قراءة في عرض مسرحية “الهاربات” / الأسعد الجموسي
نصٌّ، وسينوغرافيا، وإخراج من توقيع الأمل الصاعد في المسرح التونسي وفاء الطبوبي، أداء فاطمة بن سعيدان، منيرة زكراوي، لبنى نعمان، أسامة الجنايني، أميمة البحري وصابرين عمر، وموسيقى أصلية من تأليف هاني بن حمادي. العنوان الفرنسي لهذا العمل المسرحي هو Les Fugueuses
لنتوقف لحظة عند هذا العنوان، إذ يحمل في طيّاته أفقَ انتظارٍ يكتسب هنا كاملَ قوّته الإيحائية. فهو عنوانٌ مربك، ملتبس ومخادع في آنٍ واحد: هل المقصود بـ«الهاربات» هو Les Fugueuses (الهاربات) أم Les Fugitives (الفارّات)؟ أم ربّما Les évadées (الهاربات من السجن)؟ أو Les égarées (التائهات)؟ أو أخيراً Les fuyardes (الفارّات خوفاً)؟ تلك هي ثريا الايحاءات المحايثة للعنوان بما تتكثف معها علامات التوجس والخيفة من معاني الهرروب.
المشهد الأول لا يحيل على الهروب واتما يبني منظومة تدل على التيه وضياع المسار. يُفتتح العرض بمجموعة من خمس نساء ورجل واحد ينتظرون حافلةً لا تأتي أبداً. يحاولون مواصلة الطريق سيراً على الأقدام. تتقمّص إحدى الشخصيات – وهي امرأة مسنّة تعمل خادمة منازل، أدّتها ببراعة فاطمة بن سعيدان – دور القائدة والمرشدة. تدّعي أنها تعرف جميع المحطات التي تمر بها الحافلة، تصفها واحدة واحدة، ثم تغفو قليلاً قبل أن تواصل سردها لمسار الرحلة. تنطلق المجموعة في خط مستطيل وراء المرأة العجوز لكنها سرعان ما تضلّ الطريق في مسالك لا تؤدي إلى أي مكان.

يجد الشخصيات أنفسهم في فضاء من الالتباس والوحل والطرق المسدودة، محاطين بجدران من ثلاث جهات. من التعب إلى الخيبة، ومن المحاولات الفاشلة إلى المساعي الضائعة، ينتهي الأمر بالجميع إلى الهروب معاً نحو المجهول. لكن هذا الهروب الجماعي يثبت أنه غير مجدٍ، فيفرّ كلّ منهم من الآخر. ضياع، خوف، تخلّي، جوع، عطش، تعب ويأس. تتهاطل الأمطار فلا يستبشر بها أحد بل انها تعني زيادة الرعب من دوي الرعد وغرق المحيط في الأوحال.
تضع هذه التجربة المسرحية المشاهد أمام امتحانٍ عسير: فغموض العنوان في البداية يتجلّى تدريجيا ككشفٍ عن «الهروب» بمعناه العميق — الهروب إلى الأمام، الهروب من الذات ومن الآخرين، الهروب من واقعٍ معيشيٍّ صار لا يُحتمل، إلى حدّ أن إحدى الشخصيات تتمنى الخلاص في الموت من الوباء.
تتنوّع المَشاهد داخل هذا الفضاء المغلق الخالي، في سلسلة من الحكايات الصغيرة ومن السرديات الذاتية المفعمة بالخيبة والاحباط وهي قصص الفقراء والمفقرين التي تكتسب في هده السياقات المسرحية حمولة رمزية كثيفة. كلّ شيء يتحوّل إلى استعارةٍ وإيحاءٍ بفراغ المعنى الذي يعيشه هذا الجمع المؤلف من: خادمة منازل قضت حياتها في الخدمة لتنشئة اطفالها الخمسة وعدما اشتد عودهم تركوها للوحدة والهوان، و”برباشة” مسنة باحثة عن البلاستيك في القمامة، أكل الدهر على جسدها المهترئ وشرب، ومعلمة بديلة، شابة مازالت لم تتحصل على راتبها، ومحامية شابة متدرّبة تلوح بالشعارات وتطالب بالاحتجاج على المسؤولين عن تردي الأوضاع، وعاملة نسيج ممشوقة القامة تحلم بالزواج للإفلات من حكم جميع من يحيط بها من ذكور في محيطها العائلي والمهني، وعامل في مصنع كابلات عانى من تجربة الزواج وهو مطلق وأب لطفلين.
