مقالات

نوسطالجيا عاطفة الأمس روح شالة لأمين ناسور في حضرة “نوستالجيا الأمس، روح شالة”/ د.خالد امين

تجولتُ في رحاب موقع “شالة الأثير” بدعوة من الصديق الفنان أمين ناسور، وكأنني أسير في حلم يقظة. قبل أن يسدل الليل ستائره، طفنا في جنبات المكان، نستشف أسراره وهمساته القديمة. ثم، انغمستُ في العرض الأول، جزءًا من جمهور تواق لتجربة تحاكي الذاكرة والروح. ومع انتهاء العرض الأول، تحولتُ إلى ظل يراقب، لأشهد العرض الثاني من زاوية أخرى، حيث الأشباح الطيفية التي تسكن المكان وتوجه خطوات المؤدين بأرواحها الخفية، وحيث طائر اللقلاق الحارس الأمين يترقب من علياء مقامه. كانت رحلة ساحرة عبر الزمن والوجود، بين ثنايا الماضي والحاضر، في قلب مدينة تستنطق التاريخ.

Peut être une illustration de ‎3 personnes et ‎texte qui dit ’‎نوستالجيا نوست NOSTALGIA CHELLAH 23米(SY.C 2 E IC e M ..อ ٪۴‎’‎‎

في رحاب فينومينولوجيا الذاكرة المكانية: أداء التراث وسؤال الاستدامة الثقافية

تبدو شالة، في عمق بنيتها الأنطولوجية، كموقع مُتعدِّد الأبعاد يتجاوز الحضور المادي الصرف، مُختزلًا في جوفه تناسجا تاريخيًا للحضارات المتعاقبة، ومُجسِّدًا في صيرورته الزمنية ذاكرة مُمتدة تتردد أصداؤها عبر القرون. إنها ليست مُجرَّد مُجمَّع أثري جامد، بل هي “كيان ثقافي حي” مُحمَّل بدلالات رمزية وشبحية مُتأصِّلة، يستدعي تمثلات الماضي بتنوعها وتداخلها، مُتحولًا إلى حقل فينومينولوجي مفتوح لتجليات الذاكرة المكانية المُعاشة. وقد تجسدت هذه الروح الكامنة في ثنايا هذا الفضاء التاريخي، الذي حظي باعتراف دولي لقيمته الحضارية الاستثنائية، ببراعة مُلهمة في فرجة “نوسطالجيا عاطفة الأمس (روح شالة)”، لتُعيد تأسيس العلاقة بين الفعل الأدائي والفضاء التاريخي والذاكرة الجماعية ضمن سياق التجربة الفنية المعاصرة، مُرتقية بذلك إلى مستوى التأمل الفلسفي في ماهية التراث وإعادة إنتاجه. إن مفهوم المكان في هذه الفرجة يتجاوز مجرد التحديد الجغرافي ليُصبح فاعلًا مُشاركًا في العملية الإبداعية، كيانًا حيويًا يُؤثِّر ويتأثر في ديالكتيكية مُستمرة ودراماتورجيا مفتوحة. فشالة هنا ليست مُجرَّد إطار مُحيط بالأداء، بل هي “نص” مُتعدِّد الأصوات، يستدعي قراءات وتأويلات مُتجدِّدة عبر لغة الجسد والصوت والصورة، مُنتجًا بذلك حوارًا تفاعليًا بين الماضي والحاضر. هذا التحويل للموقع من مُجرَّد وعاء مُتلقٍّ إلى شريك وجودي مُنتِج يُعمِّق من فهمنا لمفهوم “أماكن الذاكرة” (lieux de mémoire) الذي صاغه المؤرخ الفرنسي بيير نورا، حيث يتحول المكان إلى مُستودع ديناميكي للذاكرة الجماعية، نابضًا بالحياة من خلال التفاعل الحسي والفكري للجمهور، مُنتجًا بذلك تجربة وجودية مُشتركة تتجاوز حدود اللحظة الآنية.

