أن الجسد ما زال خاضعًا لمنطقٍ تشكّل قبل غياب صاحبه.
يتكرّس هذا الخضوع في الأداء المبالغ فيه للحزن؛ حزن يُقدَّم بحدّة زائدة، وإيماءات مصنوعة بعناية، وكأن الشخصيات تؤدي واجبًا اجتماعيًا أكثر مما تعيش فقدًا حقيقيًا. في هذا التضخيم، تبدو العلاقة مع موت الوالد باردة، بعيدة، ومنزوعة من أثرها الطبيعي.
يتحوّل الوالد في هذا العرض إلى نظام يُنتِج الأشخاص قبل أن يمنحهم أسماءهم. منذ اللحظة الأولى، تُبنى العائلة وفق منطق الاختيار والوظيفة؛ أبناء يُستقدمون من دار أيتام ويُعاد تشكيلهم داخل مسار محدّد سلفًا. أحدهم يُوجَّه نحو التجارة، والآخر نحو الأمن، فتتوزّع الأدوار كما تتوزّع المهمات داخل بنية مغلقة. التعليم يصبح جزءًا من هذا التشكيل؛ القانون يُدرَس بوصفه أداة لتعديل الوقائع وتزوير التواقيع، والتجارة تدريبًا على الربح المجرّد، والأمن ممارسة للإغلاق الصامت وإنهاء الملفات. حتى الزواج يدخل ضمن هذا النسق، علاقة تُرتَّب وتُدار. ويُمنع الامتداد حين يُحاصر الحلم بالإنجاب، لأن الجذور تُربك سلطة تخشى ما سيأتي بعدها. وحين يظهر الحمل، يُستدعى القرار بالإجهاض، فيُعاد الجسد إلى موقعه الوظيفي داخل المنظومة. هكذا تتشكّل العائلة بوصفها بنية مُنتَجة، تتحرّك وفق منطق واحد، وتبقى خاضعة لإرادة صاغها السيد الوالد منذ البداية.

يستمر حضور الوالد بعد موته عبر الصورة والصوت، بوصفهما مادة محفوظة يُعاد استدعاؤها داخل المأتم. التسجيلات المعروضة على “الداتا شو” تعيد خطابًا صيغ في زمن سابق، وتضع الشخصيات أمام أثرٍ ما زال فاعلًا في حركتها وقراراتها. الصوت المسجَّل يظهر في لحظات التوتر، والصورة تُستحضر كلما احتاج البيت إلى مرجعية تعيد ترتيب الموقف. الماضي يتحوّل هنا إلى عنصر نشط داخل الحاضر، يُستخدم لتوجيه السلوك وتثبيت المنطق الذي صاغه الوالد للعائلة منذ بدايتها. وفي مواضع أخرى، يظهر الوالد كتمثال ورقي، قابل للتحريك، هشّ في مادته، ثقيل في رمزيته، يُستخدم أحيانًا لسرد حكايته مع أفراد العائلة، وأحيانًا لتكثيف حضوره داخل الفضاء. عبر هذه الصيغ المتعدّدة، يُعاد تشغيل إرث الوالد داخل البيت، وتبقى سلطته حاضرة بوصفها أثرًا يُستدعى ويُفعَّل في كل لحظة صراع.
تتقدّم الجريمة في هذا العرض كفعل مدار من قبل العائلة، نتاجًا لمسارٍ طويل من التراكم. الشك في سبب الوفاة يتسرّب بهدوء، ويتحوّل إلى صراع مكتوم حول تشريح الجثة، بين من يطالب بالحقيقة ومن يتمسّك بحرمة الميت. خلف هذا التوتر، تظهر طبقات أعمق من التواطؤ؛ سمّ يتسلّل ببطء، وقرار يُتَّخذ بصمت، ونهاية تُدار كما تُدار الملفات التي اعتادها هذا البيت. رجل الأمن يتعامل مع الموت بوصفه تنسيق خروج، ورجل التجارة يرى في الملف الذي أنهى حياة الوالد الامتداد نفسه الذي صاغ مساره في الحياة. البنات يواجهن الفراغ بشكّ لا يجد طريقه إلى الفعل، فتتوزّع المسؤولية على الجميع، وتذوب الجريمة داخل العائلة بوصفها نتيجة منطقية لمسار طويل من الطاعة والتنفيذ. هنا، لا يُبحث عن قاتل واحد، بل تنكشف شبكة كاملة من الأدوار التي جعلت الموت خطوة أخيرة في نظام أُحكم إغلاقه منذ البداية.
يتحوّل المأتم في العرض إلى زمن معلّق. الأيام تتتابع من دون أن يصل أحد، والبيت يبقى مفتوحًا على انتظار لا يُكافَأ بالحضور. الكراسي مصطفّة، والأنظار تتجه نحو الباب، ثم تعود إلى الجمهور. هذا الغياب المستمر يكشف هشاشة الصورة التي أُعدّت للحدث؛ صورة دُفع ثمنها مسبقًا، ليبدو الوالد في دفنه كما يليق أمام التجّار وأصحاب المصالح، بينما يُترك العزاء بلا جمهور. مع امتداد الانتظار، يتآكل الزمن، ويتحوّل اليوم الثاني إلى مساحة لا تنتهي، وتخفت الدهشة حتى أمام الأصوات المتخيّلة. في هذا المأتم، يتقدّم التهديد بصيغ مختلفة، ويتحوّل الدفاع عن النفس إلى دفاع عن الحصص، ويغدو النظر إلى الجمهور فعل اتهام صريح.
المكان نفسه يدخل طرفًا في هذا الانكشاف؛ الجدران تتحرّك من تلقاء ذاتها، تغيّر مواقعها، تضيق وتتّسع وفق إيقاع المشهد، من دون أن يلمسها الممثلون. حركة صامتة ومدروسة تجعل البيت كائنًا حيًا يستجيب لما يجري داخله، يسمع أكثر مما يحتمل، ثم يبدأ بالانسحاب، كأن هذه الجدران لم تعد قادرة على احتواء سكانها، ولا على تحمّل ما تراكم فيهم من قسوة ووحشية. تدفعهم نحو الأبواب واحدًا تلو الآخر، وتغادرهم، تاركة المكان مكشوفًا على فراغٍ يستحقّه. هكذا يصبح المأتم مسرحًا لانكشاف جماعي، حيث لا يُنتظر العزاء بقدر ما يُكشف ما كان مؤجّلًا خلف الأبواب المفتوحة.
تعود النهاية في مأتم السيد الوالد إلى بدايتها، لكن بصورة أكثر تفتّتًا. الكراسي الأربعة التي جلسوا عليها طوال المأتم، انتظارًا لحضور لم يأتِ، تتحوّل في اللحظة الأخيرة إلى ملكيات فردية. يتفرّقون، وكل واحد منهم يلتقط كرسيه ويتّجه به إلى جهة مختلفة، كأن ما تبقّى من العلاقة لم يعد يسمح بالجلوس معًا. الصراخ يتوزّع في الفضاء دفاعًا عن الذات وعن الحصص، فيما تظهر صورة الوالد على الشاشة ضاحكًا، ضحكة تؤكد أن أثره ما زال فاعلًا. مع هذا التفرّق، يتضح أن الذي دُفن لم يكن الجسد، بل الجذور التي كانت تربط العائلة، ومعها يضيع معنى الاجتماع، عند هذه اللحظة، تتحوّل جدران البيت إلى اتجاهات متقابلة لا تلتقي، فتغيب العائلة، ويبقى ما صاغه الوالد قائمًا.



