مقالات

المسرح بوصفه رافعةً للمجتمع: بين السلبية والإيجابية/ أنس بوخال

قراءة نقدية في تحولات الخطاب المسرحي

 

عرفت الشعوب منذ القدم وجود الفن والفنانين المبدعين، الذين يشكّلون الجانب الممتع في أيّ مجتمع كان، إذ يجمع الفن بين الكوميديا والتراجيديا والدراما والموسيقى، مما يخلق نوعًا من الفرجة والمتعة المصحوبة برسالة فنية. وهذا ما جعل المجتمعات، عبر التاريخ، تولي الفن اهتمامًا خاصًا بوصفه رافعةً للرقيّ والتقدّم.

ويُعدّ المسرح من أقدم الفنون وأبرزها، فما من شعب أو مجتمع إلا وبرز فيه هذا الفن، وإن اختلفت أساليبه وتجلياته، كعروض الشارع، والحكايات الشعبية، وغيرها. غير أنّ العامل المشترك بينها جميعًا هو تلك الرسائل التي يحملها الفنان المبدع إلى مجتمعه؛ رسائل تتسم بالنبل، وتسعى إلى التطور والتقدم والرقي، سواء قُدّمت في قالب ترفيهي أو في سياق تراجيدي حزين. فالأهم ليس الشكل، بل وجود الفنان الناقد، المسؤول، الحكيم، الذي يساهم في خلق توازن مجتمعي، ويؤدي دور الإسمنت والطلاء لجدران المجتمع المتصدّعة.

فكما يضطلع الفقيه والعالِم والأستاذ بأدوار أساسية في البناء المجتمعي، يقوم الفنان بدوره هو الآخر في الإسهام في الارتقاء بالوعي، ونقل الإنسان من ضيق الجهل إلى أفق المعرفة ومن ظلمات التخلّف والوهم إلى نور المعرفة والتعقّل والتطوّر. ويتميّز المسرح بكونه فنًا مركّبًا يمزج بين التشخيص والغناء والاستعراض، ليُوصل فكرته ورسالته في قالب غير مألوف للمتلقي، فيمتعه، ويشركه وجدانيًا وفكريًا، ويدفعه إلى التفاعل والتأمل في القضايا المطروحة.

وقد عرف المغرب بدوره، منذ القدم، أشكالًا فنية متعددة، من بينها فنّ الحلقة (عروض الشارع)، حيث يجتمع الناس حول عرض حيّ. وحتى وإن رفض البعض اعتباره شكلًا مسرحيًا، فإنه يتقاطع مع المسرح في عنصرين أساسيين: الممثل والجمهور. وهذا وحده كافٍ ليجعلنا ندرك قيمة هذا الفن وعمقه المتجذّر في إنسانيتنا وفي الجِبِلّة البشرية.

ويُعتبر المسرح بحقّ أقدم الفنون و”أباها“، إذ يشكّل فضاءً تمرّ عبره الرسائل والانتقادات الموجّهة إلى واقعٍ مأزوم، فيقدّم المسرحي من خلاله خطابًا توعويًا، نقديًا، توجيهيًا، علميًا، أدبيًا أو دينيًا، في قالب إبداعي. غير أنّ هذا القالب، للأسف، أخذ في الآونة الأخيرة منحًى آخر، يُسمّيه البعض “إبداعًا”، بينما لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون انحلالًا فكريًا وقيميًا.

أصبحنا نشاهد اليوم، على خشبة المسرح، عروضًا لا تكاد تحمل رسالة حقيقية أو خطابًا فنيًا رصينًا، بل صارت تمرَّر من خلالها صور سلبية وأفكار يمكن وصفها بالسامة. ومن بين أبرز هذه الظواهر المقلقة، المبالغة في جعل “المرأة” الموضوعَ المركزيّ للعروض المسرحية، تحت ذريعة الدفاع عن حقوقها ومنحها القيمة، مع تجاهل قاعدة بسيطة مفادها أن الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.

فالواقع أنّ ما يُقدَّم اليوم لا يكرّم المرأة بقدر ما يُهين الرجل، ويحوّل الخطأ من كونه مسؤولية إنسانية مشتركة إلى إدانة أحادية للرجل، الذي يُصوَّر في هيئة الوحش الذكوري الرجعي المتخلّف، مقابل امرأة تُقدَّم دائمًا في صورة الضحية البريئة: إن أخطأت فبسبب التغرير بها، وإن تعرّت فبسبب المجتمع الذكوري، وإن انحرفت فالرجل هو السبب. كل ذلك في غيابٍ تامّ لمفهوم المساواة في المسؤولية، التي يُطالب بها البعض في الحقوق فقط، ويغفلون عنها حين يتعلّق الأمر بالواجبات.