Peut être une image de 5 personnes et mariage

تُشيِّد شالة سردًا تاريخيًا مُركَّبًا من خلال بنيتها الطبقية، حيث تتداخل آثار الفينيقيين والرومان والمرينيين لتُشكِّل “نصًا” تأسيسيًا للفرجة، بمثابة سجل أركيولوجي حي يروي حكايات الحضارات المُتلاحقة. فأداء المخرج المتألق أمين ناسور وفريقه الفني والتقني الذي يضم ثلة من خيرة المبدعين هنا لا يكتفي بسرد وقائع التاريخ، بل يُجسِّد هذا التناسج الحضاري بصورة محسوسة، مُتيحًا للجمهور إمكانية “قراءة” طبقات التاريخ بصورة مُجسَّدة وفكرية، وكشف النقاب عن البصمات الزمنية المُتراكمة في ثنايا المكان. هذا النهج يُحوِّل الفترات التاريخية المُجرَّدة إلى حقائق مُعاشة، مُرسِّخًا فهمًا فينومينولوجيًا أعمق وأكثر تجسيدًا لمفهومي الذاكرة والزمن في وعي المُشاهِد، مُستدعيًا بذلك إحساسًا بالاستمرارية التاريخية. علاوة على ذلك، فإن إدماج العناصر الطيفية والروحية في شالة، من خلال رمزية جوقة الأشباح المنتشرة في الأرجاء، وطائر اللقلاق (الذي يرمز إلى البدايات الجديدة، والخصوبة، والإخلاص، والرعاية الأبوية، والنقاء، والأمل) يُشير إلى سعي الفرجة للتفاعل مع التراث المادي واللامادي للموقع على حد سواء، مُتجاوزة بذلك حدود الحقائق الأركيولوجية والتاريخية لتشمل الهالة الروحية للمكان وسُكنى الأرواح، مُضفية بذلك بُعدًا أنطولوجيًا يتجاوز الوصف التاريخي. هذا التمازج بين المقدس والدنيوي يُثري تجربة الجمهور، مُنتقلًا بها من مُجرَّد مُشاركة فكرية إلى اتصال وجداني شمولي، وربما روحاني، بالمكان، مُعزِّزًا بذلك مفهوم “أماكن الذاكرة” بوصفها مواقعا للحقائق التاريخية والمعتقدات الجماعية والأساطير والروح الدائمة للمكان.

تتبنى دراماتورجيا أمين ناسور مُقاربة إبداعية تتخطى القيود الدراماتورجيا التقليدية، لتُحوِّل الموقع إلى مُكوِّن أساسي وفاعل في التجربة الفنية. فالموقع هنا ليس مُجرَّد فضاء للعرض، بل هو شريك وجودي في الفعل الإبداعي، يتحول إلى “نص” يُعاد تأويله وتفسيره وإعادة كتابته من جديد من خلال لغة الأداء العابرة للحدود بين التخصصات الفنية. ويُستهل العرض بتقنية “الفيديو مابينغ” على بوابة شالة، ليُعلن عن الموقع كمدخل إلى عوالم الماضي. وتُستخدم مواقع مُحدَّدة داخل موقع شالة بوصفها مسارحا مُصغَّرة للأحداث التاريخية، مما يُرسِّخ تجربة حسية وغامرة مُتعددة الطبقات عبر الزمن. يعتمد الأداء على آليات المسرح الغامر والبيئي، لخلق تجارب مُعاشة وحميمية مع المكان، حيث تُصبح حركة الجمهور جزءًا جوهريًا من العرض، مُحوِّلًا إياهم من مُتلقِّين سلبيين إلى مُشاركين نشطين في بناء المعنى. وتُستخدم عناصر حسية مُتنوعة، مثل المؤثرات الصوتية المُحيطة والأطياف المرئية العابرة، لإثراء التجربة واستحضار أشباح الماضي الساكنة في المكان. كما تُبرز الفرجة توليفة إبداعية بين فنون التركيب والأداء والمسرح البيئي، حيث يعمل “القناع” كشخصية رمزية وراو محوري يوجِّه مسار التجربة الغامرة، بينما تُضفي عناصر الرقص والطقوس بُعدًا جماليًا ورمزيًا عميقًا يُلامس الوجدان. إن تصميم الأداء، الذي يمنح الجمهور “قوة الفعل” ويُشجعهم على المُشاركة الفاعلة، يُحوِّلهم إلى “مُؤلِّفين مُشاركين” في إعادة صياغة السرد التاريخي والذاكرة الجماعية. هذا التوجه يتحدى النماذج التربوية التقليدية للتاريخ، مُنتقلًا من التلقين المعرفي إلى التعلم التجريبي والتجربة المُجسَّدة، ليُؤكد أن عمل الذاكرة هو سيرورة مُستمرة وديناميكية، وليست مُجرَّد مُستودع ثابت للمعلومات.

