مقالات

النساء أسرى ديستوبيا لا وعي الأب.. حيث لا مكان للخروج !/ د. أحمد مجدي

في غرفة مغلقة لا يدخلها الشمس، حيث لا ترى فيها سوى بعض الكراتين المتراصة فوق بعضها، ومعلق على جدرانها عبارات مثل؛ ممنوع الدخول ومنطقة عمل، حتى تبعد أعين الجميع عنها، لكي لا يدخلها أو يطأها أي دخيل من الخارج، تعج الحجرة بعشرات من علب مبيدات الحشرات الفارغة التي يستخدمها الأب والابنة في طرد الحشرات والقوارض التي تتسلل إلى تلك الغرفة عبر الشقوق الكثيرة في الجدران المتصدعة، يقوم الأب بعمله فوق مكتب متهالك يستقر في مستوى أعلى نسبيًا عن خشبة المسرح، لتوضيح فكرة السيطرة الأبوية على الابنة، حيث توجد الابنة داخل صندوقها الخشبي في الأسفل منعزلة عن العالم الخارجي، تحاول الفكاك من سطوة الأب ولكن عبثًا أن تتمكن من ذلك، فهي ليست خاضعة لقوة الأب أو سيطرته الجسدية فقط، وإنما لأفكاره اللا واعية عن العالم الخارجي المليء بالوحوش والحشرات والخيانة والبغضاء والحروب، لدرجة أن تتحول تلك المخاوف المتنامية داخل عقل لا واعٍ مضطرب أضناه التفكير والتعب إلى تجسيد مرئي في صورة حشرات وقوارض وثعابين تظهر على المسرح عن طريق تقنية الفيديو مابينج Video Mapping، وإذ بها تنهش في طفولة الابنة وحريتها وعقلها قبل أن تنهش في جلدها الرقيق، الذي يعاني كل دقيقة من لدغات الحشرات وملمسها المقزز عليه، التي لا توجد في الحقيقة ولكنها تتجسد في صورة هلاوس داخل عالم ديستوبي يعج بكل أنواع الموبقات والخيانة والعنف، ليسأل الجمهور نفسه أثناء المشاهدة هل هذا حقيقي أم أنها هلاوس وجنون اضطهاد واضطراب نفسي لدى الأب؟

استقبل مسرح الغد العرض المسرحي “الخروج” للمخرجة الواعدة ساندرا سامح، وهو من تأليف الكاتبة التركية عدلات أغا أوجلو، تصميم إضاءة محمود علاء وديكور إسلام جمال، فيدو مابينج إبراهيم أبو بكر، ومصطفى فجل وأشعار خالد توفيق، وآداء حركي أحمد حسن. حيث يشارك العرض في مهرجان إيزيس لعام 2025، ويقدم رؤية بصرية فريدة تمزج بين علم النفس وفلسفات مسرح العبث، والتقنيات الرقمية، حيث يتحول المسرح في لحظة إلى شاشة عرض عملاقة ينتشر داخلها آلاف الحشرات والقوارض جيئة وذهابًا لتوضيح أفكار العرض الفلسفية الخاصة باضطراب الأب وتحويله لمخاوفه الدفينة من العالم الخارجي الديستوبي بالنسبة له لتجسيدات علاماتية مرئية أمام الابنة، التي تود الخروج من الغرفة المغلقة أو بمعنى أدق الخروج من لاوعي الأب ومخاوفه التي حوّلت عالمها إلى عالم وحشي لا تشعر فيه سوى بلدغات الحشرات وظهور كيانات مروعة، حتى لو لم تكن موجودة في الحقيقة.

