سائلية المجتمعات الخفية في مسرحية (الجدار)/ سجاد رحيم

اخراج : سنان العزاوي
تأليف: حيدر جمعة
من العنوان، يسير المخرج نحو خطوط حمراء (التابو) المسكوت عنه، وقد أكد لنا العزاوي في الإخراج والجمعة في الكتابة أنّ بناء الجدار وفق ثنائيات متواصلة التضاد، ما جعلنا ندرك أنّ جدار العزاوي لم ينغلق أبدًا، حيث تشكّل من الكوني إلى التقسيم المجتمعي و العائلي إلى الانفصال الشخصي بين الأنا والذات، إذ لم يكن الجدار مستورًا للعزاوي، بل جدارًا يقشر الإنسان على صفيح ساخن.
النص : حيدر جمعة

شكّل النص انطلاقة العمل المسرحي في تشكيل البنية الأساسية للعرض، واعتمد حيدر جمعة في بنية النص على كتابة مشهديه منفصلة، مشهدًا بعد مشهد، بحسب الثنائيات التي رسمها العزاوي. وهنا، أعتقد أنّ النص بدأ من ورشة كتابة مشتركة بين المخرج والمؤلف، وهذا ما جعل الكتابة عملية كشف لما هو قبيح و مخفي. كان نص الجدار يبحث في إظهار جماليات القبيح ويكشف عنها من خلال الممثل، وقد حملت كتابات بومان السائلة محورًا أساسيًا في نص العرض ليخلق لنا مشاكسة عبثية في سيولة النص. سؤال :للمؤلف: ماذا لو كان هذا النص من إخراج مخرج آخر غير سنان العزاوي؟
الإخراج: سنان العزاوي

في المشهد الافتتاحي، جعلنا المخرج المشاكس نطرح مجموعة من الأسئلة الافتراضية: لماذا الجدار، لماذا اللون الأبيض، لماذا الجميع بلا توازن، لماذا تُستهدف النساء؟
من خلال كلّ هذه الأسئلة يشكّل المخرج عناصره الجمالية في صورة إشهارية واضحة للمتلقي. وهذا ما أخذنا نحو عنصر الدهشة المستمر في كلّ جوانب التجسيد الفردي والثنائي داخل العرض.
كانت الثنائيات هي الصراع الأساسي في العمل لينطلق من تساؤلات عدّة، منها: (هل نحن بشر أو حيوانات، هل خُلقنا من طين أو نار ………) هذه التساؤلات المستمرة لدى الأنسان منذ الخلق الأول كان المخرج قادرًا على الإجابة عنها من خلال كشف الغطاء المستور في المجتمع وتقشير المجتمع الغريزي إلى الحقيقة الواضحة من خلال (مدمن المخدرات، وسلطة الأب لإفراغ الغريزة الحيوانية، والشخص الذي يتستر في غطاء الدين، والسياسة التي تحكمها قاعات الليل، والزوج المتحول جنسيًا، والممارسات الجنسية والتعنيف اتجاه الزوجة) كلها تابوهات مسكوت عنها تُمارس كلّ يوم. هنا، كان العزاوي صائغًا جيدًا لعرض الجدار المُمسرح و كشف المستور المجتمعي.
كان جدار العزاوي يسير اتجاه الصفة العالمية التي رسمها (ويلسون) في مسرح الرؤى، والتي شكّلت الفضاء التقني، ليكشف لنا خطابًا مسرحيًا يخرج بكلّ تفاصيله عن المسرح التقليدي ليتوافق مع ما هو قائم في مسرح الرؤى، وهو يرتكز على رؤية فنية معاصرة في توظيف العناصر الإخراجية التي من خلالها كسر الأطر والقوانين المسرحية، للكشف عن مضامين فكرية ومعرفية يواجه فيها المتلقي مسرحًا يعتمد على الديناميكية الحركية. وهنا، لم يتوقف التأثير على العزاوي، بل انتقل نحو مسرح القسوة و انعكاسات أرتو المجنون على العزاوي الذي عاد بالمخرج إلى اشتغال المسرح الشرقي ومنها (نو، الكابوكي). وهذا ما انعكس في جدار العزاوي من خلال جلد ذات الممثل على المسرح. هنا، كان المخرج مثيرًا في المشاكسة إلى حد الثمالة في اللعبة المسرحية المتقنة.
الأداء التمثيلي:
كان العزاوي يحرق الممثل في العرض المسرحي للوصول إلى الحقيقة المقنعة في التجسيد وإرسالها إلى المتلقي على شكل حوار ديناميكي مستمر. وهذا ما جعل الممثل هنا مفكرًا قبل أن يكون مجسدًا. لقد رسم لنا الممثل عرضًا متقنًا، فيه تناغم تواصلي مستمر من داخل الممثل، كما تحقق ذلك في مسرح غروتوفسكي “المسرح الفقير”. وهذا ما جعل الممثل المسرحي الفقير يُلقب بالممثل المقدس، وممثلو العزاوي كانوا بتلك المقدسة في مسرحية الجدار، و سأكتب عنهم لاحقًا، كل ممثل على حدة.
من الممثلة لبوة عرب التي جسدت شخصية المدمنة على المواد المخدرة، ودفعها المخدر الى الزواج من أخيها، وإنجاب ذلك الطفل الذي تُرك خلف الباب لتنهشه القطط، انعكاس هذا الادمان حوّل كل شيء محرم الى مباح بين أفراد العائلة، فقد شكّلت لنا لبوة الممثلة البارعة ملامح حقيقية للشخصية المدمنة من خلال أبعاد حقيقية تجسدت في الفعل الأدائي على خشبة المسرح، لتكون مفردة (طيري) علامة سيميائية دالة على الإدمان الحقيقي عند الشخصية المقدمة.