الحافلة التي لا تصل أبداً تُمثّل مسؤولية (الحاكم) كما هو منطوق مند البداية. ولعل هده الحافلة مكتنزة بالإيحاءات للآمال العريضة التي علقتها الطبقة الوسطى للتونسيات والتونسيين على ثورة وعدتهم بالانعتاق والحرية والرفاه ثم تحولت الى كابوس لا ينتهي بل يؤدي الى الهروب من الهول والتيه في غياهب المجهول. يتحول الفضاء العام تدريجياً إلى مصدر خوف وهلع يهدد بالخطر. أما القصص المتبادلة في شكل حواراتٍ أو مونولوغاتٍ، فتعكس أشكال العنف التي تمسّ العلاقات الجندرية الشخصية، والجيلية، والمهنية. كل هذه الحقول الدلالية تجسَّد ببراعة عبر كتابةٍ مسرحية تعتمد على تجاور اللوحات المرئية والسرديات الذاتية والحوارات فتنتقل بشكل خطي من حالة الى اخرى منتهجة تكثيف عناصر التصعيد والتوتر.
«الهاربات» عرضٌ يأسرُ المتفرّج بثراء بنائه المشهدي الذي يتأرجح بين عناصر مركبة ومتشابكة. يتناوب فيه الحوار والمونولوغ، الحركات الفردية، اللوحات الكوريغرافية، وديناميكيات الكوروس (الجوقة)، التي تستمد مرجعياتها الجمالية من البيوميكانيكا.
تتضافر هذه العناصر البصرية المتنوعة في بناءٍ يشبه اللوحة الجدارية، حيث يتحول الفضاء المستطيل إلى إطار تعبيري يحتضن أسئلةً وإشكالياتٍ متجاورة، تُترجمها الأشكال والألوان والإيقاعات المختلفة، المتباينة والمكملة لبعضها البعض. مثل هذا البناء يتطلّب إدراكاً دقيقاً لأنظمة النص الإبداعي، في بعديه اللفظي والجسدي المادي.

أبدعت المخرجة وفاء الطبوبي في الإمساك بخيوط هذا النسيج المسرحي المتعدّد الإيقاعات، من خلال التنويع في الصور السمعية والبصرية، بين التسارع والتباطؤ، بين اللقاء والانفصال، مجسّدة عبر أجساد الممثلات الخمس (فاطمة بن سعيدان، لبنى نعمان، منيرة زكراوي، أميمة البحري، وصابرين عمر) والممثل الوحيد (أسامة الجنايني) قلق الضياع والتيه في البحث عن الخلاص.
الاختيار السينوغرافي جاء مدهشاً في بساطته: ممرات ضوء، رصيف يظهر في خلفية أحد المشاهد، لافتات طريق تشير أولاً إلى «الطريق الممنوع»، ثم «أشغال جارية»، وأخيراً «توقّف». من «المنع» إلى «التوقّف» تتجسد رحلة الأمل في الخلاص عبر شعاع ضوء يمتد من الخشبة إلى القاعة، ليشير مباشرة إلى الجمهور بوصفه المسؤول الحقيقي عن تجاوز المأزق. ولعل هده الاشارة التي تأتي في نهاية العرض تحمل شحنة كبيرة من الأمل في المستقبل ومن الايمان بقدرة الجمهور على تغيير الوضع الى الأفضل. وهنا يكتسي العرض بعده البرشتي التعليمي، باعتبار انه يعتمد تقنيات المسرح الملحمي من جهة فيدلل على مواطن الأزمة الاجتماعية والسياسية ويشير الى سبل الخلاص.