وتكمن نقطة قوة العرض الرئيسية في استخدام تقنيات المسرح الرقمي بشكل متميز، حيث يظهر وجه البنت على الصندوق (عندما تدخله أحيانًا رغمًا عنا ويغلق الأب الصندوق عليها بإحكام) شاحبًا وعليه علامات الحسرة والمعاناة وذلك عن طريق تقنيات الفيديو مابينج، وكأن ذلك الصندوق قد تحول إلى حجرة تعذيب وترهيب وتحجيم لطفولة الابنة، التي أصبحت مثل الدمية داخل الغرفة المغلقة أو الصندوق الكبير نسبيًا، وكلما تحاول الخروج منه فإنها تصطدم بصندوق أصغر، يشبه صندوق الدمي، ليرتبط وجود الابنة النفسي المشوه في العالم بالانتقال من صندوق إلى آخر دون أدنى أمل للفكاك أو الخروج منهم، يزيد ذلك الشعور المعقد والمربك، أنها تمتلك بالفعل دمية بشعر أحمر ناري موقد يشع بالحماسة والرغبة، ولكن بعد برهة يختفي عندما تنكسر تلك الدمية وسط ضجيج الأحلام والأماني في الخروج من العزلة، ليصبح هنا الصندوق معادلًا بصريًا لصناديق المهرجين في السيرك، حيث تكشف فكرة المهرجين والعرائس في العرض حقيقة عبثية العالم وعدم واقعيته، وأننا أمام عالم كئيب ومأسوي وساخر يتغلف بالألوان البراقة في الظاهر فقط، وما يزيد الأمر غرابة هو أن الدمية تتحول لكيان حقيقي يجسد محاولات الابنة لاسترجاع الأم في صورة الدمية، حيث تذكر الابنة في أكثر من مقطع أن الدمية تشبه أمها، وحينها نسمع أقاويل من الأب ولا نتأكد من صحتها عن ثورة الأم عليه وانفصالها عنه بل وخيانتها له، ليظل الجمهور داخل حالة التشكيك في الحدث برمته، حيث تبرز ثنائيات الحقيقة/ الخيال، الحلم اللا واع/ الواقع، ويتأرجح الجمهور معها حتى آخر العرض.

تتجسد الدمية في صورة طفلة صغيرة أحيانًا، وتلاعبها الابنة كما لو أنها طفلة حقيقية، لتكشف عن حاجة الابنة الماسة إلى التواصل مع ذويها في العالم الخارجي، ولكن سرعان ما تنتفض الابنة وتكتشف أن هذه الدمية خالية من الروح، تارة أخرى تتجسد الدمية في هيئة امرأة جميلة ذات شعر أحمر، تعانقها الابنة وترقص معها، ويبرز هنا الأداء الحركي المتناغم بينهما لتوضيح فكرة الرغبة في التواصل مع الآخر، وقد يكون هذا الآخر هو صورة حالمة تستحضرها الابنة للأم المفقودة، ولكن فجأة تختفي الأم بعد وصلة رقص مع الابنة وتعود لطبيعتها كدمية، ليجسد المشهد كله فقدان الابنة للتواصل مع العالم الخارجي، بعد أن تقطعت كل السبل في الوصال بينها وبين من حولها، يتغلف المشهد كله بإضاءة خافتة تارة ومظلمة تارة أخرى، للتأكيد من مخرجة العرض ومصمم الاضاءة على عزلة الابنة داخل لا وعيها الخاص الذي أفرز تمثلات بشرية للدمية الخاملة.

ما يزيد حالة العزلة داخل العرض لعبة التقمص التي يقوم بها الأب حيث يرتدي في بعض الأحيان قناع وملابس دمية عجوز شمطاء ويبدأ في تقليد صوتها ليحكي للابنة حكايات غريبة لا يبدو لها أي منطق سوى الرغبة في ملء فراغ الوحدة والعزلة التي تحيط به هو والابنة، حتى تظل الابنة دومًا منشغلة عن رغبتها ومطالبتها في الخروج إلى العالم الخارجي. وحالة التقمص لأشخاص آخرين لا تقف عند هذا الحد بل يقوم الأب باترداء قناع مهرج لكي يمثل دور جلاد، حيث يقوم بالوقوف في مستوى أعلى من الابنة، ويفصح عن قدرته في لعب دور الجلاد، بينما ترتعد الابنة خوفًا وهي في المستوى الأسفل وكأنها محكوم عليها بالإعدام وفي انتظار الحُكم، وهنا تبرع المخرجة في تجسيد مشهد يصور علاقة التحكم التي يمارسها الأب على الابنة، وتظهر هذه العلاقة بشكل بصري وحركي أمام الجمهور، قبل أن يوجه الأب كلماته للجمهور ويسألهم عن ماذا سوف يأتي بعد، فلا يجد ردًا من أحد، قبل أن يجيب ضاحكًا “أنه الصباح سوف يأتي بعد عدة ساعات” وكأنه في استعراض هزلي يُظهر فيه حنكته وسيطرته الزائفة على الأمور داخل الغرفة المغلقة، وهو أمر مقصود على ما يبدو من المخرجة حتى يتقمص الجمهور احساس الذعر الذي ينتاب الابنة في هذه اللحظة، فالجميع محكوم عليه بالعزلة والاعدام في هذه الغرفة الصغيرة من هذا المهرج المهووس، وهو ما يتناسب مع فضاء مسرح الغد الدائري الذي يُشعر الجميع أنهم في نفس حلقة الغرفة المغلقة.

