مقالات

بلاغة مقومات الفرجة في عرض “رحبة لفراجة”/ من إنجاز: رشيد بلفقيه

يعد العنوان عتبة حيوية ومكثفة الدلالات في تلقي كل عمل فني، كما يُعدّ موجِّها أوليا في تأويل معانيه. وفقا لهذه القاعدة الثابتة يشكل العنوان موجها فارقا في ولوج عوالم العرض المسرحي “رحبة لفراجة” الذي اجتهد في تقديمه طلبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية شعيب الدكالي برسم الموسم الجامعي الحالي (2024/2025)، في إطار أنشطة مختبر اللغة والخطاب والدراسات الثقافية، وبتنسيق مع شعبة التكوينات العرضانية، وبتأطير مقتدر من الدكتورين محمد صبري وعز العرب إدريسي أزمي.

يُستحضَرُ فضاء “الرحبة”، منذ عتبة العنوان، بوصفه من جهة عنصرا محوريا ضمن مكونات التركيبة الفرجوية المزمع تقديمها للمتفرجين، وبوصفه في الواقع العنصر الأبرز ضمن عناصر الأسواق الشعبية، والمكون الأساسي في الآن نفسه في تشكيل السّاحات العمومية المغربية أيضا، مما يجعل إجراء استدعائه إلى العرض عامل تكثيف لمعانيه، وخيطا ناظما يحقق اتساق مكونات الفرجة وانسجامها بتدبير بليغ يربطها ربطا دقيقا بأصالة الثقافة المغربية ممثلة في الأسواق والساحات.

لا يتوفر وصف.

يدعو العرض المتلقي إلى الوقوف مليّا في “رحبة لفراجة” بالذات دون غيرها من الرحبات بوصفها المساحة التي تخصصت في عرض أصناف الممارسات الاحتفالية والفرجوية التقليدية الأصيلة، من قبيل الحلقة، البساط، رقصات عبيدات الرمى، والعيوط … إلخ، والتي كان الزائر يلجها بعد الانتهاء من قضاء مآربه الدنيوية في بقية الرحبات بحثا عن تسلية روحية، فتستدرجه بعض فقراتها -بقصد أو بدونه- إلى مسار إقناعي يخلخل قناعاته، ويحثّه على إمعان النظر في موقفه من قضايا مجتمعية معينة، والتفكير بشكل جماعي لا يخلو من سخرية لاذعة أو دعابة، مما يجعله في وضعية حجاجية إقناعية تستهدف استبدال قناعاته أو تكرسها.

يستثمر العرض مفهوم الفضاء العمومي أيضا، بوصفه المكان الأنسب للتداول في قضايا المجتمع، بشكل هو الأقرب إلى النقاش الديمقراطي، لأنه فضاء يُغيِّب السلطة المركزية، في بعديها المادي والأخلاقي، وينصّب عوضا عنها سلطة “الرمى” الذين يتجولون في الدواوير لامتاع الناس وتسليتهم، ولكن أيضا للفصل بينهم في قضايا وخلافات عالقة، فتصير رحبة الرمى مركز اهتمام شخصيات العرض، فهي الملهى، والمحكمة، وتغدو الفضاء الذي يجمع المقدس والمدنس والمكان الذي يُتخذّ محرابا لاستجداء رحمة الله.

لا يتوفر وصف.

على مستوى الأحداث، يتخذ المسار الدرامي في العرض منحى متكسرا، لا يلتزم بمسار تصاعدي، لاعتماده على سرد متشذر لمجموعة من القصص التي تبدأ بمشهد استهلالي يعمد فيه الممثلون  إلى تبادل الأدوار مع جمهور المشاهدين، من خلال الوقوف على الخشبة ومتابعة حركة المتفرجين وهم يلجون القاعة، ثم حركيتهم وهم يستقرون على المقاعد، إلى ان تخمد حركاتهم وأصواتهم ليستعيدوا سلطة الحكي وزمام العرض بعد ذلك، مما يجعل وظيفة تقديم الفرجة مشتركة بين طرفي العرض المسرحي أي المشاهد والممثل، وهو ما يحقق توازنا تواصليا، فللجمهور صوت بدوره، وله حضور يستحق الانتباه والوقوف والانتظار ايضا، بل هو الأسبق في التعبير عن نفسه حتى قبل أن ينطلق الممثلون في أداء عرضهم.

تتوالى مشاهد العرض انطلاقا من مستشفى المجانين الذي يقف المتفرج حائرا في التمييز بين المجنون الحقيقي فيه والعاقل، أيكون المجنون هو ذلك الطاقم الطبي غير المتجانس الذي يحاول معالجة المرضى (الزبناء) بطرق مستهترة، أم هو ذلك الزائر الحالم الذي يلج المستشفى بحثا عن حقّ مسلوب فقد معه جزءا من عقله وإدراكه، دون أن يفقد كرامته، وأنفته وعزة نفسه تلك السمات التي يستدعي شخصية عنترة العبسي للتعبير عنها، بوصفه الشاعر العربي الأصيل الذي عانى من جور ذويه وأقربائه أكثر من أعدائه، وبوصفها الشخصية الأمثل للتعبير عن اعتزازه بنفسه وبماضيه رغم ما يحيط به من إحباطات.

لا يتوفر وصف.

