عندما ينسحب الجمهور… أين يقف المخرج؟..دروس من تجربة انغمار بيرغمان في المسرح/ د.أياد حامد هويدي
في زمنٍ نسمع فيه كثيرًا من الشعارات من قبيل: “نقدّم مسرحًا حداثيًا”، “نشتغل على التجريب”، “نؤسس مسرح الصورة”، تبدو صالات العرض، في المقابل، شبه فارغة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تكمن العلّة؟ أفي الجمهور، أم في الأسلوب المسرحي نفسه؟
تمثّل تجربة انغمار بيرغمان درسًا صارخًا في هذا السياق. ففي عام 1941 تلقّى صفعة حقيقية عندما طُلب منه إخراج مسرحية “سوناتا الأشباح” لفرقة “مسرح المواطن” حديثة التأسيس؛ إذ أُغلقت الفرقة أبوابها بعد أسبوع واحد فقط بسبب عزوف الجمهور. قال بيرغمان لاحقًا معقّبًا على تلك التجربة:
“تعلّمتُ أن الجماليات العالية لا قيمة لها إن تُركت وحيدة أمام مقاعد فارغة”.
وعندما تولّى إدارة مسرح مدينة هلسينغبورغ عام 1944، كان المسرح على حافة الانهيار، وقد خسر دعمه الحكومي بسبب قلّة روّاده. فالدولة، كما هو معروف، لا تقدّم دعمها لفرقة لا تؤدي وظيفتها الأساسية، وأهم هذه الوظائف هو جلب الجمهور. عندها فعل بيرغمان شيئًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه كان ثوريًا في جوهره: أعاد الجمهور إلى مركز العملية المسرحية.
صرّح حينها بوضوح:
”برنامجنا سيكون، بلا خجل، موجّهًا للجمهور”:
بساطة في المشهد والديكور، تركيز على نوايا النص وعلى حضور الممثل. وفي غضون عام واحد فقط، ارتفع عدد الزوار واستعاد المسرح دعمه الحكومي.
أكد بيرغمان مرارًا أن المسرح لا يقوم إلا على ثلاثة أعمدة: النص – الممثل – الجمهور. ورغم عروضه المسرحية الرفيعة المستوى، كان يقول:
“إن أي مقعد فارغ في الصالة هو فشل لي كمخرج، وعليّ عندها أن أراجع سقف مطالبي الجمالية”، ومع ذلك، ظلّت صالات عروضه مكتظّة بالجمهور، بل إن بعض إنتاجاته المسرحية كان يستحيل الحصول على تذكرة لها لعدة أشهر متتالية. ولم يكن ذلك نتيجة تنازل فني، بل ثمرة فهم عميق لطبيعة الفعل المسرحي بوصفه علاقة حيّة. فمسرح بيرغمان لم يكن خطابًا أحادي الاتجاه، بل عالمًا كونيًا تتقاطع فيه الأسهم بين الخشبة والمتفرّج؛ يطلق المسرح أسئلته، ويردّ الجمهور بتفاعله، وحين تتلاقى هذه الأسهم تولد شرارة العرض المسرحي.
ويتقاطع هذا الفهم مع ما يذهب إليه فردريك ماركر و ليس ماركر (1)، اذ يؤكدان أن مسرح بيرغمان لم يُبنَ على استعراض الحداثة الشكلية، بل على إعادة تعريف العلاقة بين العرض والمتلقي، بحيث يصبح الجمهور جزءًا من الحدث المسرحي نفسه، لا عنصرًا خارجيًا عنه.
في المقابل، يرفع كثير من المخرجين اليوم رايات “التجريب” و”مسرح الصورة” و”الحداثة وما بعدها” بوصفها غايات في ذاتها. والنتيجة غالبًا واحدة: لغة مسرحية مغلقة، تجريب يتحوّل إلى هدف لا وسيلة، افتراض جمهور نخبوّي غير موجود، وهيمنة للجماليات على حساب التواصل، وانقطاع العلاقة الحيّة بين الممثل والجمهور. وهكذا ينسحب المتفرّج بهدوء من صالات العرض، لا احتجاجًا، بل غيابًا.
ويشير إيغل نورنغفيست (2) إلى أن مسرح بيرغمان يقوم على ما يسميه “الاقتصاد الدلالي”، حيث لا تُستخدم العناصر السينوغرافيا أو البصرية إلا بقدر ما تخدم الصراع الإنساني. فالتجريب، لدى بيرغمان، لم يكن مشروع قطيعة مع المتلقي، بل أداة لتكثيف التجربة المسرحية وجعلها أكثر حدّة وشفافية، وهو ما يفسّر قدرة عروضه على الجمع بين العمق الفني والحضور الجماهيري في آن واحد. وخير مثال على ذلك حين استخدم التجريب الى اعلى مداه في مسرحية (فويتسك)(3).
إذا كان فيلم بيرسونا يمثّل ذروة التجريب في سينما بيرغمان، فإن فويتسك يشكّل أقصى مغامراته التجريبية على خشبة المسرح.
لم يكن بيرغمان ينظر إلى الجمهور بوصفه تفصيلًا لاحقًا في العملية المسرحية، بل كان يضعه في قلب الفعل الإبداعي ذاته. وفي أحد اللقاءات التلفزيونية، لجأ إلى حكاية رمزية عن حدّاد صيني طُلب منه أن يصنع ناقوسًا لمعبد. فشل الحدّاد حين صنعه بدافع المال، وفشل حين سعى إلى محبة الناس، وفشل حين أراد الخلود. ولم ينجح إلا عندما قرر أن يصنع ناقوسًا لأنه ناقوس فقط. عندها جاء العمل صادقًا ومبهرًا.
هذه الحكاية ليست درسًا أخلاقيًا فحسب، بل مفتاحًا لفهم فلسفة بيرغمان المسرحية: الجمهور ليس هدفًا يُلاحَق، بل شرطًا يُفترض حضوره. فالمسرح، في جوهره، ثاوث. ومن دون هذا الثالوث، يتحوّل العرض إلى ورشة مغلقة، مهما بلغت حداثته أو تعقيده.
لم يدعُ بيرغمان إلى مسرح شعبوي أو ترفيهي سطحي، كما لم يساوم على عمق أسئلته الوجودية. لكنه كان يرى أن الصدق مع جوهر المسرح هو الطريق الوحيد لبناء علاقة حقيقية مع الجمهور. ولهذا كان يخشى العروض التي تُصنع داخل فقاعة مغلقة، وتنسى أن المسرح فن حيّ لا يتحقق إلا في لحظة اللقاء.
وكما قالها صرخة مدوية ذات مرة:
“المسرح ليس مختبرًا مغلقًا… بل تلك الزاوية المبهجة، المقلقة من المدينة”.
الإحــالات:
1- Marker, Frederick J. & Marker, Lise-Lone. Ingmar Bergman: A Life in the Theatre. Tornqvist, Egil. Between Stage and Screen: Ingmar Bergman Direct 2–
3– أخرج انغمار بيرغمان مسرحية “فوبتسك” لبوشنر عام 1969، حيث غيّر تقاليد المسرح الملكي العريقة بجعل الجمهور يحيط بالمسرح من ثلاث جهات. وكانت تعرض مرتين يوميًا عرض في السادسة وعرض في الثامنة مساءأ.