وفي سياق مشابه لمسرحية بيت الدمية لهنريك ابسن تثور الابنة على الأب في النهاية وتخرج إلى العالم الخارجي، لترى هالة مشرقة من الضوء تتأكد منها أن هناك عالمًا جميلًا في الخارج يعج بالأطفال والبنات من ذويها، فتعود لتزف الخبر السعيد إلى الأب بعد أن عرفت طريق الخروج، ولكن هل سيجدي ذلك نفعًا أم فات الأوان على الخروج، وأصبحت الشخصيات حبيسة هلاوسها ونفسها المتشظية وروحها الميتة في عالم الغرفة المغلقة؟

أظهر تلك الأحاسيس المعقدة التمثيل المتميز للثنائي خالد رأفت في دور الأب، والموهبة الفريدة أميرة راشد في دور الابنة، حيث قامت بتجسيد شعور الوحدة والعزلة والخوف، بوجهها الطفولي الذي يشع رغبة وحاجة إلى الخروج واستكشاف كل ما هو جديد، لتقدم مزيج سحري بين كل شيء ونقيضه: الطفولة والتمرد، البراءة والرغبة، الخوف والأمل، وذلك بأداء مميز يجمع بين الهيستيريا والجنون مغلف بلمحة بريئة من الهدوء الذي يسبق العاصفة الثورية على جميع القوانين الأبوية. بينما أحكم خالد رأفت قبضته على مفاتيح الشخصية المركبة لشخص يعاني من الذهان والانفصال عن واقعه المحيط، فيبدأ في تصديق خياله ويتعامل معه بمنطق الواقع، فيظهر في أداء قوي ثابت يجمع بين الصرامة والجدة التي تصل إلى حد شعور الجمهور بالرعب منه في بعض اللحظات وهو يخاطبهم أثناء تقمصه دور الجلاد، وبين الضعف الأبوي أمام الابنة في بعض اللحظات الأخرى، ويظل صراع الصرامة والضعف داخله مستمر طول العرض.

في النهاية تنجح مخرجة وسينوجراف العرض ساندرا سامح في تقديم حالة بصرية متميزة متكاملة مفعمة بالتوتر والقلق طيلة دقائق العرض، لتُظهر لنا عالم الشخصيات الديستوبي غير الواع النابع من خيالات وذهان واضطراب القلق و الوجودي داخل عقل الأب والذي تفشى بدوره إلى الابنة، ليسأل الجمهور نفسه في النهاية ماذا لو كل ما حدث هو مجرد خيالات في عقل مضطرب، وكنا في رحلة خيالية داخله، رحلة يشوبها عدم الطمأنينة والترقب وانتظار الحشرات التي لن تأتي مثلما لم يأتي جودو في مسرحية “في انتظار جودو” لصمويل بيكيت؟

يثبت العرض أن التضافر المحكم لفريق العمل من موسيقي وسينوجرافيا وديكور وملابس ومكياج وأداء حركي وإضاءة وفيديو مابينج وإخراج، أن هناك عروضًا مسرحية لها صبغة مميزة ترتقي لمستوى العروض الكبيرة،  حيث يحسب للمخرجة الشابة ساندرا سامح  اختيار نص من النصوص التركية غير المتداولة على خشبات المسرح المصري، لكي تقدمه في إطار فلسفي نفسي عبثي معقد وساحر، ينبأ بظهور مخرجة تمتلك أدوات فنية فريدة ومختلفة في فهم وتطويع فلسفات وأفكار النص بشكل بصري وحركي وجمالي وبأقل الإمكانيات المتاحة.

* د. أحمد مجدي/ ناقد وعضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي كلية الآداب جامعة عين شمس.

Related Articles

Back to top button