Peut être une image de 1 personne et estrade

بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام “القناع” كروح مرشدة للمكان ودمج “طقوس روحانية” يُضفي على استعادة التاريخ بُعدًا احتفاليًا وشبه مُقدَّس، مما يُعمِّق الرابطة العاطفية والروحية بالماضي. يُقدِّم عرض “روح شالة” سردًا تاريخيًا مُتعدِّد الأوجه، يتنقل ببراعة بين حقب زمنية مُختلفة، مُستحضرًا ذاكرة الرومان والأمازيغ والمرينيين، مع إشارة مُوجزة إلى العصر العلوي، مُشكِّلًا نسيجًا تاريخيًا مُتكامِلًا يُبرز استمرارية الهوية المغربية عبر تعاقب الحقب. ففي الحقبة المرينية، يُرسم مشهد عودة شمس الضحى من الحج واستقبالها بالزغاريد والبهجة، ليُبرز قيم تلك الفترة من استقرار وازدهار واهتمام بالعلم. ويُعد استقبال لسان الدين بن الخطيب تجسيدًا للحيوية الفكرية والفنية للبلاط المريني. أما في المواجهة الأمازيغية الرومانية، فيُصوِّر السرد فترة حكم بطليموس يوبا الثاني كزمن سلام، ثم ينتقل إلى اغتياله من طرف الإمبراطور كاليغولا والثورة الأمازيغية بقيادة إيدمون، مع إبراز الدور المحوري للمرأة الأمازيغية في المقاومة. ويُختتم العرض بإشارة مُوجزة إلى الإرث العلوي، ممثلة في شخصية “لالة أم سيدي”، لربط التاريخ العريق بالدولة المغربية المُعاصرة. ويضطلع “القناع” بدور المرشد الأساسي، بينما يُقدِّم باقي الرواة من الحقب المُختلفة سياقًا تاريخيًا ووجدانيا مُعمَّقًا. إن التركيز المُتعمَّد على السرد الأمازيغي للمُقاومة يُعد عملًا من أعمال الاستعادة الثقافية والتمكين، مُنْطِقًا الفاعلين التاريخيين الذين قد تُهمَّش مساهماتهم في الروايات التقليدية، ويُعيد قراءة التاريخ من منظور ديكولونيالي مُغاير.

