إيفان تورغينيف: الوجه الأوروبي في الأدب الروسي/ د. فاضل الجاف
في التاسع من أكتوبر عام 1818، وُلد الروائي الروسي الكبير إيفان سيرغي تورغينيف في مدينة أوريول الروسية، قبل أكثر من مئتي عام.
عاش تورغينيف في زمنٍ شهد ازدهاراً فنياً وأدبياً كبيراً في أوروبا عامة وروسيا خاصة، في مرحلة تداخل فيها التياران الرومانسي والواقعي. وقد ترك بصمة واضحة في مسيرة الرواية والمسرح الروسيين. ومن أشهر أعماله الروائية “الآباء والأبناء”.
عاصر تورغينيف كبار الأدباء الأوروبيين مثل بلزاك وفلوبير وستاندال، وكان على صلة فكرية وروحية وثيقة بهم. وفي روسيا كان معاصراً تقريباً لكلّ من دوستويفسكي (الأكبر منه بثلاث سنوات) وتولستوي (الأصغر منه بعشر سنوات). حتى إن اسمه كثيرا ما يذكر إلى جانب هؤلاء الروائيين العظام. ومع ذلك، أضاف تورغينيف بأسلوبه وتقنياته الروائية لمسة فريدة من الواقعية الغربية إلى الرواية الروسية.
يرى النقاد أن أسلوب تورغينيف ينتمي بوضوح إلى مدرسة الواقعية الروسية، وهو ما يتجلّى منذ روايته الأولى «مذكرات صياد»، التي تميّزت بسرد واقعيّ دقيق للأحداث. ولم يقتصر تأثيره على الرواية، بل امتد إلى المسرح أيضاً، حيث حملت مسرحياته طابعاً واقعياً مميزاً، وإن لم تنل الشهرة نفسها التي حظيت بها رواياته في روسيا.
ورغم خصوصية أسلوبه الواقعي في المسرح، فقد كان في زمنه جديداً ومتفرداً، إذ قدّم نوعا من الواقعية المسرحية يركّز على الحياة الداخلية للشخصيات، ويكشف علاقاتهم وسلوكهم، كما يظهر في مسرحيتيه الريفيتين «امرأة من الريف» و”شهر في القرية”. وقد أخرج ستانسلافسكي هذه الأخيرة، فحققت نجاحاً كبيراً ضمن برامج مسرح موسكو الفني.
كتب تورغينيف المسرحية عام 1855، لكنها لم تعرض إلا عام 1872، وتعدّ تجربة أولى نحو المسرح النفسي، بما تميزت به من اهتمام بصراعات الشخصيات الداخلية، وهو ما مهد لاحقا لأسلوب تشيخوف في مسرحياته.
تميّز تورغينيف بإلمامه باللغات، فأتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ودرس اللاتينية واليونانية، كما ترجم إلى الروسية أعمالا لكتّاب كبار مثل زولا وفلوبير وموباسان وهنري جيمس.
في عام 1862 نشر روايته الكبرى «الآباء والأبناء»، التي تعدّ أعظم أعماله وإحدى كلاسيكيات الأدب الروائي العالمي. تناولت الرواية الصراع بين جيلين: جيلٍ متمسك بالتقاليد القديمة، وجيل جديد يمثل الفكر العدمي المتمرد على السلطة والتقاليد الاجتماعية في معالجة فلسفية عميقة ما زال أثرها ملموسا حتى اليوم. وقد اقتبست الرواية للمسرح مرارا، وظلت موضوعاتها حية ومعاصرة. وقبل أعوام قليلة، شاهدت لها عرضاً متميزاً على خشبة المسرح الملكي (دراماتن) في ستوكهولم.
كان تورغينيف خلال سنوات إقامته الطويلة في أوروبا، ولا سيما في فرنسا وألمانيا، بمثابة جسرٍ ثقافي بين الأدب الروسي ونظيره الأوروبي، إذ نقل صورة روسيا إلى القارئ الغربي بواقعيةٍ معاصرة. وقد أكسبته هذه التجربة بعداً عالمياً وعمقاً فكرياً، انعكسا في اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وتناوله الصراع بين الطبقات والأجيال، مع تصويرٍ نفسي دقيق لشخصياته، وبخاصة النسائية منها، التي عبّرت عن تحولات المجتمع الروسي.
يتبع تورغينيف في أعماله الأدبية أسلوبًا يجمع بين الواقعية والتحليل النفسي. ويتّسم بسلاسة اللغة ودقة الوصف، ما جعله مؤثراً في جيلٍ لاحق من الأدباء الروس، مثل تشيخوف وغوركي، وممهداً الطريق أمام ظهور المسرح النفسي الحديث في روسيا. ويرى النقاد أن تأثيره في الكتابة المسرحية ينبع من تأثره بواقعية الكاتب المسرحي الكبير ألكسندر أوستروفسكي، في حين مهّدت شاعريته لأسلوب تشيخوف الهادئ والعميق.
وقد عُرف تورغينيف بطبيعته الهادئة والمتأملة، وهو ما انعكس في كتاباته البعيدة عن الصخب السياسي، مع أنه كان صاحب موقف فكري واجتماعي واضح، مما أكسب أعماله صدقاً ومصداقية وجعلها مرآة صافية لروسيا في عصره.
وبخلاف معاصريه مثل دوستويفسكي وتولستوي، لم يكن تورغينيف شديد التمسك بالدين والمسيحية، وهو ما أتاح له رؤية أوسع وأشمل لروسيا من منظور ثقافي وفكري وإنساني، وسمح له بتغذية أعماله بروحٍ تحليلية وواقعية علمية مميزة.
بعد وفاته، منحته جامعة أوكسفورد الدكتوراه الفخرية تقديرا لإسهاماته الأدبية. ورغم أن معظم أعماله تناولت روسيا، فقد ابتعد تورغينيف عن وطنه في سنواته الأخيرة، ليقيم في مدينة بوغيفال الفرنسية، حيث قضى بقية حياته حتى رحيله عام 1883
ما زال تورغينيف مؤثراً في الرواية العالمية حتى اليوم، إذ ألهمت واقعيته الهادئة وتحليله النفسي للشخصيات أجيالا من الروائيين في روسيا وخارجها.