إلى الممثلة آلاء نجم البارعة في كلّ أدواتها التي رسمها لها العزاوي للشخصية، هذا ما جعلني أجد شخصية المقتولة (أم فهد) في ملامح اللعب التي تقدمه الممثلة آلاء نجم على خشبة المسرح، شكّلت لنا الممثلة حلقة طويلة من الحركة المستمرة التي باتت تشكل ايقاعًا مستمرًا ومتناغمًا بين الحوار و الرقصات في تجسيد بنات الليل، هذا ما جعل العزاوي راسمًا أساسيًا لملامح الشخصية وتحولاتها وفق بنى أساسية يلعب بها المخرج في بنية المشهد المُمسرح، في التحولات بين شخصية الليل و الشخصية المتدينة.

أما رهام الفتاة التي فقدت عذريتها منذ الصغير بسبب الأب، فقد شكلّت لنا العنصر المنتفض من داخل ذلك الحضيض والدنس المسكوت عنه، وذلك من خلال أداء أشبه بالحقيقة التي تتجسد داخل البيوت ويُخفى هذا السر عن طريق(قابلة) غير شرعية، هذا ما جعل العزاوي يكشف سر هذا المشهد للعلن عن طريق الممثلة رهام، التي أوصلت لنا حقيقة الواقع في المدينة الفاسدة المعاكسة للمدينة الفاضلة لدى أفلاطون، يشكل هذا الأداء حرفية عالية في التحقيق المشهدي.

كانت الممثلة رنا الأدائية المتواصلة بين الفعل المرسوم والفعل المجسد للشخصية، هذا ما جعلنا نعود الى عروض (مارينا ابراموفيتش) الأدائية التي جعلت جسدها وسيلة الإيصال الأساسية مع المتلقي، وجعل العزاوي الفعل والحوار عند رنا هو الصورة الواحدة في زمن غير ثابت، وكانت التنمر هو أساس بنية المشهد وما يحدث داخل نص حيدر جمعة من متغيرات أساسية للأداء المرسوم على خشبة المسرح عند رنا.
ه
في مشهد رضاب، حوّلتها القساوة الجسدية التي تعرّضت لها الممثلة من خلال العنف الزوجي الذي يمارسه الزوج عليها إلى وحش قاتل يلتهم كل شيء، ثم تحولت الى سلطان بشع يلتهم الأجساد الأنثوية ليحولها الى رماد مثلما تحولت هي في السابق، من هذا الشكل الوصفي الى الأداء المركب للأفعال عند الشخصية، يؤكد لنا هذا المشهد أنّ التحول ما بين الضحية والسلطان ينهض على شعرة واحدة، مرتبطة بظهور ذلك الوحش داخل أي انسان ليتنقل من حقيقة الى شبح مفترس، لكن التقنية الأدائية التي شكّلتها رضاب هي عنصر متحول في لعب الأدوار على خشبة المسرح.
تشكّل إسراء اللعنة الأساسية في جدار العزاوي من خلال البحث عن أطفالها الذين أضاعهم الأب بسبب رفضها لفعل تبادل الزوجات، أعلنت أن زوجها قواد، إذ أخذ النهر تلك الطفولة وهي قصة حقيقة لإحدى النساء العراقيات، ما أجمل اللعب الذي قدمته إسراء، مشهد الرسائل المُلقاة في البحر لتصل إلى أطفالها، هنا كانت الصورة واقعية بمناخ غربي كوّنه العزاوي، فقد كانت التحولات الأدائية لدى الممثلة عامل فكري جمالي يرسم لنا العلامات الدلالية وفق النسق العام للعرض وإطاحة جميع مرتكزات التوقع.