وتُمثِّل “فرجة شالة” تجربة استثنائية في تفاعل الجمهور، حيث يُنظر إليهم كعناصر فاعلة في صياغة الذاكرة المُشتركة. فمسار العرض يُوجِّه الجمهور في حركتهم ومُشاركتهم، مُحوِّلًا إياهم من مُتلقِّين سلبيين إلى مُشاركين نشطين في بناء المعنى. ويُشرك الأداء حواسًا مُتعددة، ويُعزِّز التفاعل الفكري من خلال السرديات التاريخية والشعر والمُناقشات الفلسفية. ويُوظِّف الرواة لغة تربط الماضي بالحاضر، ويُجسِّدون الموقع نفسه، مما يُشجع الجمهور على التأمل في علاقته الراهنة بالماضي. كما أن التركيز على الحركة الجسدية عبر الموقع، والتحفيز الحسي، والخطاب المباشر، يُحوِّل التعلم التاريخي إلى تجربة مُجسَّدة وعاطفية، ويُعمِّق ارتباط الجمهور بالذاكرة، مُنتجًا بذلك تجربة مُعاشة تُرسِّخ المعنى في الوجدان.

Peut être une image de 3 personnes et texte

وعلى الرغم من إمكاناتها التحويلية، تواجه هذه الأنماط من الفرجات الخاصة بالمواقع تحديات فريدة تتعلق بصعوبة الأرشفة، وإدارة التوازن الدقيق بين الدقة التاريخية والتفسير الفني، والاستدامة كقوة ثقافية ديناميكية. ويتطلب الحفاظ عليها وتطويرها استراتيجيات مُبتكرة للتوثيق الرقمي المُتكامل، وإدارة توقعات الجمهور من خلال الحوار والتوعية المُستمرة، وتأمين الموارد المالية والتطوير الإبداعي المُستدام للمحتوى، ودمج الاكتشافات التاريخية الجديدة لإبقاء العرض حيويًا وجاذبًا. وفي الختام، تُقدِّم “فرجة شالة” للمخرج الرائد والمجتهد أمين ناسور نموذجًا فريدا للفرجة الخاصة بالموقع وللأداء المكاني المُبتكر، يُعيد تشكيل العلاقة بين الفن والفضاء والذاكرة. إنها تُحيي شالة كـ “مكان حي للذاكرة”، وتُمكِّن الجمهور من الانخراط الحسي والفكري مع تاريخ المغرب المُتعدِّد الأوجه، وتُعزِّز فهمًا فينومينولوجيًا أعمق للهوية العابرة للحضارات، وهي دعوة للتأمل في قوة الأداء في إعادة تمثيل الماضي وتشكيل الحاضر، مُؤكدة على أهمية التفاعل الديناميكي والتعاوني مع التراث الثقافي.

ديناميكية التراث: استراتيجيات مُستدامة للسياحة الثقافية وتنمية القدرات الفنية:

على سبيل الختم ولتحقيق أقصى استفادة من الأثر الثقافي والتاريخي لفرجات المواقع مثل “روح شالة”، وضمان استدامتها وتعزيز السياحة الثقافية وتشغيل خريجي المعاهد الفنية والجامعات، يلزم تبني استراتيجية مُتكاملة تشمل إدراج هذه العروض ضمن المسارات السياحية الرسمية والترويج لها باحترافية، وتطوير عروض سياحية مُتكاملة بالشراكة مع منظمي الرحلات، بالإضافة إلى تأسيس فرق فنية مُستدامة من الخريجين وتوفير برامج تدريبية مُتخصِّصة وصناديق دعم للفرجات الثقافية الخاصة بالمواقع الأثرية، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتوفير التمويل وضمان الاستدامة الاقتصادية، مع التركيز على تعزيز البُعد التربوي والثقافي من خلال تصميم عروض خاصة بالمدارس وتوفير مواد تعليمية مُرافقة وتنظيم ورش عمل تفاعلية، فضلاً عن توفير ترجمة مُتعددة اللغات للزوار الأجانب، مما يُساهم في تنمية السياحة الثقافية المستدامة، وتوفير فرص عمل مُستدامة للفنانين والتقنيين، وتعزيز الوعي بالتراث الوطني والارتباط به لدى مختلف الشرائح.

Peut être une image de 10 personnes

(الصور للفنان عبد العزيز الخليلي)

Related Articles

Back to top button