إنّ هذا الخطاب، في حقيقته، ليس دفاعًا عن المرأة، بل دفعٌ بها نحو مزيد من الانحلال، حيث تُستَخدم جسدًا فوق الخشبة، ووسيلةً للترويج والإثارة. والأجدر هو تصوير الرجل رجلًا، والمرأة امرأة، مع نقد الطرفين بإنصاف، وتقويم الاختلالات السلوكية والفكرية عند كليهما، بعيدًا عن منطق الصراع والانتقام والحرب بين الجنسين. فالرجل والمرأة عنصران أساسيان في بناء المجتمع، ويشكّلان معًا اللبنة الأولى فيه: الأسرة، القائمة على التعاون والتكامل، لا على الصدام.

ومن الظواهر الخطيرة كذلك، تحوّل المسرح إلى فضاء لتفريغ المكبوتات النفسية، حيث بات بعض الممثلين والمخرجين يوظفونه كوسيلة للتعويض عن النقص، أو لتحقيق رغبات شخصية مكبوتة، سواء حرمها الدين، أو جرّمها المجتمع، أو بقيت كامنة في دواخلهم. والأولى بالمسرحي أن يضبط مكبوتاته، وأن يبني شخصية فنية متزنة، حكيمة، متحلّية بالأخلاق، لا أن يتخذ المسرح ذريعة لممارسة كل ما هو مرفوض باسم الحرية.

لقد أصبح الانحلال الأخلاقي، للأسف، حاضرًا بقوة في أوساط بعض شباب المسرح، من تبادل القبل والعناق، إلى الإيحاءات الجنسية والكلام الإباحي، وكأنّ الخشبة صارت مرآة لسلوكيات فئات يُفترض تسليط الضوء عليها نقديًا لا محاكاتها. فكيف ننتظر من المسرحي أن يُصلح المجتمع، وهو يمارس السلوك نفسه الذي يفترض أن ينتقده؟

إنّ المسرح، الذي يُفترض أن يكون فضاءً للنبل والسموّ، بات عند البعض مجالًا لما يسمّى “التحرر”، دون وعيٍ ممّا يتحرّرون منه أو إلى ماذا ينتهون. فبدل البحث عن القيم والجمال والمعنى، صار البعض يبحث عن العري والحميمية والإثارة، في انحراف واضح عن فلسفة المسرح وغاياته الإنسانية.

كلّ هذا يدعونا إلى وقفة جادّة لمراجعة واقع عروضنا المسرحية، من مؤلفين ومخرجين وممثلين، وإلى التفكير في بناء هوية مسرحية مغربية عربية إسلامية، تنبع من تراثنا وحضارتنا وفكرنا، بدل الارتهان لاقتباسات فارغة لا تلامس واقع المتلقي ولا تخاطب وعيه. فالاقتباس ليس مشكلة في حد ذاته، إنما الإشكال في النقل الأعمى، حتى في أساليب العرض والتشخيص.

لقد صرنا نبحث عن ذواتنا في عروضنا فلا نجدها، ونكاد لا نعثر على مسرح يشبهنا فكرًا وروحًا. والمسرح الحداثي، الذي حوّل الخشبة إلى “سينما حيّة”، ساهم في اندثار ذلك المسرح الذي كان يتسلل إلى العمق، ويذيب المتلقي في مقعده، ويوقظه من غفلته.

وحتى من كان بعيدًا عن هذا المجال، عليه أن يدرك أن المسرح يُقدَّم باسمه، ويُمرَّر من خلاله خطابٌ يتسلل إلى المجتمع كله. ومن حق الجميع أن يسائل هذا الخطاب، وأن يطالب بمسرح يخاطب الذات المغربية، العربية، الأمازيغية، المسلمة، المحافظة والحضارية في آنٍ واحد.

نحن لا نحتاج إلى غيرنا ليعلّمنا المسرح؛ نحن في حاجة إلى أنفسنا، إلى وعيِنا بتاريخنا وحضارتنا، لنَبني مسرحًا عظيمًا يليق بنا. فقد كنّا، يومًا ما، أصحاب حضارة وعمق وفطنة، فلماذا صارت عروضنا اليوم لا تعبّر عنّا، رغم أن من يشخّصها هم منّا ويعيشون بيننا؟

أنقذوا مجتمعكم بإنقاذ مسرحكم.

Related Articles

Back to top button