مقالات

جدلية الفضاء والمكان من النص إلى العرض المسرحي/ د. عماد هادي الخفاجي

المسرح في جوهره ليس مجرد نص مكتوب ولا مجرد خشبة قائمة بل هو حركة متواصلة بين عالمين، عالم التجريد الذي يولده الخيال وعالم التجسيد الذي يحققه الأداء ومن هنا تظهر جدلية الفضاء والمكان، إذ يتقاطع فيها ما هو متخيل بما هو محسوس وما ينتمي إلى اللغة بما ينتمي إلى المادة ليُصاغ المسرح بوصفه فناً مركباً يقوم على هذا العبور المستمر، فالفضاء الدرامي هو في الأصل نتاج مخيلة الكاتب المسرحي يتكون من العلامات النصية التي تُحدد الأمكنة المتخيلة التي تتحرك فيها الشخصيات وتتكون عبرها الأحداث، ما يعني بإنه فضاء غير مادي مفتوح على إمكانات القراءة والتأويل بحيث تعيد المخيلة تشكيله وفق منظور القارئ أو المخرج أو الممثل لذلك يوصف بـ (الفضاء المجرد) لأنه لا يتحقق إلا داخل اللغة والخيال غير أن هذا الفضاء لا يكتمل في حدود النص بل يحتاج إلى مكان مسرحي ملموس يستوعب العرض ويجعله قابلاً للمشاركة الجماعية وهذا المكان قد يتخذ صوراً متعددة (مسرحاً تقليدياً مغلقاً أو مسرحاً دائرياً أو ساحة احتفال شعبية أو فضاء غير تقليدي مثل مقهى أو شارع أو معرض فني….الخ) وعليه يتضح ان الاساس يكمن في كون المكان هو البنية الفيزيائية التي تسمح بتحويل النص من مستوى التخييل إلى مستوى الأداء وعندما يُعاد شحن هذا المكان بطاقة النص ويُعاد تشكيله عبر السينوغرافيا وحركة الممثل وتوزيع الضوء والصوت يتحول عندها إلى فضاء مسرحي، وفي هذه اللحظة لم يعد المكان مجرد إطار صامت بل صار عنصراً فعالاً في إنتاج الدلالة ومجالاً تتقاطع فيه العلامات البصرية والحركية والسمعية فيصبح فضاءً محسوساً ذا هوية خاصة، وهكذا يصبح الفضاء المسرحي حصيلة تفاعل مزدوج هو تفاعل الفضاء الدرامي بما يحمله من مخيلة النص وتفاعل المكان المسرحي بما يتيحه من شروط مادية وتجسيدية وبالتالي يمكننا القول بان الفضاء الدرامي هو البذرة الذهنية الأولى والمكان المسرحي هو التربة التي تحتضنها أما الفضاء المسرحي فهو الثمرة التي تنبثق من اندماج الاثنين ليجعل من النص فعلاً أدائياً حياً قابلاً للإدراك والتجربة المشتركة.

Related Articles

Back to top button