مسرحية “مراهين” رؤية تعبيرية لتراجيديا معاصرة/ أنيس حمدي

يعكس عنوان المسرحية الجديدة “مراهين” حالة ارتهان طويلة و أليمة، بلا منفذ أو مَخرج. لا بصيص من النور في آخر النفق ولا عنق للزجاجة يُرجى الفكاك منه. شخوص تجمعهم علاقات معقدة ملؤها الإحساس بالقهر و بالذنب عن جرائر لم يرتكبوها. تصوّر المسرحية هواجس مرضية لأنفس حيّة ميتة. الشخصيات رهينة محبس الماضي القاسي، الجراح النفسية التي لا تندمل، تجتر آلامها باستمرار. شخصية الأم التي تؤديها الممثل سميرة مسيخ تستحضر إلكترا لتجسد جنونها ويأسها و رغبتها في الانتقام. أما إبنها الذي يجسده الممثل كمال الصغيّر، الذي جاء للدنيا نتيجة عملية اغتصاب لا يرث من أمه إلا حبا مريضا للمسرح والتمثيل. و لا يملك إلا أن يحب أمه التي تبادله حبا مشوها ممزوجا بآثار حادثة الاغتصاب التي خلفت لها جراحا نفسية غائرة.
المسرحية مشحونة بعنف داخلي عميق. قد يبدو العمل للوهلة الأولى تعبيرا عن تجربة مرض الفصام. أدوية الفصام التي تناولها الأم لإبنها الفصامي ليست علاجا حقيقيا لداء عقلي عضال فقط، بل هي صورة لارتهان المريض للدواء الذي لا يعدو أن يكون مُسكنا لا يخفف من المعاناة النفسية إلا بقدر ما يطيل من أمدها. والدواء في حالات الفصام العميقة هو أيضا إدمان خطير، وهو مُهدئ لآلام المريض بقدر ما هو مهدئ لآلام أمه و ليست الأم بأقل فصامية من ابنها في الحقيقة. فحالة الأم أكثر خطورة من الابن حيث إنها تقتله في النهاية و سبق أن عبرت عن إرادة القتل و لم تبلغ حالة الإبن أن يمثل تهديدا للآخرين. لا نعلم على وجه اليقين هل قتلت الأم ولدها فعلا أم لا، فالعمل لا يتحرك في مرجعية واقعية و لكنه يتخذ من التعبيرية مرجعا جماليا. ومن سمات التعبيرية الغوص في العوالم الداخلية للشخصيات والتصوير المكثف للمشاعر والأحاسيس في واقع مشوه. ومهما يكن من أمر، فإن المسرحية مسكونة بالموت. ليس هو بالموت الجنائزي الذي نرثي فيه موت حبيب ولا هو بالموت الجنائي الذي نتعقب فيه أثر القاتل، ولكنه الموت الذي يسكن روح مريض الملاخوليا السوداء كما سمى العرب قديما مرض الاكتئاب، مع ما يصحبها من اضطراب التفكير والصلة مع الواقع.
كأن المسرحية وقائع موت معلن، أو كشف عن دوافع اختيار الموت، أو تصوير للاجترار اليومي للآلام النفسية التي تكف معها الحياة أن تكون موضوعا لرغبتنا. إنها للأسف لا تخبرنا بأخبار جيدة عن الحياة. فبقدر ما تتشبث الشخصيات بتلابيب المسرح كمنجاة من الألم و بالخيال الفني استمدادا لطاقة الحياة و طلبا لبهجتها، بقدر ما تسبر غور القرف الذي يسمم حياتنا. فكلما تأملنا بؤس عالم الإنسان الداخلي كلما بدا لنا أكثر بؤسا وأكثر إثارة للشفقة.