المغنية الصلعاء في أوبرا العزاوي التي تجسدها الممثلة نعمت على تلك الخشبة لتكون هي قائد العرض، يستدعي العزاوي في هذه الشخصية ملامح الحكواتي عند بريشت لتكون الممثلة بين اللعب الأدائي و الحدث المقدم، هنا نجد أن مخرج العمل يسير من القصة المحلية صوب العرض العالمي.
عازفة البيانو هي إحدى شركاء ضحايا المجتمع التي قدّمها المخرج لتكون هي إحدى فرائس الفن والمتصنعين المعلنين عن تلك الحريات الداخلية للفرد، وبعهدها يقذف تلك الغرائز في أجساد ضحاياه في المجتمع.

جسدت الممثلة زمن انعكاس الشخصية الدينية في المرآة، والتي تحمل في داخلها الصورة الأبشع للتحول الذي أعلنت عنة الممثلة، بسبب الكبت الديني في داخلها، أرادت أن تحرر غريزتها من خلال نصرت المجاهدين في جبهات القتال من خلال التبرع بالعضو الذكري إلى الإخوان، هنا تكون الغرائزية هي أساس هذا الكبت الإنساني المتستر في غطاء الدين ويعمل كل شيء في الخفاء، كانت زمن علي ممثلة من طراز المسرح ال ( نو الياباني) بكل ملامح وأفعال تحققها على خشبة المسرح، فقد كان العزاوي هنا راصدًا أساسيًا لطلاسم المسرح الشرقي والثقافة التي يحملها، ليعلن عن كبت المجتمعات الشرقية في المجتمع، مثلما بنى شكسبير في عطيل الملامح الشرقية داخل الشخصية(مبدأ الغيرة، الشك، القتل).
المتحول والضحية: جسّد الممثل يحيى ابراهيم الشخصية بملاح الحقيقية والتفاعل مع الدوافع الأساسية للفعل المقدم على تلك الخشبة، مما كانت الشخصية هي انعكاس للطفولة غير المراقبة من العائلة لتجعل الميول نحو هذا الفعل، اذ استدعى المخرج كل إشكاليات الفرد من الطفولة وما تعكسها على الإنسان في مراحل متقدمة، هذا دليل على إدراك لعلم النفس والشعور الأساسي في تحولات الحالة، إذ يشكّل الممثل انتفاضة أساسية على ذلك الجدار لينادي بالعودة إلى تلك الطفولة ليتخلص من هذا العفن المتحول فيه، ليرسم لنا أداءً ذا سلطة كولونيالية من هيمنة العالم الأساسي خلف الجدار.

الجوكر العالم الخفي الذي وضعة العزاوي ليكون السلطة الخارجية والداخلية التي تهيمن على المجتمعات، السلطة الكبرى التي تصدر لنا الموت المستمر، والسلطة الداخلية التي تصنع الموت في الداخل الاثنان هما الموت.
المجاميع: هم محركات الأفعال المستمرة بين المشاهد وتركيبها على النسق المقدم للعرض، هم صورة عمومية للحث الأكبر داخل العرض.
السينوغرافيا: هي الجدال الخفي لهذا المنفى الذي رسمه مخرج العرض لنا لنحدث لنسأل أكثر(كم من جدار وجدار خلف هذا الجدر) هنا كان العزاوي في منطقة واضحة من التكوينات البصرية، إذ كان كل شيء هنا هو مدنسًا، حتى اللون الأبيض هو مدنس ومتضاد مع المدينة الفاضلة لأفلاطون، كان الشكل يتحرك على شكل عدسة كاميرا تسحبنا الى داخل المنظومة وتخرجنا عن القطة الأساسية في العرض، مما كانت التقنية الضوئية عنصرًا أساسيًا في عناصر العرض وتشكيل فضاء الجدار بمناخ عالمي بحت، ليوظف إضاءة الليزر العامل الخارجي من السلطة العليا في العالم البعدي، حتى المادة السينمائية حملت الفعل المؤثر الاساسي في ضياع الكثير من الطفولة لدى الانسان، هذا ما كان يرصده العزاوي في باطن المجتمعات، أي المجتمع الخفي او العالم الخفي عند الانسان المسكوت عنه.

* م.م سجاد رحيم نعمه (تدريسي في جامعة الإمام الصادق) / فرع ذي قار



