لن نكون أدوات بعد الان لا تفقه سوى الموافقة ؟/ صباح رحيمة

قراءة في مسرحية (هاملت في المدينة )
تأليف :- الكاتب والمخرج (منير راضي)
اخراج:- د. عبد الرضا جاسم
سينوكرافيا العرض : سهيل البياتي
الموسيقى : حسين زنكنه
تمثيل : جاسم محمد
انتاج :- نقابة الفنانين العراقيين
مكان العرض :- باحة منتدى المسرح
جاء نص منير راضي (هاملت في المدينة) نابضا للعنوان الأدبي في ترادف جمل مثيرة وعبارات أقرب ما تكون الى الحكم والوصايا منذ إختيار الموضوع التي قلب فيها الكاتب معادلة السرد وقدم هاملت معاصرا وعاملا بعيدا عن الترف والحياة الناعمة ليدخل الى قفص المحاكمة حاكما وليس متهما يسلط الضوء على الجريمة في كل زمان ومكان من أي جهة ملك كان أو مملوك شريف كان أو حقير كبيرا كان أو صغير ليقف أمام سرير العهر يؤنبه ويرفع الستار عن معانيه في أنه منطلق الجريمة وأنه سرير الخيانة التي قدمت الكثير من الحمايات عبر التاريخ في مشاركتها للغدر والخذلان وايقاع الفريسة في شباك الموت وما حمله النص من اسقاطات حياتية عاشها الانسان منذ أول الخليقة وحتى قيام الساعة وجاء هاملت الانسان الذي يحقق في كل نفايات الرذيلة التي يمكنها أن تطيح بالاخيار وتلوث الفضيلة بأدران الشهوة والنزوة التي تكون الحياة أو المستقبل ثمنا لها للكشف لنا جوهرة عقولنا ويرفع عن أنفسنا عباءة الادعاء والتملق والمجاملات ويدين بذلك كل من ساهم وبأي نسبة في صنع تلك الجريمة وأية جريمة وأن يعطي للإنسان قيمته الحقيقة في الثبات على المبدأ ولا يبيع معتمده أو ما يدين به بمنصب أو ببضع ورقات وحياة فانية لا يبقى منها غير القبس ان كان مشعا أو كان في درك مظلم . وهنا استطاع الكاتب أن ينقل الأحداث من التاريخ ثم يعيدها في التفاتة ذكية بأن الجريمة لم تغادر هذا العالم ولن تزول الا بمغادرة الادران البشرية من قلب الانسان وروحه وتربية نزعاته واطماعه ليكون إنسانا. ليعيد علينا هاملت آخر عصريا في نفس قفص الحياة التي تحيط بها الأسلاك والوجوه والتماثيل المصنعة.
وكانت المعالجة الاخراجية للدكتور عبد الرضا جاسم متساوقة مع الأحداث ولم يفلت منه خيط التقلبات النفسية للشخصية وتعامل مع هذه الرؤية بشكل متماسك مدروسة بعناية استطاع أن يحافظ على رذم التحولات تلك بإنسيابية واقتدار متفاهما مع الأجواء التي ابتكرها المدير الفني ومع تلك التفاصيل بطريقة تنسجم وكل حالة حيث ابدع الاثنين في تركيبة مرئية أعطت أوكلها الفنية المبهرة دون مبالغة أو تقتير في ايقاع منضبط حتى النهاية ليعطي للكلمة نسغا آخر يتصاعد مع تصاعد الفكرة وينساب بانسيابها في تشكيل الأشياء( الاكسسوارات ) والأداء التمثيلي والمعنى لتكون منطلقا لتحريك عقل المشاهد وكسب تعاطفه ومفاجأته لتشكل في ذلك متعة بصرية تحسب للعاملين جميعا فكانت الإدارة الفنية قد أفلحت في تخيل ذلك النص وضعه في هذه الأجواء فيبدع الفنان سهيل البياتي مرة أخرى كما عهدناه في تقديم لوحة فنية شاركت في نسيج النجاح كما أن اختيار الموسيقى للأخ حسين زنكنه قد رافقت الأحداث وأعطت دفقا مضافا وفي توقيتات محسوبة جعلت من ملازمة النص والأداء عرضا مريحا متلائما ومقبولا, وكان عنصر الضوء فعالا في التناغم مع فواجع العرض واحساسه المتناغم مع زوايا المشهد البصري. وكان البطل لهذا العرض هو الركن الرابع الا وهو الجمهور الذي حضر بالرغم من حرارة الجو والمكان الضيق ولم نسمع ولا حتى همسة لآخر لحظة فكان جمهور مسرحي منضبط وذواق . والبطل الذي جسد شخصية هاملت الفنان جاسم محمد كان لحركات جسده والتحكم فيها والتفاتاته ونظراته في حساب دقيق استغل صوته الرخيم وأداءه بشكل يؤكد قدرته على أداء الأدوار الصعبة والمرهقة ففي 35 دقيقة يقف عليها على المسرح لوحده تؤكد ذلك وفي استطاعته على التلوين في حوار فصيح متناغم والحالة النفسية له دلالاته عند المختصين وكم كان بودي أن يغور في داخل الشخصية أكثر ويدخلنا معه في خضم تلك الأحداث ليثير مشاعرنا أكثر ويضعنا مكانه في مكانات كان بإمكانه أنه يسحبنا الى أجواءها في الصمت وخروج الحوارات من داخل روحه ليس من داخل تجويف الفم فقط وهو قادر على ذلك لو انتبه اليه أحد ونبهه بهذا وعلى الأقل هذا ما لاحظته أنا ولكن الكلمة الفصل التي قلتها وأقول لها وانا اقرأ مشاهدة العمل مرة واحدة أن الفريق هذا قد قدم لنا متعة بصرية تستحق أن تمثلنا في محافل مسرحية كبرى .
* صباح رحيمة/ مخرج عراقي