الجمالية التعبيرية لمسرحية “مراهين” شاخصة في رموزها التجريدية وواقعها المشوه وبنيتها المتشظية. وللمسرحية طابع نفسي مغرق في العوالم الداخلية لشخصيات مشوهة الأرواح، خلفت فيها حوادث الحياة القاسية آثارا مدمرة. ومتى كانت السيكولوجيا غريبة عن التعبيرية؟ ولكن تلك الأرواح المشوهة هي أيضا مرآة لواقع مسرحي مشوه ومريض.. مريض جدا ! لم يجعل صناع العمل الأم ممثلة مسرحية بالصدفة. كذلك ورث إبنها الفصامي حب المسرح ليكون ممثلا بالقوة. فهو لا يمارس التمثيل إلا بين جدران غرفته متوهما أنه يؤدي الأدوار، و أنه يُحيي ذكرى الممثلين الذين رحلوا دون يلقوا شيئا من الاعتراف الذين يستحقونه. ويخلق خيال الفصامي حبيبة متوهمة تعويضا عن الفشل في الحب والحياة والمسرح، فيبثها لواعج قلبه حينا ويقاسمها ولعه بالتمثيل حينا. ويشاركها تساؤلات دون أجوبة عن أمه التي وهبته الحياة لكنها تعجز أن تهبه حبا صافيا كباقي الأمهات. أدت الممثلة إشراف بن فرج دور الحبيبة المتخيّلة، ولم تكن تحضر إلا كطيف قد يغيب فجأة إذا استعاد الفصامي علاقته بالواقع.

لا بد أن عملا مثل “مراهين” قد كتب دراميا على الركح أكثر مما كتب على الورق، خاصة أن أثر العمل الجماعي للممثلين قد ترك بصماته على البنية الجمالية للعمل. فالعمل يقوم على بناء شخصيات مركبة تعايش دُوار الحالات النفسية وتعقيداتها. وذلك ما يتطلب من الممثلين الغوص في الحالات الذهانية ومعايشتها كتجربة نفسية وعصبية. يبدو ذلك جليّا في أداء الممثل كمال الصغيّر الذي لعب دور الإبن الفصامي، الذي تحركه تشنجات داخلية مبعثها التبلد الوجداني واضطراب التفكير والانفعالات المتناقضة، لتظهر سيماها في النظر الشارد في الفراغ ومشاعر الارتياب القهري وحالات الهلاوس والهيستيريا. ذلك يجعلنا كجمهور نعاين الوضعيات التي يقترحها العرض كشهود على حالات إكلينيكية أكثر منا كمتفرجين، بل يجعلنا نعايشها كتجربة حسّية وعاطفية. الحوار الباطني لسميرة مسيخ بصوت جريح تخنقه الدموع لا يمكن أن يمر دون أن يترك ندوبا في أرواحنا. و التفاعل بين الممثلين الذين يؤديان دور الأم وابنها، بالغ الرقة والدقة يُعبر عن عمق اتصال روحين تشتركان المأساة ذاتها، في إنصات واتصال ديناميكي حيّ يُبنى لحظة بلحظة، كأنما تجمعهما موسيقى داخلية أو رقصة غير مرئية تعكس في النهاية صدق الأداء وحضورا مشتركا نابضا بالحياة.
على أن “مراهين” ليست فقط مرآة داخلية لواقع مسرحي معطوب، بل هي كذلك مرآة داخلية لواقع مجتمعي معطوب كذلك، انسدت فيه المتنفسات واحتجبت الآفاق وأصبح فيه الإحباط حالة عامة. فكلما ساد الشعور بالكبت والحرمان والقلق والحيرة تعاظمت الاضطرابات النفسية وزاد خطرها. فواقع هذه الممثلة المسرحية وابنها الذي أنجبته بعد تعرضها للاغتصاب، هو صورة واقع المسرح والمسرحيين المعطوب وصورة للعطب الذي أصاب المجتمع ككل. فكما يعاني أهل المسرح ظروف العمل المتردية يعاني المجتمع واقعا تتدهور فيه ظروف العيش باستمرار. ولكنه مجتمع لا يتزايد فيه الجوع فقط بل يتزايد فيه القمع و الخوف. كل ذلك يحدث ضمن طور تحولات مجتمعية هيكلية تتغير فيها بنية العلاقات بين الأفراد وتعرف منظومة القيم اضطرابا هائلا والجميع يحتقن طاقة عنف بدأت تأخذ أشكالا فضيعة. النهاية التراجيدية للمسرحية من صميم الرؤية العدمية للجمالية التعبيرية.
* أنيس حمدي/ أستاذ بالمعهد العالي للموسيقى و المسرح بالكاف – جامعة جندوبة (تونس)
الهاتف : 95546227(216)
البريد الإلكتروني : anishamdi127@gmail.com



