مقالات

ميتا-فرجة الملاعب: جدلية “أبولون” و”ديونيزوس” في كولوسيوم الحداثة السائلة/ د. خالد امين

المناسبة شرط، والشغف محرك: تأتي هذه السطور محكومة بـ “شرط المناسبة”؛ ففي خضم هذا الزخم الكروي الذي نعيشه، لا يمكن للعين الفاحصة أن تمر مرور الكرام على ما يحدث داخل رقعة الملعب وخارجها. إن حقل “دراسات الفرجة/الأداء” (Performance Studies) لم يكن يوماً حبيس العلبة الإيطالية للمسرح، بل هو حقل مشرع الأبواب يهتم، منذ بداياته مع ريتشارد شكنر وفيكتور تورنر، بكل أطياف السلوك البشري، من الطقوس الدينية إلى الاحتفالات الرياضية. ومن هذا المنطلق، أعود هنا لمشاركة بعض التأملات السابقة كنت قد خصصتها لـ “فرجات الألتراس” تحديداً؛ تلك الظاهرة التي تتجاوز التشجيع العادي لتلامس عمق الوجود الإنساني. فهذه الملاحظات ليست عن كرة القدم كلعبة، بل عن “الألتراس” كفاعلين دراميين يعيدون كتابة النص الفرجوي بأجسادهم وحناجرهم في مواجهة سلطة المؤسسة.

في جوف المعمار الإسمنتي البارد للملعب الحديث، الذي ينتصب كـ “بانوبتيكون” Panopticon ضخم للمراقبة والضبط، لا تقتصر المعركة على دحرجة كرة بين فريقين؛ بل نحن بصدد صدام أنطولوجي حاد بين فلسفتين متنافرتين للأداء/الفرجة. إنها مواجهة بين “فرجة الاستهلاك” التي تهندسها المؤسسة الرياضية FIFA والإمبراطوريات الإعلامية بوصفها سلطة متعالية، وبين “فرجة محايثة” التي تجترحها كينونة “الألتراس” من رحم المدرجات، وتحديداً من معاقلهم في “المنعرجات (Curva) “. هذا الاشتباك يحول الملعب من مجرد “فضاء وظيفي للعب (Game Space) “محكوم بقواعد صارمة، إلى “فضاء بيني” (Liminal Space) متوتر، تتصارع فيه سلطة الترفيه المُمَأسس مع سطوة أدائية الطقوس الجماعية. واستناداً إلى براديغم “دراسات الأداء/الفرجة” عند ريتشارد شكنر (Richard Schechner)، يمكن تفكيك هذا المشهد عبر جدلية (الفعالية/الترفيه):

صناع “الفرجة الباردة” الأبولونية وسياسة تدجين الجسد الفرجوي:

تسعى المؤسسة الرسمية (Official Spectacle) إلى تحويل كرة القدم إلى “مسرح خالص” ومُعلّب، يكرس الفصل الديكارتي بين “العقل المدبر” (المنظمون) و”الجسد المتلقي” (الجمهور). هنا، يُختزل الجمهور في كونه “مستهلكاً سلبياً” يطل على الحدث من وراء “جدار رابع” صلب (سياج أمني داخل الملعب أو شاشات عملاقة خارج الملعب). إن الغاية القصوى هنا هي “الربح” وإعمال “النظام”، وهو ما يجسد بامتياز النزعة الأبولونية (Apollonian) التي تنشد العقلانية، التناغم الهندسي، والضبط الصارم… تحاول هذه السلطة “تطهير” الملعب من أي نتوءات فوضوية، مستهدفة إنتاج ما أسماه ميشيل فوكو “الجسد الطيّع” (Docile Body)؛ جسد يشاهد، يصفق عند الطلب، ويغادر بصمت، لضمان استمرار تدفق رأس المال دون منغصات…

• الألتراس الطقوس الديونيزوسية واستعادة “السلوك“:

على النقيض، يقلب الألتراس الطاولة عبر استدعاء النزعة الديونيزوسية (Dionysian) الجامحة؛ حيث النشوة، الانصهار، وتكسير الحدود. بالنسبة للألتراس، التشجيع ليس فرجة عابرة، بل هو “طقس (Ritual) “يتوخى “الفعالية الأدائية”، أي القدرة على إحداث أثر ملموس في الواقع (شحذ همم اللاعبين، إرباك الخصم، وتمرير رسائل سياسية حارقة). إنهم يمارسون ما نظّر له شكنر بـ “السلوك المستعاد” (Restored Behavior) ؛ فحركات الأيدي الموحدة، الهدير الجماعي، ورفع “التيفو”، ليست مجرد أفعال، بل هي استعادة لطقوس قديمة تُخرج المشاركين من “الزمن الكرونولوجي” (العادي) لتقحمهم في “زمن مقدس” خاص بالجماعة. هنا، يتمرد الجسد على تدجينه، ويتحول إلى كتلة حيوية تمارس “الفوضى الخلاقة”.

في استدعاء لطروحات إريكا فيشر ليشته (Erika Fischer-Lichte)، يُسقط الألتراس مقولة غي ديبور حول “مجتمع الفرجة” حيث “كل ما كان يُعاش مباشرة تحول إلى تمثيل”. يكسر الألتراس حالة الاغتراب هذه والتي أصبحت تميز مجتمعات الفرجة عبر تفعيل “حلقة التغذية الراجحة ” (Autopoietic Feedback Loop)؛ حيث تذوب الحدود بين المؤدي والمتفرج. “الحضور الجسدي الكثيف” للألتراس، بصرياً (Visual) وسمعياً (Audio)، يجعلهم شركاء في صناعة الحدث لا مجرد شهود عليه. يتحول الجمهور من “موضوع” للفرجة إلى “ذات فاعلة” Co-subject. وحين يختار كابو الألتراس “الصمت” أو “إدارة الظهر” للملعب، فهو يمارس “فعلاً أدائياً/كلامياً” (Performative Act) بمفهوم أوستن؛ فعلٌ سلبي يعطل الماكينة الاقتصادية للمباراة، ويفرغها من محتواها التسليعي، معلنا بوضوح أن “الكرة للجماهير” وليست سلعة للزبائن.

كما تمثل “الكورفا” ما أسماه ميشيل فوكو “هيتروتوبيا” (Heterotopia)؛ أي “فضاء آخر” ومغاير يتحقق فعلياً داخل المجتمع لكنه ينفلت من معاييره. في هذا الحيز تحديدا، تتعطل التراتبيات الطبقية (الفقير بجانب الغني)، وتسود قوانين “الألتراس” الصارمة. يتحول هذا الفضاء أيضا إلى منصة لـ “الأدائية السياسية”؛ فأغاني الألتراس (مثل “في بلادي ظلموني”) تتجاوز الدعم الرياضي لتصبح “نصاً ثقافياً/سياسيا مقاوماً” يعري هشاشة الواقع الاجتماعي. هنا تكمن خطورة الفرجة الرياضية؛ إنها “فرجة حية” (Live Performance) آنية، عصية على المونتاج التلفزيوني أو الرقابة المسبقة، مما يجعلها بؤرة توتر دائم مع السلطة -بمختلف تجلياتها- التي تسعى عبثاً لاحتواء هذا “الفائض الطاقي” والجماهير التواقة للتعبير..

 ختاماً، يمكن القول إن ما يدور في الملاعب – على المستوى العالمي- هو تجسيد حي للصراع بين “اللعب” (Play) بمفهومه “البريء” والسطحي الذي تروجه المؤسسة، وبين “اللعب العميق” (Deep Play) —بتعبير جيريمي بنثام وكليفورد غيرتز— الذي يمارسه الألتراس. في “اللعب العميق”، تكون المخاطرة (بالحرية، بالسلامة الجسدية، بالصوت) عالية جداً لدرجة تبدو “لا عقلانية” بمنظور المنفعية الاقتصادية. إن فرجة كرة القدم المعاصرة هي هذا التوتر الخلاق والمستمر: محاولة مستميتة من “السوق” لتعليب الشغف في قوالب الحداثة السائلة، ومحاولة مقابلة من “المدرج” لتحرير هذا الشغف وإعادته إلى جذوره الطقوسية المتوحشة والصلبة.

Related Articles

Back to top button