هذه السينوغرافيا المجرّدة تنسجم تماماً مع المفارقة الجمالية التي يقوم عليها العرض: التناقض بين الطابع التجريدي للحركات الجسدية التعبيرية واللوحات الكوريغرافية الميكانيكية، وبين المقاطع الحوارية أو السردية المكثفة، حيث يطغى الخطاب المباشر والإشارات الواقعية الاجتماعية، فيغوص العرض في تمثيلٍ نفسيٍّ واقعيٍّ.
تتضافر كل هذه المكوّنات لتعيدنا إلى الواقع الاجتماعي، إلى المعاناة اليومية للنساء الكادحات والتائهات، وللرجال أيضاً، جميعهم عالقون في متاهة البحث عن الذات، والوجود، والكرامة.
هذا العمل الذي يحمل توقيعاً أنثوياً — من العنوان إلى الأغلبية النسائية الساحقة في التوزيع (خمس نساء مقابل رجل واحد) — يضع مسألة الجندر في قلب الأزمة الاجتماعية، من دون أن يثقل الخطاب أو يتحول إلى منبرٍ للمظلومية النسوية، بل يركّز بذكاء على الوضع الاجتماعي والمهني لكل شخصية.

يبرز هذا التركيز من خلال الأداء الباهر للممثلات: فاطمة بن سعيدان تقدم مونولوغاً حركياً ولفظياً مدهشاً وهي تروي تفاصيل الأعمال المنزلية التي تقوم بها يومياً لدى مخدومتها؛ يتحول جسدها إلى آلة تفكك كل حركة وكل فعل بشكل متكرر وآلي تقريباً. مشهد آخر مدهش تؤديه لبنى نعمان بدور العاملة على آلة الخياطة: يبدأ السرد ببطء ثم يتسارع تدريجياً إلى أن يندمج جسد الممثلة في جسد الآلة. أما أداء الممثلة الكبيرة منيرة الزكراوي فقد اعتمد من البداية الى النهاية على الأداء الجسدي الحركي مع قليل من الجمل المنطوقة التي تأتي خاصة لتحديد ملامح الشخصية وتنافسها مع بنت جيلها خادمة المنازل ورغبتها هي أيضا في قيادة المجموعة نحو الهدف. كما توفقت المخرجة وفاء الطبوبي في انشاء ديناميكية وانصهار جماعي وانسجام حركي ساهم في ابراز الحضور الركحي الملفت ودقة الأداء المسرحي لصبرين عمر وأميمة بحري وأسامة الحنايني مما أسهم في تذويب الفوارق بين عناصر المجموعة مهما كان جيلها وجندرها وموقعها الاجتماعي. تُتكرر لحظات التألق والبراعة الجماعية هذه في شكل كورالي، أحياناً في حركاتٍ هزلية، وأحياناً أخرى في دواماتٍ طاردة وجاذبة فينتج عنه نسيج متباين الأنساق والايقاعات بين اللوحات تتناوب فيه لحظات التوتر القصوى مع فترات الارتخاء القصيرة.
يزداد الإيقاع توتراً كلما غاصت الشخصيات في متاهة المدينة المهدِّدة. اللوحة الأكثر ديناميكية تتميز بدقة مذهلة في التزامن والسرعة: كل شخصية تقطع جزءاً من الطريق مضاءً بمصابيح تُشكّل خطوطاً قطرية، مائلة، متقاطعة، أفقية، في كل الاتجاهات، إلى أن ينفجر الفضاء بطاقةٍ حيويةٍ تنساب إلى الجمهور كما لو كانت سحراً.
وفي المحصلة فان مسرحية الهاربات جاءت لتؤكد سعة التمكن من الصنعة المسرحية ومن مرجعياتها ومن أسسها وتراثها بما حملته من توازنات بين المبنى والمعنى وبين الغوص في معضلات المجتمع وقضايا النساء والرجال من التيه واستلهام سبل النجاة من جهة وبين هاجس الامتاع والاشباع الجمالي لجمهور المسرحية.



