النقد المسرحي أمام الذكاء الاصطناعي…ورطة أم انفتاح؟ / د. عماد هادي الخفاجي

حين يواجه النقد المسرحي الذكاء الاصطناعي لا يعود السؤال محصوراً في حدود الأدوات المستخدمة بل يتجاوزها ليطال جوهر العملية النقدية نفسها، إذ تُعاد صياغة المسلمات التي طالما استند إليها الناقد بوصفه المرجع القيمي والجمالي وتُطرح بإلحاح مسألة الجهة التي تملك حق التفسير والتقويم ومن يُخول بمنح العمل شرعيته الجمالية أو مساءلته على نحو مشروع… فهل لا يزال الناقد وحده من يملك هذا الامتياز؟ أم أن الذكاء الاصطناعي يقترب ليشاركه سلطة الحكم؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البنى السردية وتفكيك العناصر المشهدية واستحضار مئات المراجع في لحظات بل وحتى اقتراح تأويلات جديدة قد لا تخطر على ذهن ناقد بشري، فهل نحن بإزاء تهديد فعلي لمكانة النقد المسرحي أم أمام انفتاح جديد يعيد تعريف العلاقة بين الناقد والنص في ضوء وسيط ثالث؟ وهل يكمن الخطر في التقنية ذاتها أم في ما تكشفه من تكلس بعض الممارسات النقدية التي لم تعد تُجاري سرعة التحولات؟ وهل بات على النقد أن يعيد النظر في أسئلته لا ليحمي حدوده بل ليواكب زمناً لم يعد يحتمل الإجابات الجاهزة؟ أم أن الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف ليس خصماً للناقد بل مرآة حادة تضعه أمام هشاشاته وأسئلته المؤجلة؟ لقد وُلد النقد المسرحي من رحم التفاعل الحي، من تلك المسافة الحساسة بين النص والعرض وبين العرض والمُتلقي، مسافة كان الناقد يقف عندها بوصفه شاهداً وفاعلاً يكتب من جسده ومن ثقافته ومن ذاكرته الخاصة والجمعية ولكن مع صعود الذكاء الاصطناعي بكل ما يملكه من قدرة تحليلية فائقة على التعلم والتصنيف واستحضار المرجعيات بلحظة واحدة، دخل النقد منعطفاً لم يعد بالإمكان تجاهله. وبعد هذا، فهل ما زال للناقد تفوق نوعي في قراءة العرض؟ أم أن الآلة بدأت تنازعه على سلطته وتُقدم في المقابل خطاباً نقدياً مبنياً على نماذج لغوية مدربة وقواعد معرفية هائلة؟
الورطة هنا ليست في أن الآلة تكتب بل في أن كتابتها بدأت تُقارب الكتابة النقدية من حيث البناء والأسلوب والاستناد إلى المقارنات، بل وأحياناً الحس الجمالي المصطنع، وبالتالي فأن هذا ما يربك موقع الناقد ويجعله في حيرة بين الدفاع عن الخصوصية البشرية وبين إعادة التفكير في معنى الفهم ذاته، فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل بنية العرض وتتبع رموزه وربط مشاهده بسياقات تاريخية وثقافية، فهل نحن أمام بديل معرفي أم مرآة رقمية تُعيد إنتاج ما نعرفه دون أن تُضيف إليه؟ إن الانفتاح على هذه المسألة لا يكون في قبول الذكاء الاصطناعي كتهديد بل في مساءلته بوصفه كياناً لغوياً قادراً على التكرار والتجميع لكنه لا يملك جسداً يتفاعل مع العرض ولا خبرة شعورية تحكمها الصدمة أو الخيبة أو النشوة. هنا يظل النقد البشري محتفظاً بنبضه طالما ظل قادراً على تحويل التجربة المسرحية إلى أثر وجداني وفكري لا إلى تقرير معلوماتي ومع ذلك لا ينبغي للناقد أن يختبئ خلف وهم التفوق البيولوجي بل عليه أن يعترف بأن الذكاء الاصطناعي قد كشف هشاشة بعض الممارسات النقدية التي كانت تقوم على الاجترار أو الانطباع المجرد وأن وجود آلة قادرة على المحاكاة قد يدفعه إلى مزيد من التأني ومزيد من التعمق وربما إلى مساءلة لغته نفسها، وهنا لا تكون الورطة في وجود الذكاء الاصطناعي بل في عدم جاهزية النقد لمواجهته بنزاهة فكرية وبمرونة معرفية تفتح الباب لاحتمالات جديدة في الكتابة، ومنها التشاركية مع الخوارزمية ذاتها أو تطوير أدوات قرائية أكثر رهافة واستبصاراً. وعليه فإن ما يبدو مأزقاً قد يكون في الحقيقة مرآة لانكشاف مزدوج، هو انكشاف الناقد على ذاته وانكشاف فعل النقد على بنيته، فبين الذكاء الصناعي والذكاء الحي يظل المسرح ساحة محتدمة لا لمن يصفها بدقة أكبر بل لمن يجرؤ على الإنصات لما لم يُقل بعد.



