المخرج البهلول بين واقعية الاحداث وغرائبية الاحلام/ يوسف السياف

عندما تتقاطع واقعية الحدث مع غرائبية الحلم تتوازن الصورة الجمالية بعيون ترصد وخيال يغزل الأحلام، عرض مسرحية (نهر من وسائد) – الحاصل على جائزة (الإخراج والموسيقا والتمثيل) في مهرجان ينابيع الشهادة المسرحي / الدورة 11 – للمخرج (جواد الساعدي) و إعداد الدكتور (عباس قاسم) عن نص مسرحية (المخدة) للراحل (سعد هدابي) وسينوغرافيا (هناء الساعدي) وموسيقا (أحمد الغزالي) وإضاءة (علي المطيري) ودراماتورج (احمد الحسني) – يقدم رداً أدائياً متفرداً، يجسد حركة متأرجحة بين الأرض والسماء عبر استدعاء أحلام غنية ومفعمة بالدلالات، كاشفاً عن أفقٍ جديدٍ يفتح نوافذ التأويل في عالم البهلول.

هذا الانتقال من واقع الحدث إلى خيال الحلم يستدعي ذاكرة تاريخية عميقة، إذ يستعير خطاب العرض لقب (البهلول) من شخصية بغداد تاريخية متمثلة بـ(جندب)، الذي اعتُبر مجنوناً في ظاهر الأمر، بينما حمل في داخله فقهاً وحكمةً وعقلانيةً تتجاوز زمانه، هذه الصورة الرمزية لشخصية (البهلول) لم تكن مجرد تمثيل لمجنون عابر بل تجسد إنساناً يصارع تناقضات عصره، ويشتبك مع أوجاعه وسلطاته.

استطاع تجسيد هذه الثنائية عبر توظيف النص برؤية ذكية، مستعيناً بإرث الشاعر الراحل (موفق محمد) لاستحضار صوت النهر وتشكيل ثيمة تعبيرية متماسكة داخل إطار المهرجان، هذا التداخل بين الرمز والواقع جعل من العرض لوحة بصرية خارجة عن السياق التقليدي، كان بهلولاً بحق لذكائه في التعامل مع الموجودات، فلم يمتطي القصبة وكأنها حصان ويزج نفيه في النسق/ القصر العباسي، بل امتطا الوسادة ودخل في عشوائية السلطة، حتى أصبح صوت الفقراء وجلاد السفهاء، ولم تكن الوسادة رمزا للراحة أو الاستسلام، بل جاءت رمزاً للحياة الزائفة وخطاباً مقاوماً ضد الآخر.

وما يعرف عن المونودراما صعوبة إخراجها، فالتجأ إلى سلخ انشقاقات الشخصية كون خطاب النص قائم على شخصية (واحدة)، وادخل الممثل الثاني الذي اجاد تلك الانشقاقات ليقسم العبء الكامل، وخفف التوتر، وحافظ على الإيقاع والتنويع. وما يشكل دائما على التجربة المسرحية التي يمتطي قائدها مهام غير، لكن المخرج في هذه التجربة كان بهلول في التمثيل عارفاً ومدركاً لما يفعله، له قدرة عالية على التنويع في نبرات الصوت، تعبيرات الوجه، ولغة الجسد، إتقان التحوّل مضمناً أكثر من صوت أو بعد نفسي، حفاظ على التركيز والتوازن طيلة مدة العرض، لم يفرّط بالواقع تماماً، بل ولوّنه بسخريةٍ مرة، وتأملات فلسفية تجعل منه بهلول/ مرآةً حادة لعصرنا.

فلم تكن الاحداث غير منطقية في مجتمع كمجتمعنا إلى إنها غرائبية في المجتمعات النامية، إذ حمل الخطاب كسر منطق الواقع مستخدماً الرموز والمجاز، فتداخل الحلم بالواقع وهذا ما يبرر استعارة (البهلول) لهذه الشخصية والتخفي كبهلول تحت الجنون، في بيئة زمنية أو مكانية غامضة، على الرغم من أن الواقعية يصور الحياة كما هو، تصور الغرائبية الحياة كما قد تبدو في حلم، كابوس، أو شعور داخلي مضطرب.
كان بهلولاً في الإخراج عبر تحريك نفسه كممثل بأسلوب إبداعية جمالي جنب الرتابة، وتعامل مع الزمن بشكل ذكي عبر المناجاة الداخلية والتخيل والمباشرة، وهذا ما أظهر احترافيه في الممثل وعبقرية المخرج والتعامل مع هكذا نصوص، فتترك أثرًا عميقًا لدى المتلقي، لأنه اعتمد على الصدق الداخلي والتجربة الإنسانية المركّزة.




