الشهداء بين الذاكرة والخذلان قراءة نقدية في عرض “الشهداء يُقتَلون ثانية” / حيدر عبد الله الشطري

مقدمة
إنَّ العرضَ المسرحيَّ الذي يتناول موضوعًا افتراضيًا لا يتهرّب من واقعه الذي يعيش فيه، بل يحاول أن يختبر ويكشف عوالم أخرى يسعى لمعرفتها، فيحوِّل الفرضية إلى مختبرٍ حيٍّ للأفكار والمشاعر والاحتمالات والمواقف، حيث يُصبح الافتراضُ هو المعبرَ الأكثر صدقًا نحو الحقيقة. ومن هنا تبرز أهميةُ الافتراض في اجتراح الموضوعة المسرحية بوصفه فعلًا إبداعيًا يحرِّر النص من أسر المباشرة، ويمنح المخرج والممثل حريةَ تشكيل العوالم كما تُرى من الداخل، لا كما تُفرض من الخارج.
فالعرض المسرحي الذي يفترض حدثًا معينًا لا يكتفي بتقديم حكاية متخيَّلة، بل يطرح سؤالًا عن الوجود ذاته:
ماذا لو تغيّر حالُ الإنسان أو مصيرُه أو علاقتُه بالآخر؟
وماذا لو أصبح الخيال وسيلةً لإدراك الحقيقة لا للهروب منها؟
وماذا لو تحوّل الإنسانُ إلى مكانٍ آخر قد فارقه؟
من هذا الافق، يأتي عرض “الشهداء يُقتَلون ثانية” ليقدّم رؤيةً مسرحيةً تتكئ على الافتراض كمنهج جمالي وفكري، تُحاور الواقع من خلال نقيضه، وتستنطق الممكن عبر المستحيل، في تجربة تتجاوز الحدث لتصل إلى الجوهر.
النص
في نص مسرحية “الشهداء يُقتَلون ثانية” المتخيَّل، والذي يقوم على فرضية عودة أحد الشهداء إلى الحياة، يفتح الكاتب نافذةً عميقةً على جرح الوطن، ويجعل من الافتراض الدرامي وسيلةً لقول ما تعجز عنه اللغة المباشرة؛ فالفكرة الجوهرية هي أن يعود الشهداء من موتهم ليشاهدوا ما آلت إليه البلاد التي ضحّوا من أجلها، وتلك صرخةٌ نقدية تُعرّي التحولات القيمية والسياسية والاجتماعية التي أصابت الوطن الذي ضحّوا بحياتهم من أجله في غيابهم.
يبدأ النص من الدهشة الأولى برغبة الشهداء الستة الذين لم يوضّح النص كثيرًا أسباب استشهادهم، في أن يختاروا أحدهم لكي يعود إلى الحياة وينقل إليهم ما آل إليه حال الوطن.
وعند اختيار أحدهم وذهابه إلى العالم الآخر، يتفاجأ بالأمكنة التي بدت له غريبةً، مشوَّهةَ الملامح، كأن الزمن سرق منها روحها.
وحين يلتقي بأبناء الجيل الجديد، لا يجد في وجوههم ملامح الأمل الذي كانوا يزرعونه ذات يوم في خنادقهم أو في الساحات.
وحين يرجع الشهيد إلى المقبرة بعد انتهاء مهمته، تبدأ اللحظة الدرامية المؤثرة التي يمكن اعتبار ما سبقها مجردَ تحضيرٍ واستهلالٍ للوصول إليها إذ يبدأ رفاقه في المقبرة يسألون عن معنى الوطن الذي استشهدوا لأجله، فتأتي الإجابات متلعثمة، باهتة، تُخفي وراءها خيبةً جماعيةً كبرى.
امتاز النص بقدرته على تحويل الافتراض إلى مرآة للواقع؛ فليست العودة حدثًا خارقًا بقدر ما هي استعارةٌ عن عودة الوعي، عن لحظة مواجهة مع الذات الجمعية التي نسيت تضحياتها وبدّلت رموزها.
