الإبداع لا يولد في الصفوف المغلقة/ زين العابدين السومري

أكتب إليكم اليوم بعتابٍ شديد، ليس كطالب يئن من الجفاف التعليمي، بل كمدرس خريج يعرف قيمة الفن وضرورته. كم أصاب بالإحباط وأنا أرى الفنون تُدرَّس بطرق بالية، بمحاضرات مملة، ونقد جامد لا يلهم ولا يحفز، وكأننا نسعى لتخريج آليين، لا مبدعين.
كيف يمكن لمؤسسة تحمل اسم معهد الفنون الجميلة أن تحوّل الفن إلى مادة دراسية جامدة؟
بدلاً من أن يكون الطالب باحثاً عن صوته الفني الخاص، يتحول إلى متلقٍ للأوامر، يُقاس نجاحه بمدى التزامه بالتعليمات، لا بمدى قدرته على الخلق والتجديد.
أنا المتكلم، لم أكن من العشرة الأوائل في المعهد، رغم أنني كنت أول طالب في الدفعة الأولى يقف على الخشبة، وأكثر من قدم أعمالاً ومشاركات قطرية، وحضرت في عدد من المهرجانات الدولية والمحلية، وحصدت جوائز عديدة. ومع ذلك، لم يكن ذلك معياراً للتميز في نظر المنظومة التعليمية، لأن المقياس عندهم هو الدرجات لا التجربة، والالتزام بالنصوص لا صناعة النصوص.
الفن ليس قواعد محفوظة أو روتينًا جامدًا، إنه حياة، روح، رؤية. وكل لحظة نقضيها في تدريس بلا شغف أو تطوير، نحن نهدرها نحن وزملاؤنا وطلابنا على حد سواء. كم موهبة ضاعت، كم حلم صُدم، وكم طالب فقد حماسه لأن الأسلوب القديم لا يعرف أن يواكب الحياة ولا الإبداع!
الفن بطبيعته ثورة على القوالب، لكن ما يحدث هو العكس تماماً: فرض قيود أسلوبية، وإلزام الجميع بخط إنتاج واحد، كما لو أن الإبداع سلعة تُصنع على خط تجميع.
حين تُعامل الطالب كطفل في المتوسطة، فأنت تقتل فيه الجرأة، وتجعله يهاب التجربة، وتُفرغ الفن من روحه.
كفوا عن التستر وراء المناهج والمواعيد! كفوا عن ربط الفن بالروتين! دعونا نعيد للنفس التعليمية روحها، أو سنبقى نخلق جيلاً بلا إبداع، يخرج من قاعاتنا بلا لون ولا حياة.
الإبداع لا يُدرَّس… بل يُحرَّر. والفن لا ينتظر، ومن يقتل التجربة الفنية يقتل معها مستقبل الفن ذاته.



