من التمثيل الى العلاج .. تجليات المسرح العلاجي/ تمارا هلال الزبيدي

يمثّل المسرح أداة فريدة ومؤثرة يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا في حياة جميع الافراد وخاصة أطفال التوحد، ليس فقط كعلاج مساعد، بل كوسيلة ترفيه وتعليم وتنمية شاملة. ومع الاهتمام والدعم المناسب يمكن للمسرح أن يكون جسرًا حقيقيًا بين الطفل والعالم من حوله. حيث يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات انتشارًا في العالم، ويتميز بصعوبات في التواصل الاجتماعي والتفاعل والسلوكيات المتكررة. وفي ظل البحث المستمر عن وسائل فعالة لتحسين جودة حياة الأطفال المصابين بالتوحد، برز المسرح كوسيلة إبداعية وتربوية يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة لهؤلاء الأطفال للتعبير عن أنفسهم وتطوير قدراتهم.
يشير عدد من الباحثين إلى أن اللعب التمثيلي يمثل أداة فعّالة في دعم قدرات الأطفال ذوي اضطراب التوحد، إذ يتيح لهم الفرصة لاكتشاف ذواتهم والتواصل مع محيطهم الاجتماعي. وفي هذا السياق، تؤكد جيهان فاروق (2018) في دراستها المنشورة بمجلة الطفولة والتربية أن: “اللعب التمثيلي يمنح مجالًا واسعًا للطفل التوحدي في أن يمارس بعض الأدوار، قد يكون ممثلاً، ناقدًا، معبرًا عن رأيه، أو متواصلًا بتعبيراته الإبداعية التي تؤكد على تفاعله وسط بيئته الاجتماعية… كما يكتسب الأطفال ذوو اضطراب التوحد من خلال ممارسة اللعب التمثيلي مهارات اجتماعية كالاستماع وتقبل الآخر” (ص. 274–310).
ويعكس هذا الطرح أن المسرح أو الأنشطة التمثيلية ليست مجرد وسيلة ترفيهية، بل هي مدخل تربوي وعلاجي يساعد الأطفال على تنمية مهارات التواصل، وتوسيع خبراتهم الإدراكية، وتأكيد حضورهم داخل الجماعة. ومن هنا تبرز أهمية إدماج المسرح المدرسي ومسرح الطفل كجزء من البرامج التعليمية والتأهيلية الموجهة لهذه الفئة.
فالمسرح كفن شامل، يستطيع أن يلعب دورًا كبيرًا في كسر الحواجز النفسية والسلوكية لدى أطفال التوحد، خاصة إذا ما تم توظيفه عبر مسرح الطفل والمسرح المدرسي بأسلوب مدروس ومتكامل. إدخال المسرحيات في العلاج لا يعزز فقط مهارات الطفل، بل يفتح له نافذة نحو العالم، ويمنحه صوتًا لطالما عانى من صعوبة التعبير عنه من حيث اعتماد المسرح على التفاعل، الحركة، التعبير الجسدي واللفظي، وهي عناصر تتحدّى الصعوبات التي يواجهها أطفال التوحد وتساعدهم في التغلب عليها تدريجيًا. فتحسين مهارات التواصل من خلال تقمص الشخصيات وتكرار الحوارات، يتعلم الطفل التعبير عن مشاعره بطريقة أفضل، كما يزداد إدراكه للغة الجسد ونبرة الصوت. وزيادة التفاعل الاجتماعي يتيح المسرح بيئة جماعية يتعاون فيها الطفل مع الآخرين، مما يساعد في تنمية المهارات الاجتماعية كالمشاركة، الانتظار، الاستماع والتفاعل مع الزملاء. اضافة الى تعزيز الثقة بالنفس ووقوف الطفل أمام الجمهور وأداؤه لدور محدد يعزز من شعوره بالإنجاز ويقلل من رهبة التحدث أمام الآخرين. ويفتح أمام الطفل أبواب الخيال، ويعلمه التفكير خارج القوالب النمطية، وهو أمر مهم لتحسين قدرته على التكيف وحل المشكلات.
وكذلك يشير البياتي وإيفان علي هادي بيرم (2015) أنه من خلال متابعة الأطفال لعرض مسرحي أو قراءة نصوص مسرحية، يتحقق لديهم تطور في الذكاءات الثلاث:
ـ الذكاء المجرد، مثل فهم المعاني والرموز؛
ـ الذكاء الميكانيكي، كتطوير المهارات الحركية؛
ـ الذكاء الاجتماعي، كالقدرة على التواصل وتكوين الصداقات.
حيث يقول المؤلفان:
“إن الأنواع الثلاث تتحقق من خلال مواظبة الطفل على مشاهدة الأعمال المسرحية وقراءة النصوص المسرحية… تمنحه مهارات حركية تجعله يتواصل مع المجتمع، وبالتالي تسنح له الفرصة في إيجاد مخرج للانطوائية التي هو عليها” (ص. 180–214).
وبذلك، يؤكد الباحثان على أثر المسرح كأداة فعّالة لتفعيل هذه الجوانب الذهنية والسلوكية لدى أطفال التوحد.
وبما انه ما زالت تجربة دمج المسرح مع العلاج السلوكي لأطفال التوحد في مراحلها الأولى في العديد من الدول العربية، بما في ذلك العراق. ومع ذلك، هناك مبادرات فردية من بعض المؤسسات التربوية والمراكز الخاصة التي بدأت بتقديم ورش تمثيل موجهة لهذه الفئة. من الضروري دعم البرامج المسرحية المتخصصة في المدارس والمراكز التي ترعى أطفال التوحد.