يقدّم الكاتب جميل ماهود عالمًا مزدوجًا بين ماضٍ مفعم بالإيمان والبطولة، وحاضرٍ مثقلٍ بالخذلان والفساد، ليضع المتلقي أمام سؤال وجودي مرير:
هل يستحق الوطن كلَّ تلك الدماء إذا ما صار مسرحًا للخيبات؟
وفي بناء النص، نلمح تمازج الواقعي بالرمزي، كأن الكاتب أراد أن يقول إن أصوات الشهداء ما زالت حاضرةً، ولكن أحدًا لا يُصغي إليها.
كما أن الحوار ينهض على التقابل بين زمنين: زمن الحلم وزمن الانهيار، حيث تتحوّل المقبرة إلى فضاء أكثر طهارةً من المدن التي نُحرت فيها القيم.
إن أهمية هذا النص تكمن في أنه يستعيد وظيفة المسرح كضميرٍ للأمة، وكمنبرٍ للتساؤل الأخلاقي لا للخطابة السياسية.
فعندما يصل الشهداء إلى مرحلة اليأس، كأنهم يعلنون بأسى حلمهم بوطنٍ يعيش في داخلهم، لكنهم وجدوه يعيش على تضحياتهم فقط، وذلك يختصر مأساة الوعي الجمعي ويجعل من النص مرثيةً للذاكرة وبيانًا ضد النسيان.
وبهذا المعنى، يتحوّل النص من مجرد تجربة تخيّلية إلى وثيقةٍ وجدانية تُعيد صياغة السؤال الأبدي:
هل مات الشهداء من أجل وطنٍ حيّ، أم من أجل فكرةٍ ماتت قبلهم؟
الإخراج
في هذا العرض المسرحي لمسْنا اجتهادًا واضحًا من المخرج د. فيصل عودة في تقديم رؤيته وسعيًا جادًا لإضفاء روح معاصرة على نص غنيٍّ بالفكرة ومشحونٍ بالدلالات.
غير أن هذا الجهد الإخراجي ظلّ محكومًا بسطوة النص وفكرته، حتى بدا العرضُ في كثير من لحظاته أسيرًا للكلمة لا شريكًا لها.
فالنص كان طاغيًا في طرحه، محكمًا في بنيته، مكتملًا في فكرته، أما المعالجات الإخراجية فقد سعت جادةً إلى إيجاد المعادل الموضوعي البصري الذي يوازي هذا الحضور، فكان العرض في بعض مفاصله متكئًا على الحوار أكثر مما هو قائمٌ على الصورة والحركة.
وازدحمت الرؤية الإخراجية باحتشاد سبعة ممثلين على الخشبة، إذ تكدّسوا في مساحة محدودة في مقدمة المسرح، فتراكم الإيقاع البصري للعرض وارتبكت فكرة التكوين المسرحي الذي يقوم على التناغم بين الكتلة والفراغ.
وبسبب خشبة المسرح الصغيرة وإمكاناتها الفنية المحدودة، لم يكن أمام المخرج منفذا للتخلّص من هذا التكديس بفتح مسارات جديدة للحركة، رغم وجود مساحات خالية غير مستثمَرة، فبدت بعض المشاهد ساكنةً مثقلةً بالحضور لا بالفعل، وبالأجساد لا بالمعاني.
لقد تعامل المخرج مع النص بوصفه موضوعًا مؤثرًا وفكرةً طاغية، واجتهد في توظيفها لبلوغ أفق بصري وفعل تأويلي مفعم بالدلالات.
وأن عدم تكرار النص وإعادة كتابته بلغة الضوء والظلال والحركة، والانزياح الواعي عن الالتزام الحرفي بجمل الحوار والترتيب التقليدي للمشاهد، هو ما يسهم في تجاوز أعاقة وصول العرض إلى إمكانياته في التوليد الحركي والبصري ولكي تحضر المفاجأة ويشتعل التوتر الذي تصنعه الصورة المرافقة للحركة، ينبغي أن تنطق الصورةُ قبل الكلمة.
ومع ذلك، عمل المخرج جاهدًا على إظهار حسٍّ جماليٍّ في إدارة الأداء الجماعي، وسعى إلى بناء إيقاع درامي متماسك يخطو نحو إيجاد فضائه الكامل ليحيا فيه.
فالمسرح كما يُقال فنُّ المسافات، حيث يتولد المعنى من الصمت كما من الصوت، ومن الفراغ كما من الامتلاء.
