مقالات

الجسد كصرخة والانتظار كهاوية وجودية… قراءة في عرض مسرحية(One Way)/ د.عماد هادي الخفاجي

في عرض One Way لطلبة قسم الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد (الدورة 37)، بقيادة المخرج محمد جدوع قُلبت الطاولة على المفاهيم المسرحية التقليدية، وتم اعادة بناء اللغة الجمالية من فتات الأسئلة، وغموض الإجابات، فالعرض لم يقدم حكاية بل فتح جرحاً وجودياً عميقاً موصولاً بقلق الإنسان العراقي الذي وجد نفسه محاصراً بين هشاشة الحاضر واستحالة الخلاص.

لا يتوفر وصف.

لم يقدم محمد جدوع قضية كما في المسرح الخطابي، بل عرى كينونة مهددة بالانهيار فمنذ اللحظة الأولى أدخلنا في مناخ شعري بصري محمل بالإحالات حيث الفراغ هو النص والتكرار هو المعنى والجمود هو الفعل، ونحن امام هذا لم ننتظر حدثا بل اختبرنا غيابه وكأن العرض يسخر من فكرة التقدم الزمنـي مكرساً مشهداً دائرياً يعيد ذاته بلا توقف كما لو أن الزمن السياسي في العراق توقف عند أول خيبة.

الخشبة لم تكن مكاناً للتمثيل بل مرآة مشروخة لحالة وطنية مأزومة، شجرة يابسة تتوسط الفضاء كرمز لوطن فقد حيويته، كراسي مبعثرة تشير إلى فوضى القرار أحذية تُمجَد كأنها بقايا كرامة وحقائب ملقاة لا تعد بشيء سوى بانتظار مؤجل. تلك الرموز ليست زينة بصرية بل مقاطع من نص موازٍ نُحت معناه من صمت الخشبة أكثر مما نُحت من حواراتها.

أما الجسد فهو النص الأول والأخير فقد تحرك متردداً وانكمش وانحنى وصرخ بلا صوت، ثم رقص… لا للفرح بل لأن الرقص وحده صار ممكناً بعد انسحاب المعنى، فشخصيات العرض تبدو كما لو أنها خرجت من رحم بيكيت لكنها لم تبق هناك بل هاجرت إلى أرض الخراب السياسي العربي، وتحديداً إلى جغرافيا عراقية تفرز الموت كما تفرز التنفس. لم يعيد محمد جدوع (في انتظار غودو) بل قوضها وُوسع أفقها، وحمّلها ثقلاً تأريخياً لا ينتمي إلى أوروبا ما بعد الحرب بل إلى شرقٍ لا تزال حروبه تتناسل فغودو هنا ليس ذلك المنقذ المنتظر بل هو صورة للهروب المؤجل والمطار المغلق في وجه المغادرة والحلم الغامض الذي لا يكشف عن ملامحه. والفرار في هذا السياق لا يعني النجاة بل هو مجرد رغبة يائسة في التبديل في كسر تلك الدائرة الجهنمية التي تعيد إنتاج القيد بأشكال مختلفة.

لا يتوفر وصف.لا يتوفر وصف.

ما فعله محمد جدوع في هذا العمل ليس تعليقا على الواقع بل استنطاق لفجيعة الإنسان العراقي في شرطه المعاصر. لا شيء يُقدم كخلاص، بل كل شيء يُعرَض كمأزق، إنه عرض لا يُشاهَد بل يُعاش، لأننا كمشاهدين في هذا العرض تحديدا لا نستطيع أن نفصل بين ذواتنا وخشبة المسرح، فأبطال العرض يشبهوننا، عبروا عن قلقنا، عن ضياعنا، عن شعورنا العميق بأننا بلا طريق، ومن هنا تحديداً تنبع قوة العرض في تحويل المسرح من فضاء لتسلية الفكر إلى فضاء لمواجهة الذات والاصطدام بجوهر الانسان بزمن الانهيار، وهي قوة لم تكن حبيسة الاداء فحسب، بل تجسدت ايضا في البنى الجمالية المصاحبة وفي مقدمتها الإضاءة، لقد شكل تصميم الإضاءة الذي قدمه الفنان عباس قاسم بُعداً جمالياً وفلسفياً متقدماً، حيث لم تكن الإضاءة مجرد كاشف للمشهد بل شريكاً في تشكيله وصوتاً بصرياً موازياً للحدث، فمن خلال توزيع الضوء، تقاطعه، كثافته، وزواياه الحادة، صارت الإضاءة تنسج معنى موازياً للحوار ترسم المأزق لا بشرح مباشر، بل بإزاحات شعرية للضوء عن وظيفته التقليدية، فالإضاءة عند عباس قاسم تتكلم، تحتج، تصرخ، تختنق، ثم تتلاشى، لقد كانت هي المنظور الآخر للانتظار، بل كانت تجسد حالة التوتر بين الرغبة في الرحيل واستحالة المغادرة، ولوحة الرحلات المضيئة دون وجهة كانت توثيقا مرئياً لخذلان الواقع، فالإضاءة لم تكن تتابع الممثلين بل تسبقهم أحياناً كأنها تكشف هشاشتهم أو تفضح قلقهم، وبهذا فقد تحولت الإضاءة إلى نص مستقل لا يقل بلاغة عن الأداء الجسدي مؤكدة أن العرض لم يكن بصريا فقط بل شعرياً في نسيجه الضوئي كذلك، لذا، يمكننا القول بان عرض One Way لا ينتمي إلى العبث فحسب، بل إلى ما بعد العبث إلى العدم السياسي حيث يتحول الإنسان إلى رقم، إلى جسد مستهلك، إلى وجود معلق على ناصية الانتظار. فالبقاء صار وجعاً، والرحيل صار خيانة، وما بين الاثنين تقف الشخصيات – ونحن معها – بلا جهة، بلا هوية مكتملة، بلا ملامح.

لا يتوفر وصف.

وبشكل مغاير عن الخاتمة التقليدية، اختتم العرض مشهده كما بدأ مفتوحاً على لا نهائية القلق حيث لا يُقترح حل ولا تُمنح نهاية، بل يُترك الانتظار مُعلقاً كحالة وجودية لا زمنية، لا يُكسر صمتها إلا صرخة… ربما لا يسمعها أحد…

تحية تقدير وامتنان لطلبة قسم الفنون المسرحية – كلية الفنون الجميلة، على ما قدموه من درس أكاديمي عميق وجمال مسرحي نابع من قلق العصر وروح الإبداع، جعل من (One Way) تجربة معرفية وفنية جديرة بالتأمل والاحتفاء.

لا يتوفر وصف.

Related Articles

Back to top button