وتدريب المعلمين والممثلين على كيفية التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. وإشراك الأهالي في العملية المسرحية لزيادة الفعالية وتكرار التمارين في المنزل. فقد عانى أطفال التوحد من صعوبات متعددة في التواصل، والتفاعل الاجتماعي، وفهم المشاعر، مما يجعل اندماجهم في الحياة اليومية والتعليمية تحديًا كبيرًا. وقد أثبتت الفنون التعبيرية، وبالأخص المسرح، فعاليتها في تحسين هذه الجوانب. من هنا برزت أهمية مسرح الطفل والمسرح المدرسي كمنصتين فعالتين يمكن استثمارهما ليس فقط في الترفيه والتعليم، بل في العلاج والتأهيل أيضًا. فمسرح الطفل يعتبر مساحة آمنة للتعبير والانطلاق , من خلال تقديم عروض درامية موجهة للأطفال، تتضمن مضامين تربوية وإنسانية وفنية. ويمكن توجيه هذه العروض لتكون علاجية أو تعليمية لأطفال التوحد.
ومن خلال ما تقدم نستخلص بعدة نقاط مهمه :
ـ سرد قصص تحتوي شخصيات تشبههم أو تمر بتجارب مشابهة.
ـ استعمال المؤثرات البصرية والصوتية المدروسة لشد انتباه الطفل وتحفيز تفاعله.
ـ الاعتماد على التكرار البسيط والحوار البصري أكثر من الحوار الكلامي.
ـ تمثيل مشاهد تعزز القيم والتفاعل الاجتماعي (الاحترام، التعاون، الانتظار، الدور).
ـ إشراك الطفل في أدوار تمثيلية بسيطة مناسبة لقدراته (مثل تكرار جملة، أداء حركة).
ـ جعل الطفل جزءًا من فريق العمل (مساعد ملابس، حامل لافتة، مُصفّق…).
الهدف ليس الأداء المسرحي بحد ذاته، بل العملية التفاعلية، فالمسرح المدرسي يساعد الطفل على فهم النظام، الالتزام، ومهارات الإصغاء والتفاعل الجماعي وكيفية إدخال المسرحيات كوسيلة لمعالجة أطفال التوحد لدمج المسرح في العلاج والتأهيل، يمكن اتباع خطوات منهجية:
1. اختيار النص المسرحي بعناية
استخدام نصوص مبسطة، تحتوي شخصيات واضحة، ورسائل عاطفية أو سلوكية مفهومة. يمكن كتابة نصوص خاصة لأطفال التوحد تتناول مواضيع مثل: فهم المشاعر، تقبل الاختلاف، تنظيم السلوك.
2. التدريب التدريجي
يبدأ الطفل بمشاهد غير لفظية (حركات، مواقف بسيطة). يُسمح له بالتكرار والتوقف دون ضغط. يستخدم الدعم البصري (صور، بطاقات، إشارات) لفهم المواقف المسرحية.
3. الدمج مع الأطفال الآخرين
أداء مشاهد جماعية بسيطة تعزز التفاعل. يشارك في العروض دون تقييم أو مقارنة، بل بتشجيع وتعزيز.
4. تخصيص ساعة مسرحية أسبوعية ضمن اليوم الدراسي لأطفال الدمج.
5. إعداد ورش مسرحية بسيطة داخل الصفوف مع إشراف مختصين.
6. تنظيم عروض مغلقة داخل المدرسة، لاختبار تفاعل الأطفال بدون ضغط خارجي.
7. إقامة شراكات بين وزارة التربية والجهات المهتمة بذوي الاحتياجات الخاصة والمسرحيين.
يتضح من خلال ما تقدم أن المسرح، سواء في إطار مسرح الطفل أو المسرح المدرسي، ليس مجرد وسيلة للترفيه أو نشاط اللاصفي، بل هو أداة تربوية وعلاجية فعّالة يمكن استثمارها في تأهيل وتنمية قدرات أطفال التوحد. إذ يساهم في تحسين التواصل وتنمية الخيال، وتعزيز التفاعل الاجتماعي، إضافة إلى دعمه للثقة بالنفس والشعور بالإنجاز. كما أن إدخال المسرحيات ضمن البرامج التعليمية والعلاجية يشكل خطوة عملية نحو دمج هؤلاء الأطفال في البيئة المدرسية والمجتمع بصورة أوسع وأكثر إنسانية.
ومن هنا، فإن الاهتمام بالمسرح كجزء من استراتيجيات التربية الخاصة والعلاج النفسي للأطفال المصابين بالتوحد يعد ضرورة ملحة، تتطلب تعاونًا بين التربويين، والأخصائيين النفسيين، والمسرحيين، وصولًا إلى بناء بيئة تعليمية دامجة، تحقق لهؤلاء الأطفال فرصتهم الحقيقية في التعبير والاندماج..
________________________________________
الإحــالات:
(1): البياتي , شوكت عبد الكريم مهدي ,بيرم ,ايفان علي هادي .(2015). فاعلية نصوص مسرح الطفل في علاج مرضى التوحد . مجلة اداب الكوفة.
(2): فاروق،جيهان. (2018). اللعب التمثيلي وأثره على الأطفال ذوي اضطراب التوحد لمرحلة الطفولة المبكرة استهدافًا لتنمية مهارات التواصل وتأكيد القدرات الإبداعية والمعرفية. مجلة الطفولة والتربية، 35(1)