إن هذا العرض قدّم نموذجًا دالًا في الإخلاص للفكرة التي يتبناها، وفي السعي الإخراجي لترجمتها إلى لغة أكثر حسّيّة وتأثيرًا، تمنحها حياةً ثانيةً على الخشبة، لا حياةً مكررة.
وكان هذا الجهد واضحًا، والإخلاص الفني حاضرًا في جعل الخشبة تتنفس داخل فضاء مفتوح على بوابات الإبداع، وممثلين يتحركون في مساحات تأويلية واسعة.
التمثيل
قدّم فريق التمثيل عرضًا يُؤشّر بوضوح إلى خبرة عالية في تبنّي الشخصية والقبض على تفاصيلها الداخلية.
فما جمعهم لم يكن مجرد وحدة موضوعية لكونهم جميعًا شهداء للوطن، بل ذلك النسقُ الأدائيُّ الرصين الذي تأسس على فهم عميق لطبقات الشخصيات وتباين مساراتها الإنسانية.
فاستطاع كل ممثل منهم أن يمنح شخصيته نبرةً خاصة وحضورًا متفردًا، دون الإخلال بالهارمونيا العامة للعرض.
وكان حضورهم على الخشبة متميزًا، ليس بقوة الأداء الخارجي فحسب، بل بقدرتهم على إظهار الفارق النفسي والدلالي بين شخصيةٍ وأخرى رغم اشتراكها في مصير واحد.
فكان هذا التنوع هو ما منح العرض حيويةً وتوازنًا، وجعل الخشبة تتحرك بتعدّد الأصوات لا بضجيجها.
لقد تفوّق الممثلون في تحويل فكرة الشهادة إلى طيف واسع من التجارب، كلُّ تجربة منها تقف وحدها لكنها تصب في النهر نفسه.
وكانوا على قدر الفكرة التي تبنّوها والمسؤولية التي حملوها معهم إلى الخشبة.
العناصر المسرحية
اعتمد العرض المسرحي على منظومة فنية أسهمت بوضوح في ترصين البناء الدرامي وضبط إيقاعه.
فجاءت العناصرُ المساندة (الموسيقى والديكور والأزياء) فاعلةً وذات دلالات دقيقة، ولم تكن تكميلية أو تجميلية أو زخرفية.
فكانت الموسيقى أحد أهم روافد الإيقاع التي عملت على رسم الجو العام للعرض فتارةً تعمّق توتر المشاهد، وتارةً تفتح مجالًا للتأمل، وهي تشتغل بوعي درامي يمنح المشهد حرارةً داخلية ويشدّ المتلقي إلى عالم العرض.
أما الديكور فقد أدّى دوره بوصفه جغرافيا للحكاية، لا خلفيةً صامتة إذ حمل ملامح بيئة المقبرة التي تجري فيها الأحداث، وقدم للمتلقي إشارات بصرية تساعد في فهم السياق المكاني والنفسي للشخصيات مما منح العرض ثباتًا بصريًا وعمقًا في التلقي.
وجاءت الأزياء المرتكزة إلى اللون الأبيض (الأكفان) لتكمل النسق العام، متجاوزةً حدود اللباس إلى وظيفة درامية واضحة، إذ عبّرت عن رسم معالم الشخصيات وتحديد طباعها ومرجعياتها الاجتماعية والزمنية، فغدت جزءًا من هويتها وسلوكها على الخشبة.
لقد اشتغلت كل هذه العناصر بتناغم واضح، فأسهمت في إحكام البناء الدرامي للعرض وصياغة إيقاعه الداخلي، ورفدت التجربة المسرحية بمستوى بصري وسمعي يليق بطموحها الفني.
وأخيرًا، لا يفوتنا أن نُشير إلى اجتهاد مجموعة العمل من مؤلفٍ ومخرجٍ وممثلين وكادرٍ فني، وإصرارهم الكبير على تقديم العرض في ظروف صعبة تدعو دائمًا إلى استحالة تقديمه لعدم توفر الكثير من المستلزمات الضرورية.
فكانوا بحقٍّ مقاومين مسرحيين استطاعوا أن يقدّموا لجمهور المسرح عرضًا معبّرًا بجهود استثنائية نحن دائمًا بحاجةٍ لوجودها لاستمرار عملية إدامة الحراك المسرحي في المحافظة.