ثم تنتقل فضاءات بقية الأحداث إلى البادية، فيتابع الجمهور في قالب احتفالي طافح، طقوس استقبال جوقة الرمى، التي تحل بالدوار قادمة من بين صفوف المشاهدين، في إصرار على جعل فضاء العرض فضاء مشتركا بين العارض والمتلقي، ومنازعته حياديته وانتمائه إلى ما يعتبر خارج الخشبة وبالتالي خارج العرض، وفور الانتهاء من فرجتهم المنتظرة بشغف من طرف ساكنة الدوار، ينخرط مقدم الرمى في الفصل بين المتنازعين في قضايا عالقة، لم تفلح سلطة شيخ القبيلة في حسمها، يحدث ذلك دون أن يغدو الركح محكمة خالصة، إذ ظلت مناوشات المتنازعين تعلو بين الفينة والأخرى مؤكدة وعيهم بحدود السلطة المخولة لمقدم الرمى، تلك السلطة غير المطلقة التي يمكن للجميع الوقوف على طرف منها دون أن يحتكرها أو يسخرها لصالحه، فتصير المرأة التي فقدت زوجها ندا مكافئا للرجل الجشع الذي يسعى إلى انتزاع حقها في الأرض، وتزدهر علاقات الحب بين بعض الشخصيات وتخرج للعلن بعد ان ظلت طي الكتمان في ما مضى مستغلة هامش الحرية المتاحة لها.

لم يقتصر العرض على الجانب التراثي من الثقافة المغربية فقط، بل انفتح على أساليب تعبيرية حديثة تمثلت في فنون الراب، والصلام، والتعبير الجسدي الذي قدم لوحات كوريغرافية استغلت في طرح أسئلة وجودية تسامت فوق القضايا اليومية التي حسم فيها مقدم الرمى، قضايا من قبيل السعي التراجيدي لمعرفة الذات الإنسانية، واستكشاف حدود قدراتها، ورغبات الأرواح الجامحة التي تتعب في تحقيق مطالبها الأجسام.

تميز فضاء اللعب بتدبير سينوغرافي مزج بين التوظيف التقريري والاستعاري لعناصر تأثيث الخشبة، فعمد فريق العمل إلى الاستفادة من مكونات الديكور استفادة مثالية، جعلت الصناديق الخشبية مثلا توظف بوصفها مقاعد، ثم تصير أرائك، ثم أسرة، ثم قبورا في نهاية العرض، ووفقا للتدبير نفسه وظفت الإضاءة في العرض متجاوزة وظيفة إنارة الأشياء والأشخاص على الخشبة لتساهم في إبراز حالات الغضب والفرح والخوف المرتبطة بألوان محددة، فكان توظيف الضوء الأحمر مثلا في بعض المشاهد معززا لمشاعر الغضب وموحيا بالإحساس بالخطر، فيما وظف تنوع الأضواء والألوان في بعض الرقصات الكوريغرافية للتعبير عن التغير السريع في مزاج الشخصيات وتناقض مشاعرها … إلخ.

 

على مستوى الخطاب، اشتغل العرض المسرحي على قضايا مجتمعية متعدّدة جعلته عرضا قريبا من نبض المجتمع ومصباحا يضيء مواطن الخلل المعتمة فيه، من قبيل إعلاء مكانة الرجل في مجتمع ما يزال في عمقه ذكوريا رغم قشرة التحضر الذي يدعيها، وغياب الآفاق في وجه الشباب الحالم بمستقبل واسع يساير طموحاته التي لا سقف لها، مما جعل خطاب العرض يتشكل محاججا للدفاع عن حقوق فئات مستضعفة، استعيرت للتعبير عنها شخصيات رمزية مثل الزوجة التي لم تنجح في إنجاب مولود ذكر يضمن حقوقها في تركة الزوج، والابن المتبنى الذي يشكو التمييز، والعانس التي لا تطمح إلا في العثور على زوج يسترها … إلخ.

لا يتوفر وصف.

رافقت مشاهد العرض المتجاورة موسيقى ساهمت بشكل كبير في تبئير مشاعر الفرح والحزن في بعض المشاهد، كما ساهمت في جعل الجمهور ينخرط بحماس كبير في التجاوب مع بعض اللوحات التراثية الفنية المدمجة في العرض في مشاهد أخرى، وقد ساهم تمايز الايقاعات وتناقضها في العديد من المشاهد، وانتقالها السلس من الصخب إلى الصمت، ومن قمة الحزن على أقصى أطراف الفرح في ملء الفراغات، في إبراز مشاعر الممثلين الذين اتسم اداؤهم بالانسجام والتكامل.

بهذه المقومات يمكن القول إن عرض “رحبة لفراجة” حقق الامتاع بالإضافة إلى الإقناع حين اختار الانخراط في تقديم مسرح يسعى إلى الدفاع عن العديد من القضايا المطروحة على النقاش في مجتمع يستم بالحركية والدينامية المستمرة فكريا وفنيا وإبداعيا، وهو ما يعيد المسرح إلى دوره بوصفه مشاركا رئيسيا في كل حوار مجتمعي.

 

لا يتوفر وصف.

مرفقات القراءة:

ورقة تقنية عن العرض المسرحي

إعداد الممثل والإخراج: حمزة بنحيدا

تقنية المابينغ والإضاءة: إلياس رهني

المحافظة العامة: فاطنة بلمهول

إشراف: د. محمد صبري ود. عز العرب إدريسي أزمي

تشخيص: زهير الدحماني، عبد الله المحمدي، محمد بلهبرة، عبد المنعم مزيات، عصام أزبيري، سعاد منزولة، ياسمين بوينه، محمد الرياحي، عبد المالك أحفاض ، آسية جنسي، حسن دولهيمة.

لا يتوفر وصف.

Related Articles

Back to top button